الرقاق والأخلاق والآداب
آفات اللسان
عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
الرياض
جامع الإمام تركي بن عبد الله
1-الحث على حفظ اللسان. 2- من الاستهزاء والسخرية ما يكون كفرا. 3- الاستهزاء بالدين من صفات المنافقين. 4- التحذير من الاستهزاء بالله وشرعه وبالرسول وسنته. 5- التحذير من الاستهزاء بالعصاة. 6- التحذير من الاستهزاء بالمسلمين.
أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.
عباد الله، إن المسلم حقًا من وُفِّق لصيانة لسانه من الأقوال البذيئة والكلمات الساقطة التي لا خير فيها، ولا منفعة من ورائها، فإن الله جل وعلا يُبغض الفاحشَ البذيء، وربنا يقول: وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا [البقرة:83] .
فأعظمُ الناس حزمًا من وفَّقه الله فوزن ألفاظَه قبل أن يقولَها، وفكَّر في عواقبها ونتائجها، فما كان من الكلام خيرًا نطق به، وما كان شرًا أمسك عنه، واتقى الله في أموره كلها، مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18] .
كم من كلماتٍ أوبقت دنيا العبد وآخرتَه، كم من ألفاظ قضت على كثير من صالح أعماله، كم من كلمات أوقدت نارَ الفتنة بينه وبين إخوانه، فليتبصَّر العاقل في نفسه، وليحاسب قبل أن يتكلم، فإن يكن الكلام خيرًا فالحمد لله، ينطق به، وإن يكن باطلًا أعرض عنه واتقى الله، وَ?لَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِرامًا [الفرقان:72] .
أيها المسلم، من تلكم الألفاظ الاستهزاء والسخرية، وهما لفظان سيِّئان، وقد يكونان كفرًا، وقد يكونان من كبائر الذنوب، فعلى المسلم أن يتدبَّر ويتفكَّر فيما يقول قبل أن تزلَّ قدمُه بما يندم عليه.
أيها المسلم، الاستهزاء والسخرية ـ كما سبق ـ منها ما يكون كفرًا ومنها ما يكون من كبائر الذنوب.
فالاستهزاء السيئ الذي قد يكون كفرًا أو يؤول إليه الاستهزاءُ بالله، الاستهزاءُ بدينه، الاستهزاء برسوله، السخرية بأوامر الله، السخرية بنواهي الله، السخرية بوعد الله ووعيده.
فأما الاستهزاء بدين الله فإنما هو من أخلاق المنافقين وليس من أخلاق المسلمين، إذ المسلم معظِّم لله، معظمٌ لدينه، معظّم لنبيه ، مصدق بوعد الله، مصدق بوعيد الله، ما أخبر به الله ورسوله فهو حق عنده مقبول، لا تردُّد عنده في ذلك، هكذا المؤمن حقًا. أما المنافقون الذين آمنوا بألسنتهم وكفرت قلوبُهم فهم أهلُ الاستهزاء والسخرية بالله وبدينه، قال تعالى عن المنافقين: وَإِذَا لَقُواْ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ قَالُوا ءامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى? شَيَـ?طِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ ?للَّهُ يَسْتَهْزِىء بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَـ?نِهِمْ يَعْمَهُونَ [البقرة:14، 15] ، فالمنافقون إذا لقوا أهل الإيمان والتقى، قَالُوا ءامَنَّا ، ونحن معكم، وعلى طريقكم، وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى? شَيَـ?طِينِهِمْ من الإنس الذين تمادوا معهم على الباطل في الباطن قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ ، آمنا استهزاءً بهم وسخريةً منهم.
قال تعالى: زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ?لْحَيَو?ةُ ?لدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَ?لَّذِينَ ?تَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ?لْقِيَـ?مَةِ [البقرة:212] ، فأخبر أنهم يسخرون من الذين آمنوا، يسخرون من دينهم، يسخرون من إيمانهم، يسخرون من تمسكهم بشرع الله وإيمانهم بما أخبر الله به وحَذرِهم من عقاب الله، قال تعالى عنهم: إِذْ يَقُولُ ?لْمُنَـ?فِقُونَ وَ?لَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَؤُلاء دِينُهُمْ [الأنفال:49] ، فالمنافقون لما شاهدوا المؤمنين يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، يُصدِّقون أمرَ الله، ويبتعدون عن نهي الله، ويقفون عند حدود الله قالوا كما قال الله: غَرَّ هَؤُلاء دِينُهُمْ يعني يقولون: هؤلاء آمنوا بشيء لم يروه، وصدقوا بشيء لم يعاينوه، غرَّهم دينهم، غرهم إسلامهم، خدعهم إيمانهم، هكذا حال المنافق. أما المؤمن فكما قال الله: ءامَنَ ?لرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ وَ?لْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءامَنَ بِ?للَّهِ وَمَلَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ?لْمَصِيرُ [البقرة:285] ، وكما قال الله: ?لَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِ?لْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ?لصَّلو?ةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـ?هُمْ يُنفِقُونَ وَ?لَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِ?لآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُوْلَـ?ئِكَ عَلَى? هُدًى مّن رَّبّهِمْ وَأُوْلَـ?ئِكَ هُمُ ?لْمُفْلِحُونَ [البقرة:3-5] .
أيها المسلم، الاستهزاء بالإسلام لا يصدر من قلب فيه إيمان، وحقيقةُ الاستهزاء التكذيب بالخبر وعدمُ التصديق به، فهذا المنافق إذا أخبرته عما أمر الله به وما نهى الله عنه ووعْدِ الله ووعيده سخر بك واستهزأ بك، وقال: هذه أمور لا حقيقةَ لها ولا صِدق لها، هكذا الاستهزاء يدعو إلى التكذيب والإنكار.
المسلم يعظِّم ربَّه، آمن بربِّه إيمانًا صادقًا، فهو يعظِّم ربه ويجلُّه، وفي قلبه من تعظيم الله والثناء عليه ما الله به عليم، إذًا فهو لا يستهزئ بالله، بل يؤمن بالله حقَّ الإيمان، وينقاد له حق الانقياد، ويسمع ويطيع، ويخاف الله ويحبُّه ويرجوه، فلا يليق به أن يستهزئ بربه، أو يسخر بربه، بل ذلك عنده من أعظم العظائم وأكبر البلاء، بل هو يؤمن بربه حقَّ الإيمان، ويؤمن بمحمَّد حقَّ الإيمان، ويصدِّقه فيما أخبر به، ويطيعه فيما أمره به، ويجتنب ما نهى عنه وزجر.
المسلم معظِّم لدين الإسلام، قابلٌ للأوامر، مجتنبٌ للنواهي، يعلم أن هذا الدين الإسلامي هو الدين الحق الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه، وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ?لإسْلَـ?مِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى ?لآخِرَةِ مِنَ ?لْخَـ?سِرِينَ [آل عمران:85] .
أيها المسلم، بعض المسلمين قد تزلُّ [بهم] الألسنة بكلام سيئ من غير أن يبالي به، وتلك الكلمات توقعه في عذاب الله، يستهزئ برسول الله، يستهزئ بسنته، يستهزئ بآدابه، يستهزئ بشريعته، إذا قلت له: يا هذا، اللهُ أمرك أن تجعلَ محمدًا قدوتَك وإمامك تقتدي به، وتتأسَّى بسنته، وتتَّبع هديَه، سخِر منك واستهزأ بك، لو قلت له: نبينا له آداب في أكل الطعام، وله آداب في النوم، وله آداب في دخول المنزل وخروجه، وله آداب في التعامل مع الناس، سخر منك واستهزأ بك، ولا يبالي أن يقول ما يقول، لو قلت له: يا أخي المسلم، محمد كان كثَّ اللحية، وحذَّرنا من حلق اللحية، وقال لنا: (( خالفوا المجوس، قصوا الشوارب وأرخوا اللحى ) ) [1] تراه يسخر بك، ويستهزئ بك، وربما سخر بمحمد ، لا يحبُّ أن تذكرَ له سنةَ نبيك، ولا أخلاقه ولا هديَه، بل ينفر من ذلك تكذيبًا وسخريةً واستهزاء.
فيا أيها المسلم، اتق الله فيما تقول، واعلم أن استهزاءك أو سخريتَك بنبيك وبشيء من سنته وبشيء من أمره أو بشيء من نهيه [يجعلك] على خطرٍ عظيم، يوشك أن تلقى الله على غير هدًى إن لم يداركك الله برحمة وتوبة نصوح.
قال الله تعالى: ?لَّذِينَ يَلْمِزُونَ ?لْمُطَّوّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَـ?تِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ ?للَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة:79] ، سخروا بالمتصدقين بالقليل الذين تصدَّقوا بقدر جهدهم، فسخر الله منهم لأن سخريتهم بهم من باب احتقارهم وإذلالهم.
أيها المسلم، في عهد نبينا بعضُ ضعفاء الإيمان تحدَّثوا بكلام سيئ، عابوا فيه الرسول وأصحابه، فكفَّرهم الله بتلك المقولة، قال قائلهم: ما رأينا مثلَ قرائنا هؤلاء، أكذبُنا ألسنة، وأجبنُنا عند اللقاء، وأرغبُنا بطونًا، وصفوهم بكذب الحديث والجبن والشرَه في الطعام والشراب، وهم في ذلك كاذبون، قالوها من باب السخرية بهم، يعنون رسولَ الله وأصحابَه القراء أهلَ الصدق والإيمان والوفاء، فأنزل الله: وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ، قال الله: قُلْ أَبِ?للَّهِ وَءايَـ?تِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَـ?نِكُمْ [التوبة:65، 66] ، فحكم الله عليهم بالإيمان، ثم حكم عليهم بالكفر بعد الإيمان بسبب استهزائهم بمحمد وأصحابه.
فيا أخي المسلم، احذرْ الاستهزاء، قد يعمل المسلم معصيةً ويرتكب خطأ وهو يشعر بخطئه وجهله، فهذا يُرجى أن يتوب إلى الله، لكن من يسخر بالإسلام، من يسخر بالسنة وآدابها ويستنقصها ويحتقرها، فذاك البلاء العظيم.
تقول له: يا هذا، نبينا يقول: (( ما أسفل من الكعبين [من الإزار] ففي النار ) ) [2] فيسخر منك ويستهزئ بك، تقول له: نبينا أمر بقصِّ الشارب وإعفاء اللحية، وربما أبقى شاربه عنادًا للسنة، ومراغمة لها، تقول: يا أخي، لنبيك هديٌ في كلِّ الأحوال فاستمسك به، فينطق بكلمات بذيئة تدل على عدم تقيُّده وخضوعه للشرع، يسخر بدين الإسلام، يسخر من الصلاة، ويسخر من الزكاة، ويسخر من الصوم والحج، ويسخر من أوامر الإسلام، ويصف الإسلام بالجمود والرجعية والتأخر، وأنه ما أخَّر الأمةَ سوى تمسكُها بهذا الدين، وأن ترك هذا الدين عزٌّ كما يزعم، وكل هذا من النفاق والبلاء.
فليتَّق المسلم ربَّه، وليعظِّم ربَّه ونبيَّه، وليعظِم دينَ الإسلام، وليعلم أن السخرية بشيء من هذا عنوانُ النفاق والعياذ بالله، إِنَّ ?لَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ [المطففين:29، 30] الآية.
إن الاستهزاء بالإسلام وبالنبي وبربِّ العالمين سببه ضعفُ الإيمان، قلة الخوف من الله، عدم اليقين الصادق بالوعيد الشديد على ذلك، نبينا يقول: (( إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبيَّن فيها يهوي بها في النار أبعدَ ما بين المشرق والمغرب ) ) [3] ، وفي لفظ: (( إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظنُّ أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه ) ) [4] .
فيا أيها المسلم، اتق الله في دينك ونبيك، واحذر السخرية والاستهزاء، واقبل شرعَ الله، واعلم أنه الحقُّ لا شك فيه، واحذر أن يخدعك ضعفاء البصائر ممن يتخذون مجالسَهم في التفكُّه والضحك، فيسخرون من الإسلام وأهلِه، ويعيبون الإسلام وأهلَه، وتنفضّ مجالسهم عن باطل وضلال، أعاذنا الله وإياكم من ذلك.
فعظموا شرعَ الله، وعظموا دينَه، وتمسَّكوا به لعلكم تفلحون، واحفظوا ألسنتكم من أقوال سيئة قد تؤدي بكم إلى شر وبلاء، قال أبو هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله: (( إن فيمن قبلكم رجلين كان أحدهما صالحا وكان الآخر مسيئًا، فكان الرجل الصالح يأمر هذا وينهاه، فلما طال الأمد قال: والله لا يغفر الله لك، فقبضهما الله، فأوقف هذا بين يديه، وقال: من يتألى عليَّ أن لا أغفر لفلان، قد غفرتُ له وأحبطتُ عملك ) )، قال أبو هريرة: تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته [5] .
فأنت إذا رأيتَ العاصي تستطيع أن تقول: هذا لا يغفر له؟! فلا تحكم عليه بأن الله لا يتوب عليه، فالله أحكم وأعلم وأعدل، فقد يمنُّ عليه بتوبة نصوح، يقول الله لنبيه لما دعا على نفر من كفار قريش: لَيْسَ لَكَ مِنَ ?لأمْرِ شَىْء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَـ?لِمُونَ [آل عمران:128] .
إذًا فلنحفظ ألسنتَنا عن هذه الأقوال السيئة لنحفظَ علينا إسلامنا، وفقني الله وإياكم لما يرضيه، وعصمني وإياكم من سخطه، إنه على كل شيء قدير.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.
[1] أخرجه مسلم في الطهارة (260) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بنحوه.
[2] أخرجه البخاري في اللباس (5787) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[3] أخرجه البخاري في الرقاق (6477) ، ومسلم في الزهد (2988) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[4] أخرجه مالك في الموطأ (1848) ، وأحمد (3/469) ، والترمذي في الزهد (2319) ، وابن ماجه في الفتن (3969) من حديث بلال بن الحارث المزني رضي الله عنه، وقال الترمذي:"وفي الباب عن أم حبيبة، وهذا حديث حسن صحيح"، وصححه ابن حبان (281) ، والحاكم (1/107-108) ، وهو في السلسلة الصحيحة (888) .
[5] أخرجه أحمد (2/323) ، وأبو داود في الأدب (4901) ، والبيهقي في الشعب (6689) ، وصححه ابن حبان (5712) ، وحسنه ابن أبي العز في شرح الطحاوية (ص319) ، ووافقه الألباني.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.
عباد الله، إن من السخرية والاستهزاء السخريةَ بأخيك المسلم في خلقه، في كلامه، في أفعاله، فسخريتُك منه نقصٌ في إيمانك، والله يقول: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مّن قَوْمٍ عَسَى? أَن يَكُونُواْ خَيْرًا مّنْهُمْ وَلاَ نِسَاء مّن نّسَاء عَسَى? أَن يَكُنَّ خَيْرًا مّنْهُنَّ [الحجرات:11] .
أخي المسلم، لو رأيتَ في أخيك في خَلقه بعض الشيء فإياك أن تسخر منه، وإياك أن تستهزئ به، فذاك خَلقُ الله، وتبارك الله أحسن الخالقين.
يا أخي، قد ترى من أخيك شيئًا من مخالفة الشرع فإياك أن تسخر منه، وإياك أن تحتقره، وإياك أن تشمت به، فإن شماتتك به وسخريتَك به قد يعود البلاء عليك، والبلاء موكَّل بالمنطق، وفي الأثر: (( لا تظهر الشماتة بأخيك، فيعافيَه الله ويبتليك ) ) [1] .
إذا رأيتَ مبتلى في دينه أو في بدنه فقل: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاه به وفضَّلني على كثير ممن خلق تفضيلًا، فالذي قدَّر له ما قدَّر قادر أن يجعلك مثلَه أو أقلَّ منه، إن عِبْته بنقص في دينه، فإياك والسخرية منه، انصحه ووجِّهه، أما أن تجعلَه حديثَ مجالسك تتحدَّث عن سيئاته وعن أخطائه وعن أعماله السيئة فرِحًا مبسوطًا بذلك فيوشك أن يعاقبك الله فتكون مثلَه، وفي الأثر: (( من عَيَّر أخاه بذنب لم يمت حتى يفعل مثله ) ) [2] ، وإن كان في خلقه فالله قادر أن يحوِّلك مثله، فإياك والسخرية به، فإن السخرية نقص في الإيمان قال الله: وَقُل لّعِبَادِى يَقُولُواْ ?لَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ ?لشَّيْطَـ?نَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ [الإسراء:53] ، فحذار من السخرية بالناس في أخلاقهم وأعمالهم، وحذار من عيبهم والتنقص بهم، (( المسلم أخو المسلم، لا يكذبه ولا يخذله ولا يحقره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه ) ) [3] ، فاحترم إخوانَك، وإياك والسخرية منهم والتنقص لشأنهم، وإياك أن تجعلهم مضحكةً لك، لتنبسطَ على عيبهم والتحدثِ عن نقصهم، فذاك من ضعف الإيمان، عفانا الله وإياكم من ذلك.
واعلموا ـ رحمكم الله ـ أن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار.
وصلوا ـ رحمكم الله ـ على محمد بن عبد الله كما أمركم بذلك ربكم قال تعالى: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين...
[1] أخرجه الترمذي في الرقاق (2506) ، والطبراني في الكبير (22/53) والأوسط (3739) ، وأبو نعيم في الحلية (5/186) ، والقضاعي في مسند الشهاب (2/77-78) ، والبيهقي في الشعب (6777) ، والخطيب في تاريخه (9/95) من طريق مكحول عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه مرفوعا، وقال الترمذي:"هذا حديث حسن غريب"، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (1470) بتدليس مكحول.
[2] أخرجه الترمذي في الرقاق (2505) ، وابن عدي في الكامل (6/172) ، والبيهقي في الشعب (6778) ، والخطيب في تاريخه (2/340) من طريق خالد بن معدان عن معاذ بن جبل رضي الله عنه مرفوعا، وقال الترمذي:"هذا حديث غريب وليس إسناده بمتصل، وخالد بن معدان لم يدرك معاذ بن جبل، وروي عن خالد بن معدان أنه أدرك سبعين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومات معاذ بن جبل في خلافة عمر بن الخطاب، وخالد بن معدان روى عن غير واحد من أصحاب معاذ عن معاذ غير حديث"، وحكم عليه أبو زرعة بالنكارة كما في سؤالات البرذعي (ص284-286) ، وحكم عليه ابن الجوزي بالوضع، والصاغاني في الموضوعات (ص6) ، وكذا الألباني في السلسلة الضعيفة (178) ، لأن فيه محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني رمي بالوضع. وقد روي من قول الحسن البصري رحمه الله.
[3] أخرجه مسلم في البر (2564) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بنحوه.