فهرس الكتاب

الصفحة 4853 من 5777

موسم الزاد

الرقاق والأخلاق والآداب

فضائل الأزمنة والأمكنة

عبد المحسن بن محمد القاسم

المدينة المنورة

المسجد النبوي

1-رمضان غرة العام. 2- اغتنام السلف لرمضان. 3- فضل النفقة في هذا الشهر الكريم. 4- الزكاة من أركان الإسلام. 5- العاصم من فتنة الشبهات. 6- المرأة في رمضان. 7- التحذير من الاستهزاء بالإسلام. 8- الحث على المحافظة على الإعمال الصالحة.

أمّا بعد: فاتَّقوا الله ـ عبادَ الله ـ حقَّ التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى.

أيّها المسلمون، جعل الله شهرَ رمضانَ غُرّةَ العام، وفضَّل أوقاته على سائرِ الأوقات، وخصَّه بمزيدِ الفضل والإكرام، نهارُه صيامٌ وليلُه قيام، آياتُ الكتاب فيه تُقرَأ وتُتلى، تغلَّق فيه أبواب النيران وتُفتَّح فيه أبواب الجنان، فيه تضاعَف الأعمال وتكفَّر الخطايا والأوزار، قال عليه الصلاة والسلام: (( الصلواتُ الخمس والجمعة إلى الجمعةِ ورمضان إلى رمضان مكفِّرات لما بينهما إذا اجتُنِبَت الكبائر ) )رواه مسلم. قال ابن رجبٍ رحمه الله:"المغفِرة والعِتق كلٌّ منهما مرتَّب على صيامِ رمضان وقيامه".

هو شهرُ الخيرات ومضاعَفة الحسنات، شهرُ إقالة العثَرات، صيامُه وقيامه سببٌ لمغفرة الذّنوب، أجورُ تلاوته مضاعَفَة، فاغتَنَم السلف زمانَه بالتلاوة والقيام، فكان الأسود رحمه الله يختِم القرآن في كلّ ليلتين، قال عثمان: (لو طهرَت قلوبُكم ما شبِعتم من كلام ربِّكم) .

التجارةُ فيه رابحة مضاعَفة، المنفِق موعودٌ بالغفران والغِنى، قال عزّ وجلّ: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا [البقرة:268] ، بل إنّ النفقةَ مُخلَفَة، وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ:39] . وكان النبيّ أعظمَ الناس صدقةً، وكان لا يستكثِر شيئًا أعطاه ولا يردّ سائلًا، وكان العطاء والصدقةُ أحبَّ شيءٍ إليه، وكان سروره بما يعطيه أعظمَ من سرور الآخذِ بما يأخذه.

والزكاةُ مِن قوائم هذا الدين، لا يقوم الإسلام إلاّ بها، تطهِّر المال وتنمِّيه وتزكِّيه، فطِب بها نفسًا، وابذُل بها كفًّا، ووَاسِ بها محرومًا، وأخلِص بها قلبًا، واحذَر لها تسويفًا، فالوعيد شديدٌ على من يبخَل بها.

والمسلم تتكَالب عليه فتن الأهواء والشبهات، والتوجه إلى الله بالتعبد في خير ليالي الدهر من أسباب درئها عن الفؤاد، فالعبد كلّما قرب من الله خنَس الشيطان منه، قال سبحانه عن إبليس: قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ [ص:82، 83] . قال ابن القيِّم رحمه الله:"ما استعان أحدٌ على تقوى الله وحفظِ حدوده واجتنابِ محارمه بمثلِ الصوم".

فحقيقٌ بالمسلم أن يكثرَ من تلاوة كتاب الله العظيم، وأن لا يَنصرفَ في ليلته إلاّ مع إمامه طمَعًا في حطِّ أوزاره وخطاياه، كما قال عليه الصلاة والسلام: (( من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدَّم من ذنبه ) )متفق عليه.

وفي اعتكاف القلب والبدن في لياليه العشر في بيوتِ الله بالتبَتُّل والتضرُّع تزكيةٌ للقلوب وسلامَة من الوقوع في الزّلَل والعصيان.

والمرأة مأمورة بما يؤمَر به الرجال من التلاوة والتعبُّد وقيام الليل، إلاّ أنَّ صلاتها في دارها خيرٌ لها من صلاتها في مسجدها، قال: (( وبيوتهن خيرٌ لهنّ ) )رواه أبو داود. وعليها أن تحافظَ على تعبُّدها بالسِّتر والعفاف وكمالِ الحجاب، ولْتحافظْ على اغتنام لحظاتِ الشهر بما يقرِّبها إلى الله.

أيّها المسلمون، دين الله متينٌ، وشرعه قويٌّ قويم، تكفَّل الله بنصرته ونشرِه في الآفاق، قال عزّ وجلّ: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [الفتح:28] . وفي هذا الشهرِ الكريم قاتَلت الملائكة لإعزاز الدين مع نبيِّ الله وصحبه في أعظم وأوّلِ غزوة كانت هي الفرقان بين الحقِّ والباطل، إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال:9] .

وإنَّ السخريةَ بالدين في زمن نُصرة الله له وفي ليالي تنزيلِ القرآن العظيم من الخُذلان المبين ومن المحادَّة لربِّ العالمين، قال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ [المجادلة:20] . ومن سخر بالدين سخِر الله منه وأذلَّه وتوعَّده، قال سبحانه: وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنْ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ [الأعراف:50، 51] .

وفرضٌ على كلِّ عبد الانقيادُ لهذا الدين والتذلُّل له وتعظيمُ شعائره وشرعِه والابتعاد عن الطعن فيه أو السخريةِ به أو الاستهزاء بأحكامه. وحرامٌ على المسلم النظرُ إلى ما فيه طعنٌ بشعائر الإسلام، قال جل وعلا: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ [النساء:140] . ومن بُلِي بمثل تلك العظائمِ فعليه بالتوبةِ الصادقة والحذر من استدراج الله له، فكيدُ الله متين وبطشُه شديد وأبواب رمضان مفتَّحة لعباده الآيِبين.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران:133] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونَفَعني الله وإيّاكم بما فيه من الآيات والذّكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كلّ ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله عَلى إحسانِه، والشّكر لَه عَلَى توفيقهِ وامتنانِه، وأشهد أن لاَ إلهَ إلاّ الله وحدَه لا شَريك له، وأشهَد أن نبيّنا محمّدًا عبده ورَسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابِه.

أمّا بعد: أيّها المسلِمون، القلوبُ أوعية متنوِّعةٌ، وخيرُها أوعاها، وتصفيةُ العمل من الآفاتِ أشدُّ من العمل، ورمضان موسِم البدار للأعمال الصالحة، وقد أفلح من أخلَصَ فيه لربِّه، وكلُّ ما لا يُبتَغَى به وجه الله يضمحلّ، وكِتمان الحسنات من الإخلاص، والرياء من مفسدات الأعمال، فتزوَّد لآخرتِك وتجافَ عن دُنياك، واستعِدَّ للموت وبادِرِ الفوت، وأكثر من الطاعات، وانْأَ بنفسِك عن الذنوبِ والأوزار، فالدنيا أولها عناء، وآخرها فناء، وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31] .

ثم اعلموا أن الله أمركم بالصلاة والسلام على نبيّه، فقال في محكَم التنزيلِ: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .

اللّهمّ صلّ وسلّم وبارك على نبيّنا محمّد...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت