فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 5777

فضل الاكتساب

الرقاق والأخلاق والآداب

الزهد والورع

صالح بن عبد الرحمن الأطرم

الرياض

غير محدد

الأمر بالكسب الطيب والعمل - الأخذ بالأسباب دون الاعتماد عليها - كيف يكون العمل المباح

عبادة - فضل عمل اليد والحض عليه

أما بعد:

فيا أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى، والتزموا أوامره، واعلموا أن الله أوجد الإنسان عاملًا متحركًا وساعيًا كادحًا، متطلعًا لاكتساب المال وهو مأمور بذلك، ولكن أنيط به هذا الأمر بسمو المراد، وعلو الهمة، ونيل الغاية، وهذا يعني به اكتساب الطيب والحلال والعمل الشريف، مراعيًا فيه ما رسمته الشريعة من طرق الاكتساب، وقد جاءت النصوص تحث على العمل وتأمر به وتجعله سببًا لمورد الرزق والفوز في الدنيا والآخرة، وتربط العامل بمن عمل من أجله وهو ربه وخالقه وإلهه؛ لأن العامل والعابد حينما يعمل ويعبد وهو لا يراعي مراقبة ربه وعلمه فإن ذلك لا ينفعه، قال تعالى: لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئًا [مريم:42] ، قالها حكاية عن إبراهيم مخاطبًا أباه وقومه، وقال تعالى: وَقُلِ ?عْمَلُواْ فَسَيَرَى ?للَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَ?لْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى? عَـ?لِمِ ?لْغَيْبِ وَ?لشَّهَـ?دَةِ فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [التوبة:105] .

على أن العامل مستعين بالله ومتوكل عليه، فالاعتماد على الأسباب يقدح بالتوحيد والعقيدة، والاستعانة بالله بدون فعل سبب عجز وغرور، قال تعالى: ?دْخُلُواْ ?لْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل:32] ، وقال: (( احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز ) ) [1] ، فأنت أيها العامل عليك بفعل السبب المشروع كما أمرت، والله المهيئ والميسر حيث ربط المسببات بالأسباب، فشُكره وذِكره وطاعته وحسن عبادته والإخلاص فيها سبب لدخول الجنة، إذا تغمدك برحمته، والزواج سبب للولد، والحرث سبب للحب والثمرة، والبيع والشراء سبب لحصول النقود بيدك، وكذا الأعمال المهنية سبب لاكتساب النقود، ولكن إن وجدت النية الصادقة الصالحة لهذه الأعمال حتى يتقوى بها على طاعته سبحانه، واكتسبها على ما رسمته شريعة الله، فقصد بالزواج عفة الفرج، وغض البصر، وبالولد تكثير أمة محمد وعبيد الرحمن.

فهذا السعي النافع والعمل المثمر، وإن خلا عمله مما تقدم فالمسلم وغيره سواء، والإنسان والبهائم في الهدف سواء؛ لأن الكل يطلب الشبع عن الجوع، والري عن الظمأ، وهكذا حينما يصدق الإنسان في معاملاته، ويحفظ أماناته من أجل الإنسانية وتثبيت السمعة لم ينفعه ذلك في الآخرة.

وخير ما يبتغي به المرء الكسب الحلال من عمل بيده، أو تجارة ملتمسًا أوضح طريق مشروع لاكتساب المال، قال: (( يأتي زمان على أمتي لا يبالي فيه المرء من أين اكتسب المال من حلال أو من حرام ) ) [2] ، وهذا لا شك أنه ذم لمن يصاحبه الجشع وعدم المبالاة لاكتساب المال من أي طريق كان، قال في فضل الاكتساب: (( ما أكل أحد طعامًا قط خير من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود - عليه والصلاة والسلام - كان يأكل من عمل يده ) ) [3] ، رواه البخاري، وابن ماجه، ولفظه قال: (( ما اكتسب ابن آدم كسبًا أطيب من عمل يده، وما أنفق الرجل على نفسه وأهله وولده وخادمه فهو صدقة ) ) [4] ، وقال: (( لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير له من أن يسأل أحدًا فيعطيه أو يمنعه ) ) [5] ، وسئل عليه الصلاة والسلام: أي الكسب أطيب؟ قال: (( عمل الرجل بيده ولك كسب مبرور... ) ) [6] .

فالإسلام - أيها المسلمون - دين عمل ليس الإسلام بالخمول والكسل، وأنه يؤخر عن العمل، وأن صاحبه يركن إلى العجز والخور والجبن والبخل، التي هي شر الصفات. ولقد كان الرسول الكريم يتعوذ منهن صباحًا ومساءً: (( أعوذ بك من الهمِّ والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وغلبة الدين وقهر الرجال ) ) [7] .

فكيف يظن بالإسلام إذا شوهد بعض الخمول في أهله ظن السوء؟ وهذا كلام رسول الله وهو التعوذ من العجز والكسل، فهما مصدر كل شر، ومانعًا كل خير، فالعاجز الكسول منقطع عن خيري الدنيا والآخرة.

وانظر - أيها المسلم - إلى تخطيط نبي الله ونبي الهدى في سيره وأقواله وأفعاله.

وهناك نموذج منه ليكشف عن بصرك وبصيرتك غمامة الجهل ودياجير الظلام.

عن أنس: (( أن رجلًا من الأنصار أتى إلى النبي فسأله، فقال: أما في بيتك شيء؟ قال: بلى، حِلْسِ نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقُعْب نشرب فيه الماء. قال: ائتني بهما، فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله، وقال: من يشتري هذين. قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين. فأعطاهما إياه، ثم أخذ الدرهمين فأعطاهما الأنصاري، وقال: اشتر بأحدهما طعامًا فانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدومًا فائتني به. فآتاه فشد فيه رسول الله عودًا بيده، ثم قال للأنصاري: اذهب فاحتطب وبع ولا أرينك خمسة عشر يومًا، ففعل فجاء وقد أصاب عشر دراهم، فاشترى ببعضها ثوبًا، وببعضها طعامًا، فقال النبي: هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة ) ) [8] .

فاتقوا الله - أيها المسلمون - وشمروا عن سواعدكم، قال تعالى: فَ?مْشُواْ فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رّزْقِهِ وَإِلَيْهِ ?لنُّشُورُ [الملك:15] .

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَقُلِ ?عْمَلُواْ فَسَيَرَى ?للَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَ?لْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى? عَـ?لِمِ ?لْغَيْبِ وَ?لشَّهَـ?دَةِ فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [التوبة:105] .

[1] أخرجه مسلم ح (2664) .

[2] أخرجه البخاري ح (2083) .

[3] صحيح البخاري ح (2072) .

[4] صحيح سنن ابن ماجه (2138) .

[5] أخرجه البخاري ح (2074) ، ومسلم ح (1042) .

[6] أخرجه أحمد (4/141) ، والحاكم (2/10) وقال: الشيخان لم يخرجا عن المسعودي ومحله الصدق.

قال الهيثمي في مجمع الزوائد (4/60 ـ 61) : وفيه المسعودي وهو ثقة، ولكنه اختلط، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح.

[7] صحيح، أخرجه أبو داود ح (1555) ، وعند البخاري ح (6363) : (( ... وضلع الدين، وغلبة الرجال ) ).

[8] أخرجه أبو داود (1641) ، وابن ماجه (2198) ، وفيه: أبو بكر الحنفي: لا يُعرف حاله. تقريب التهذيب (3748) .

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت