فهرس الكتاب

الصفحة 320 من 5777

الحشر

الرقاق والأخلاق والآداب

الموت والحشر

محمد بن إبراهيم حسان

المنصورة

غير محدد

1-صفة أرض المحشر 2- كيف يُحشَر الناس 3- هول الموقف 4- في ظلال العرش

أما بعد..

أحبتى في الله:

كنا قد انتهينا في اللقاء الماضى عند البعث، وتوقفنا عند هذه المشاهد التى تخلع القلوب، فلقد وقفنا عند هذا المنظر المهيب الرهيب لخروج الناس من قبورهم حفاة عراة غرلا، كل يبعث على الهيئة التى مات عليها فمن مات على طاعة بعث على طاعة ومن مات على معصية بعث على نفس المعصية التى مات عليها.

ذلك لقول النبى كما في صحيح مسلم: (( يبعث كل عبد على ما مات عليه ) ) ( [1] ) .

ولقد أجرى الله الكريم عادته بكرمه أن من عاش على شئ مات عليه ومن مات على شئ بعث عليه..

وأول من يبعث، وتنشق عنه الأرض يوم القيامة حبيب الرحمن محمد r ، ففى صحيح مسلم من حديث أبى هريرة رضى الله عنه أنه قال:

(( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأنا أول من ينشق عنه القبر، وأنا أول شافع وأول مُشَفَّع ) ) ( [2] ) .

وإذا كان المصطفى يوم القيامة أول من ينشق عنه القبر، فإن أول من يُكسى يوم القيامة خليل الرحمن أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام.

كما في صحيح مسلم من حديث ابن عباس أنه قال: (( ياأيها الناس إنكم تحشرون يوم القيامة حفاةً عراةً غُرْلا وأول الناس يُكْسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام ) ) ( [3] ) .

وفى رواية البيهقى من حديث ابن عباس أنه قال: (( أول الناس يُكسى من الجنة يوم القيامة إبراهيم عليه السلام ويؤتى بى فأُكسى حُلّة من الجنة لايقوم لها البشر ) ).

ولقد تكلم علماؤنا عن حكمة تقديم إبراهيم على نبينا محمد في الكسوة يوم القيامة.

ومن أجمل ماذكره أهل العلم أن المشركين لما هموا بحرق إبراهيم وأشعلوا نار متأججة وظلوا يجمعون لها الحطب شهورًا، وأيامًا حتى ارتفع لهيبها في عنان السماء فكانت الطيور تسقط من ارتفاع لهب هذه النيران فلما هموا بإلقائه جردوه من ثيابه فلما صبر واحتسب وتوكل على الله جزاه الله سبحانه وتعالى عن ذلك فوقاه حر النار في الدنيا والآخرة وكافأه يوم القيامة فكساه على رؤوس الأشهاد.

فأول الناس يبعث هو حبيب الرحمن، وأول الناس يُكسى هو خليل الرحمن وعلى جميع الأنبياء والمرسلين أفضل الصلاة وأزكى السلام.

ترى ماذا يكون بعد البعث ؟!... إنه الحشر.

وهذا هو موضوع الحديث في هذا اليوم الكريم المبارك، لذا أستحلفك بالله أخى الحبيب أن تعرنى قلبك وسمعك فإن الموضوع من الخطورة، والرهبة، والهيبة بمكان.

وحتى لا ينسحب بساط الوقت سريعًا فسوف ينتظم حديثنا عن الموضوع في العناصر التالية:

أولًا: صفة أرض المحشر.

ثانيًا: كيف يحشر الناس؟!

ثالثًا: هول الموقف.

رابعًا: في ظل عرشه.

أولًا: صفة أرض المحشر

ترى كيف تكون هيئة أرض المحشر؟!!

أتكون مثل أرض الحياة الدنيا ؟!

لاريب أنها ستكون مختلفة تمامًا عن أرض الحياة الدنيا التى نعيش عليها

لم لا ؟! فإن الزمان غير الزمان.. فحتمًا يكون المكان غير المكان.. حيث قال رحمان الدنيا والآخرة: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [إبراهيم: 48] .

إذًا تتبدل أرض الدنيا وسماوات الدنيا.

فلقد وصف لنا المصطفى طبيعة الأرض التى سيحشر الناس عليها وصفًا دقيقًا بليغًا.

ففى الحديث الصحيح الذى رواه البخارى ومسلم من حديث سهل بن سعد الساعدى رضى الله عنه أنه قال:

(( يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كَقُرْصَةِ النَّقِىِّ ليس فيها عَلَمُُ لأحدٍ ) ).

وفى رواية إلى قوله (( كقرصة النقى ) )ثم قال: قال سهل، أو غيره: (( ليس فيها معلم لأحد ) ) ( [4] ) .

أرض عفراء: أى بيضاء، والعفرة: البياض.

وعند ابن فارس: البياض الشديد الناصع البياض. قرصةُ نقى أو كقرصةٍ نقى، أى كالدقيق النقى من الغش والنخال.

قال سهل: ليس فيها معلم لأحد، المعلم: هو العلامات التى يتعارف بها الناس على الشوارع، والطرقات، والمدن.

فهى أرض بيضاء مستوية كالفضة البيضاء لايوجد عليها أشجار، أو أنهار، أو أبنية.

هذه هى صفة أرض المحشر كما أخبرنا الصادق المصدوق.

ولكن كيف يحشر الناس على هذه الأرض؟!

ثانيًا: كيف يحشر الناس على هذه الأرض؟!

يخرج الناس من القبور حفاةً عراةً غُرْلًا كما قال رسول الله في صحيح مسلم من حديث عائشة.

يحشر الناس يوم القيامة حفاةً عراةً غُرلا قالت عائشة: يارسول الله الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض قال: (( ياعائشة الأمر أشد من أن يهمهم ذلك ) ) ( [5] ) .

نعم والله يخرجون من القبور بهذا العرى والذل والهوان.

قال تعالى: وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ [ ق: 41-42 ] .

نعم والله إنه يسير على الله أن يحشرهم جميعًا من لدن آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ولا يتخلف أحد ولا يمتنع.... كيف ذلك؟

يقول سبحانه وتعالى: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا [ الكهف:47-48]

حشر الله الخلق جميعًا ولا يتخلف مَلِك، ولا متكبر، ولا حاكم، ولا زعيم، ولا طاغية، فلم نغادر منهم أحد.

قال سبحانه وتعالى: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا ءَاتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ ءَاتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا [ مريم: 93-95] .

هكذا كل يأتى الرحمن فلا يتخلف مخلوق فلقد أحصى الله الخلق من لدن آدم إلى آخر رجل قامت عليه القيامة، فهم ينطلقون جميعًا وراء هذا الداعى الكريم الذى جاء ليقود الخلق جميعًا إلى المحشر، انطلقوا خلفه لا يتلفتون، ولا يتخلفون صامتين مستسلمين خاشعين.. يعلوهم صمت رهيب يزلزل قلوبهم سكون غامر يغمر المكان كله بالعظمة والهيبة والإجلال.

قال سبحانه: يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا [طه:108-111] .

الكلام يومئذ همس!! والسؤال يومئذ لصاحب الأمر؟!!

وهل يستطيع مخلوق أن يتفلت أو يتخلف؟!!

وهل يملك طاغية أن يتغيب، أو يتأخر، وقد وكل الله بكل إنسان ملكين يسوقانه سوقًا إلى أرض المحشر.

قال تعالى: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ ق: 19 - 22] .

ها هو رسول الله يجسد لنا معانى هذه الآيات - عن مشهد الحشر يخلع القلوب ويأخذ بالألباب - فيقول كما في الحديث الذى رواه الترمذى بسند حسن يقول (( يُحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف، صنف مشاة، وصنف ركبان، وصنف على وجوههم ) ) ( [6] ) .

وفى صحيح البخارى ومسلم من حديث أنس قال رجل: يانبى الله كيف يحشر الكافر على وجهه؟! فقال المصطفى: (( أليس الذى أمشاه في الدنيا على رجلين قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟ ) ). قال قتادة: بلى وعزة ربنا ( [7] ) .

ونحن نقول: بلى وعزة ربنا إنه لقادر أن يحشر الكافرين يوم القيامة على وجوههم.

أيها الحبيب: هل تصورت قبل أن ترى الحية أن دابة تمشى على بطنها؟! إن الذى جعل الحية تمشى بدون أرجل سيحشر الكافر وهو يمشى على وجهه يوم القيامة، إنه على كل شئ قدير.

أناس يمشون على الأقدام وأناس يركبون، من هؤلاء الذين يركبون في هذا اليوم العصيب ؟!

اسمع لربك جل وعلا... قال سبحانه: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا [مريم:85] .

وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [ فصلت: 30 ] .

ويقدم الملائكة لأهل التقى ركائب من دواب الآخرة عليها سُرُج من ذهب فيركب المتقون، وينطلقون بها في أرض المحشر حتى لا يمشون على أقدامهم في هذا اليوم العصيب.. وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟!.

والتقوى هى أن يطاع الله فلا يعصى وأن يذكر فلا ينسى وأن يشكر فلا يكفر.

وسئل أبو هريرة عن التقوى فقال:"هل مشيت على طريق فيه شو ك؟"قال: نعم، قال:"فماذا صنعت إذا رأيت الشوك؟"قال: اتقيته، قال أبو هريرة:"كذاك التقوى".

وقال ابن المعتز:

وكبيرها فهو التقى

خلِّ الذنوب صغيرها

أرض الشوك يحذر مايرى

واصنع كماش فوق

إن الجبال من الحصى

لاتحقرن صغيرة

قال طلق بن حبيب:

التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخشى عقاب الله.

يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا [ مريم: 85-86 ] .

فالتقي يحشر راكبًا، والعاصي يحشر واردًا، أما المتكبرون الذين انتشوا وانتفخوا في الدنيا ولم يذلوا أنفسهم لله، ولم يخفضوا جناح الذل لخلق الله بل تراه مغرورًا بكرسيه الذى جلس عليه، وتراه مغرورًا بمنصبه وتراه متكبرًا بماله، وتراه متكبرًا بسلطانه وجاهه.

فهذا والله الذى لا إله غيره سيحشر بمنظر وهيئة لو علمها لوضع أنفه في التراب ذلًا لمولاه، ولخفض جناح الذل لخلق الله.

غدًا أقصر فإنك مأكول ومشروب

يا ابن التراب ومأكول التراب

علام الكبرياء يا ابن آدم؟ وأنت تحمل البصاق في فمك!! وتحمل العرق تحت إبطيك!! وتحمل البول في مثانتك!! وتحمل النجاسة في أمعائك!! وتمسح عن نفسك بيدك العذرة كل يوم مرة أو مرتين!!!

يا أيها الإنسان ما غرك!!

مر أحد السلف على رجل متبختر مختال في مشيته فقال له هذا الرجل الصالح: يا ابن أخى هذه مشية يبغضها الله ورسوله.

فقال له المتكبر: ألا تعرف من أنا؟!!. من أنت أيها المغرور؟!

تصور معى مشهد حشر المتكبر يوم القيامة.

أخرج الترمذى عن رسول الله قال: (( يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذَّر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان ) ) ( [8] ) .

يحشر المتكبرون يوم القيامة كذر تدوسه الأقدام والأرجل لأنه كان منتفخًا منتشيًا متكبرًا مغرورًا في الدنيا.. والجزاء من جنس العمل.

فكما انتفخ واستعلى في الحياة الدنيا يحشر يوم القيامة في غاية الذلة والمهانة تطأه الأرجل والأقدام.

فإذا ما وصلت الخلائق كلها إلى أرض المحشر تنزلت الملائكة ضعف عدد من في الأرض.. تحيط الملائكة بأهل الأرض من كل جانب.

إن الموقف فيه من الأهوال والكروب ما يخلع القلوب وهذا هو عنصرنا الثالث

ثالثًا: هول الموقف

إذا ما وصل الناس إلى أرض المحشر ازداد الهم والكرب والغم... ولم لا‍!! وقد وقفوا قيامًا طويلًا..طويلًا!!

و هاهي الشمس تدنوا من الرؤوس. ففى صحيح مسلم من حديث المقداد أنه قال: (( تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم مقدار ميل ) )قال الراوى: فوالله ماأدرى مايعنى بالميل: أمسافة الأرض، أو الميل الذى تكحل به العين؟‍! قال: (( فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق فمنهم من يكون إلى كعبيه ومنهم من يكون إلى ركبتيه ومنهم من يكون إلى حقويه ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا ) )وأشار بيده إلى فيه ( [9] ) .

وفى الصحيحين من حديث ابن عمر أنه قال في قوله تعالى: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ قال المصطفى: (( يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف آذانهم ) ) ( [10] ) .

هل تصورت هذا المشهد؟ حرارة تذيب الحديد والحجارة فوق الرؤوس ولك أن تتصور البشرية كلها تحشر في مكان واحد على أرض واحدة.

زحام يخنق الأنفاس!!

وفى هذا المشهد والموقف الرهيب يزداد الهم والكرب بإتيان جهنم.

إيه والله... يؤتى بجهنم في أرض المحشر كما قال المصطفى والحديث رواه مسلم من حديث جابر بن عبد الله: (( يؤتى بالنار يومئذ لها سبعون ألف زمام، ومع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها ) ) ( [11] ) .

فإذا أقبلت جهنم، وأحاطت بالخلائق، ورأت الخلق زفرت، وزمجرت غضبًا منها لغضب الله جل وعلا.. عند ذلك تجثوا جميع الأمم على الركب من الخوف والذلة.

قال تعالى: وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية: 28] .

وليس ذلك فقط بل يحدث ما تشيب منه الرؤوس وتنخلع له القلوب!!

اسمع إلى هذا الحديث الذى رواه الترمذى بسند صحيح قال رسول الله: (( يخرج عنق من النار له عينان تبصران وأذنان تسمعان، ولسان ينطق يقول: إنى وكلت بثلاثة، لمن جعل مع الله إله آخر، وبكل جبار عنيد، وبالمصورين ) ) ( [12] ) .

ويسجل القرآن جزاء كل جبار عنيد فيقول عز وجل: وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ [إبراهيم:15-17] .

فى هذا المشهد في الحر الشديد، والزحام الرهيب!!

وفى هذا التدافع في هذا الموقف الذى ترتعد منه الفرائص وتشيب له الرؤوس، ويهتز له الوجدان فإن الأنبياء حينما يرون هول هذا الموقف لايملكون إلا أن يقولوا: اللهم سلم.. سلم!!

هذه دعوتهم يومها، والكلام مقتصر عليهم دون غيرهم!!

يومها تذهل كل مرضعة عن رضيعها، وتضع كل ذات حمل حملها وينتاب الناس الهلع، والرعب حتى تظنهم سكارى، وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد.

يومئذ يفر المرء من أبيه، وأمه، وأخيه، وصاحبته، وينسى الابن أبويه اللذان برهما في دنياه وألان لهما الجانب وأطاعهما في غير معصية لله!!

يومها يفر الأخ من أخيه ولا تعد هناك روابط نسبية!!

ويومها تفر الزوجة من زوجها الذى أعطى لها كل عطفٍ وحنانٍ ورعايةٍ وصحبة جميلة حسنة!!

يومها ترمى الأم الحنون بطفلها في غير وعى فلا أمومة في هذا الموقف الرهيب المخيف، الكل يقول: نفسى... نفسى...! حتى الأنبياء!

الكل له شأن يلهيه، استمع لقول مولاك عز وجل فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:33-37] .

ولله در القائل:

يوم القيامة والسماء تمور

حتى على رأس العباد تسير

وتبدلت بعد الضياء كدور

فرأيتها مثل السحاب تسير

خلت الديار فما بها معمور

وتقول للأفلاك أين نسير

طَىَّ السجل كتابه المنشور

وتهتكت للعالمين ستور

القصاص وقلبه مذعور

كيف المصر على الذنوب دهور

ولها على أهل الذنوب زفير

لفتى على طول البلاء صبور

مثل لنفسك أيها المغرور

إذا كورت شمس النهار وأُدْنِيَت

وإذا النجوم تساقطت وتناثرت

وإذا الجبال تقلعت بأصولها

وإذا العشار تعطلت وتخربت

وإذا الوحوش لدى القيامة أحشرت

وإذا الجليل طوى السماء بيمينه

وإذا الصحائف نشرت وتطايرت

وإذا الجنين بأمه متعلق يخشى

هذا بلا ذنب يخاف جناية

وإذا الجحيم تسعرت نيرانها

وإذا الجنان تزخرفت وتطيبت

تذكر كل هذه المشاهد.. الزحام شديد يكاد يخنق الأنفاس والشمس يكاد تصهر الرؤوس والكل يتدافع.. السؤال همس.. والكلام تخافت وجلال الحى القيوم عمر المكان بالهيبة.

فى هذه اللحظات ينادى الحق جل جلاله على مجموعة من الخلق في أرض المحشر أن يتقدموا ليظلهم بظله يوم لا ظل إلا ظله.

من هؤلاء ياترى؟!! والإجابة على هذا السؤال تكون بعد جلسة الاستراحة.

أقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم

أحبتى في الله:

رابعًا: في ظل عرشه

إن مجرد الكلام عن أهوال هذا اليوم ترتعد له الفرائص فكيف إذا عايناه وعاصرناه وعايشناه على أرض الواقع لا أرض الخيال؟!!

فى هذا الموقف ينادى الحق جل جلاله على أناس ليظلهم بظله يوم لاظل إلا ظله، ياترى من هؤلاء السعداء؟!

فى صحيح البخارى ومسلم من حديث أبى هريرة: قال المصطفى: (( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصبٍ وجمال فقال: إنى أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لاتعلم شماله ماتنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه ) ) ( [13] ) .

(( إمام عادل ) ): أى حاكم عادل عاش ليقيم العدل في الأرض، سعدت به رعيته، وسعد هو برعيته، وكان يتقى الله في هذه الأمانة، يعلم يقينًا أن الحكم والمنصب أمانة سيسأل عنها بين يدى الله كما قال المصطفى لأبى ذر: (( إن الولاية أمانة وإنها يوم القيامة حسرة وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذى عليه فيها ) ). ترى ما جزاء هذا الحاكم؟! أن يظله الله يوم لا ظل إلا ظله.

(( شاب نشأ في عبادة الله ) )

أخى في الله: إذا نشأت في عبادة الله، وانصرفت عن معصية الله وإن زلت قدمك في معصيته تبت إلى الله جل وعلا، أظلك الله بظله يوم لا ظل إلا ظله.

أيها الشاب الفتي.. أيها الشاب الزكى.. أيها الشاب الذى أسرفت على نفسك أرجو من الله عز وجل أن لا تتأخر لحظة عن التوبة وطاعة الله لأن الطاعة عِز، الطاعة شرف.. فلا عز في الدنيا والآخرة إلا بطاعة الله.

ولماذا خص الشاب؟!!

لأن الشاب تجرى دماء الشهوة في عروقه، لأنه - لا سيما في سن المراهقة وسن الفتوة - تعصف الشهوة بكيانه عصفًا، ولكن بخوفه من الله ومراقبته لله يعصم نفسه ويحارب شهواته ويحارب نفسه الأمارة بالسوء.

لذا كافأ الله هذا الشاب الطائع، التقى، النقى، الطاهر الذى نشأ منذ نعومة أظافره يعبد الله، ويطيع الله ويحفظ حقوق الله ويمتثل أوامره ويجتنب نواهيه ويقيم حدوده، فيظله تحت ظل عرشه يوم لاظل إلا ظله.

(( ورجل قلبه معلق بالمساجد ) )معنى ذلك أن قلبه في المسجد، فإذا صَلَّى الفرض، وخرج إلى الدنيا يسعى على رزقه من الحلال، أو عاد إلى بيته وأولاده يخرج من المسجد، وقلبه مشتاق أن يرجع إلى المسجد مرة أخرى فهو متعلق بالمسجد يهوى الجلوس في بيت الله بل يتمنى أن لو ييسر الله له الوقت ليقضى جُله في بيت الله جل وعلا وهذا خير من أن تقضى وقتك أمام المسلسلات والمباريات والأفلام!! لماذا لا تحرص على أن تقضى هذا الوقت في بيت الله جل وعلا؟!

فإذا تعلق قلبك به أظلك الله في عرشه يوم لا ظل إلاَّ ظله.

(( ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ) ).

إنه الحب في الله إن (( من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان ) ) ( [14] ) وإن آصرة الحب في الله هى أغلى آصرة.. وأن رابطة الحب في الله هى أغلى رابطة.. ألا وإن (( أوثق عرى الإيمان، الحب في الله والبغض في الله ) )يقول الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسى وهو في الصحيحين: (( أين المتحابون بجلالى؟ اليوم أظلهم في ظلى يوم لاظل إلا ظلى ) ) ( [15] ) .

(( ورجل دعته امرأة - أي للزنا - ذات منصب وجمال فقال: إنى أخاف الله ) ): تذكر الله جل وعلا وراقبه وأعرض عن هذه الكبيرة خوفًا من الله جل وعلا.

(( ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ) ): خلى بنفسه، وقام من الليل، وجلس يصلى أو يذكر الله سبحانه وتعالى فلما امتلأ قلبه بهيبة الله وبعظمة الله، فاضت عيناه بالدموع خوفًا منه وهيبة له سبحانه.

قال رسول الله: (( عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله ) ) ( [16] ) .

وهناك غير هؤلاء السبعة من الذين يظلهم الله في ظله يوم القيامة.

ولقد جمع الحافظ ابن حجر في كتاب مستقل هؤلاء الذين يظلهم الله في ظله غير هؤلاء السبعة في كتاب قيم سماه (معرفة الخصال الموصلة إلى الظلال) وبين أن الله سبحانه يظل غير هؤلاء السبعة في ظل عرشه يوم لاظل إلا ظله ففى الحديث الصحيح أنه قال:

(( من، أنظر(أمهل) معسرًا أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله )) ( [17] ) .

أيها الحبيب الكريم: احرص على طاعة الله وعلى هذه الخصال من خصال الخير ليظلك الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.

وحينئذ يقوم بقية الخلق في هذا الموقف قيامًا طويلًا طويلًا، ويشتد الكرب عليهم حتى يتمنى بعضهم أن يحشر إلى النار ولا يقف في مثل هذا الموقف المهيب الرهيب ظانًا أن النار لن تكون أشد عذابًا مما هو فيه من هم وكرب.

وهنا يبحث الخلق عمن يشفع لهم إلى الله جل وعلا ليقضى الله تبارك وتعالى بين الخلائق لينتهى هذا الموقف المهيب الرهيب، وهنا يقول كل نبى من الأنبياء: نفسى.. نفسى.

ويتقدم الحبيب المصطفى صاحب المقام المحمود وصاحب الحوض المورود، وصاحب اللواء المعقود، وصاحب الشفاعة العظمى يوم الدين يتقدم ليشفع للخلائق في أرض المحشر ليقضى الله جل وعلا بينهم ونتوقف عند هذا المشهد الكريم عند مشهد شفاعة النبى r لأهل الموقف جميعًا لنعيش مع هذا الموقف. لنتعرف عليه لاحقًا إن قدر الله لنا البقاء واللقاء.

أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يحسن خاتمتنا. إنه ولى ذلك والقادر عليه.

( [1] ) رواه مسلم رقم ( 2878) ، في الجنة ، باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت.

( [2] ) رواه مسلم رقم (1178) ، في الفضائل ، باب تفضيل نبينا صلى الله عليه وسلم على جميع الخلائق ، أبو داود رقم (4763) ، في السنة ، باب في التخيير بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، والترمذى رقم (3615) ، في المناقب ، باب ماجاء في فضل النبى صلى الله عليه وسلم.

( [3] ) رواه البخارى رقم ( 6524) ، في الرقاق ، باب كيف الحشر؟ ، ومسلم رقم (2860) ، في الجنة ، باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة ، الترمذى رقم (2425) ، في القيامة ، باب ماجاء في شأن الحشر ، والنسائى (4/114) ، في الجنائز ، باب البعث.

( [4] ) رواه البخارى في الرقاق ، باب يقبض الله الأرض ، ومسلم رقم (2790) فى صفات المنافقين ، باب في البعث والنشور وصفة الأرض يوم القيامة.

( [5] ) رواه البخارى رقم (6527) فى الرقاق ، باب الحشر ، ومسلم رقم (2859) فى الجنة ، باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة ، والنسائى (4/114) فى الجنائز ، باب البعث.

( [6] ) رواه الترمذى رقم (3141) فى التفسير ، باب ومن سورة بنى إسرائيل. وصححه شيخنا الألبانى في المشكاة (5546) .

( [7] ) رواه البخارى رقم (4760) فى التفسير ، سورة الفرقان ، ومسلم رقم (2806) فى صفات المنافقين ، باب يحشر الكافر على وجهه.

( [8] ) رواه الترمذى رقم (2494) فى صفة القيامة ، وصححه شيخنا الألبانى في المشكاة وهو في صحيح الجامع برقم (8040) .

( [9] ) رواه مسلم رقم (2864) فى صفة الجنة ، باب صفة يوم القيامة ، والترمذى رقم (2423) فى صفة القيامة ، باب رقم (3) ، وهو في صحيح الجامع رقم (2933) .

( [10] ) رواه البخارى رقم (6531) فى الرقاق ، باب قوله تعالى: ألا يظن أولئك أنهم مبعثون... الآية ، ومسلم رقم (2862) فى الجنة وصفة نعيمها وأهلها ، باب في صفة يوم القيامة.

( [11] ) روه مسلم رقم ( 2842) فى صفة الجنة ، باب في شدة حر نار جهنم ، والترمذى رقم (2576) فى صفة جهنم ، باب ماجاء في صفة النار.

( [12] ) رواه الترمذى رقم (2577) فى صفة جهنم ، باب ماجاء في صفة النار ، وصححه شيخنا الألبانى في الصحيحة رقم (512) ، وهو في صحيح الجامع برقم (8051) .

( [13] ) رواه البخارى (2/119) فى الجماعة ، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد ، ومسلم رقم (1031) فى الزكاة ، باب فضل إخفاء الصدقة.

( [14] ) رواه أبو داود رقم (4681) فى السنة ، باب الدليل على زيادة الإيمان ، وهو في صحيح الجامع (5965) .

( [15] ) رواه مسلم رقم (2566) فى البر والصلة ، باب في فضل الحب في الله ، والموطأ (2/952) فى الشعر ، باب ماجاء في المتحابين في الله.

( [16] ) رواه الترمذى رقم (1639) فى فضائل الجهاد ، باب ماجاء في فضل الحرس في سبيل الله وصححه شيخنا الألبانى في المشكاة رقم (3829) ، وهو في صحيح الجامع رقم (4112) .

( [17] ) رواه الترمذى رقم (1306) فى البيوع ، باب في إنظار المعسر ، وصححه شيخنا الألبانى في صحيح الترغيب (900) ، وهو في صحيح الجامع رقم (6107) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت