الرقاق والأخلاق والآداب
آثار الذنوب والمعاصي, التوبة
عبد المجيد بن عبد العزيز الدهيشي
المجمعة
الجامع القديم
1-ما من خير أو نعمة إلا ومصدره الله عز وجل. 2- ينزل الله نعمه بقدر ووفق حكمته ومشيئته. 3- حلول البأساء والضر بسبب انقطاع المطر. 4- لا يكشف الضر إلا الله. 5- دعوة للتوبة والاستغفار وصدق اللجوء إلى الله.
أما بعد:
فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله عز وجل، فاتقوه رحمكم الله؛ فتقوى الله طريق النجاة والسلامة، وسبيل الفوز والكرامة. المتقون هم الناجون من عذاب الله: ثُمَّ نُنَجّى ?لَّذِينَ ?تَّقَواْ وَّنَذَرُ ?لظَّـ?لِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [مريم:72] ، ولجنة الله هم الوارثون: تِلْكَ ?لْجَنَّةُ ?لَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا [مريم:63] .
عباد الله، كلنا نعلم أن الله تعالى عليم حكيم، وأن الله تعالى بيده خزائن السموات والأرضين، ألم يقل سبحانه: وَلِلَّهِ خَزَائِنُ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأَرْضِ وَلَـ?كِنَّ ?لْمُنَـ?فِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ [المنافقون:7] ، ألم يقل محمد صلى الله عليه وسلم وهو أعلم الخلق بربه: (( يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لَا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَبِيَدِهِ الْمِيزَانُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ ) )أخرجه البخاري، وقال الله تعالى: وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ [الحجر:21] .
ونحن جميعًا نعلم أن الله سبحانه يبتلي بالنقص والضراء، كما يبتلي بالعطاء والنعماء، وهو أحكم الحاكمين، وَنَبْلُوكُم بِ?لشَّرّ وَ?لْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء:35] ، وأرزاق الله تعالى تغدو وتروح يهبها من يشاء ويصرفها عمن يشاء ولا معقب لحكمه ولا راد لقضائه تعالى وتقدس نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء [يوسف:56] ، ومن تلك النعم والأرزاق التي يصرفها ربنا كما يشاء إنزال الغيث كما قال سبحانه وَهُوَ ?لَّذِى أَرْسَلَ ?لرّيَـ?حَ بُشْرَى بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ ?لسَّمَاء مَاء طَهُورًا لّنُحْيِىَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهِ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَـ?مًا وَأَنَاسِىَّ كَثِيرًا وَلَقَدْ صَرَّفْنَـ?هُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ فَأَبَى? أَكْثَرُ ?لنَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا [الفرقان:48-50] ، وهو القائل سبحانه: وَأَنزَلْنَا مِنَ ?لسَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِى ?لأرْضِ وَإِنَّا عَلَى? ذَهَابٍ بِهِ لَقَـ?دِرُونَ [المؤمنون:18] ، وهو القائل تعالى وتقدس: قُلْ أَرَءيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَاء مَّعِينٍ [الملك:30] .
أيها الناس، كلنا وقفنا على ما حصل من الضرر بتأخر نزول الغيث لمدة عامين متواصلين، فالآبار قد نَضَبت، والأشجار يبِست، والأرض قحَطت، والنخيل قد عطِشت، والثمار قد ذبَلَت، والمواشي قد هُزِلت، ومعها القلوب قد وجَفَت، والنفوس قد هلِعت إلا من رحم الله تعالى.
ونحن أيها المسلمون مضطرون إلى الغيث غاية الضرورة، ولا يستطيع أحد أن ينزل الغيث إلا الله تعالى وحده، الذي يجيب المضْطر إذا دعاه، ويكشف السوء عمن لاذ بحماه، فهو غياث المستغيثين وجابر المنكسرين وراحم المستضعفين، وهو على كل شيء قدير، وهو بكل شيء عليم، يعطي لحكمة، ويمنع لحكمة، وهو اللطيف الخبير.
أيها المسلمون، إذا علمنا أننا مضطرون إلى رحمة ربنا وغيثه غاية الضرورة، وأنه لا يكشف ضرنا ولا يغيث شدتنا إلا الرحمن الرحيم الجواد الكريم. وإذا علمنا أن الدعاء هو العبادة، وأن الله حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرًا، وأن من دعا الله بإخلاص وصدق فلن يخيب، فإما أن يعطى مطلوبَه أو يْدخر له ما هو أكثر منه وأعظم، أو يدفع عنه من السوء ما هو أشد وأكبر، وإذا علمنا أن ربنا تعالى قريب ممن دعاه وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ?لدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186] ، ونعلم أن للداعي المضطر منزلة خاصة أَمَّن يُجِيبُ ?لْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ?لسُّوء [النمل:62] .
وهذا النبي يونس لما التقمه الحوت وأضحى رهين بطنه في الظلمات المركبة ماذا صنع؟ لقد لجأ إلى ربه وتضرع إليه بالتوحيد والشهادة، التوحيد الذي هو مفزع الخلائق إلى ربها، وهو ملجؤها وحصنها وغياثها، قال تعالى عن يونس: فَنَادَى? فِى ?لظُّلُمَـ?تِ أَن لاَّ إِلَـ?هَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَـ?نَكَ إِنّى كُنتُ مِنَ ?لظَّـ?لِمِينَ [الأنبياء:87] . فجاءه الغوث الإلهي العاجل فَ?سْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَـ?هُ مِنَ ?لْغَمّ وَكَذ?لِكَ نُنجِى ?لْمُؤْمِنِينَ [الأنبياء:87] ، أي وكذلك نصنع بالمؤمنين إن فعلوا مثل ما فعل. إذا علمنا ذلك كله يا عباد الله، أفلا نلجأ إلى ربنا وخالقنا ورازقنا ومولانا جل في علاه؟ أفلا نحاسب أنفسنا ونتفقد حالنا في جنب الله تعالى، ألم نسمع قوله تعالى ظَهَرَ ?لْفَسَادُ فِى ?لْبَرّ وَ?لْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى ?لنَّاسِ [الروم:41] ، ألم نسمع قوله جل وعز وَمَا أَصَـ?بَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ [الشورى:30] .
إذا علمنا أيها المسلمون ذلك كله فلنتوجه بقلوبنا إلى ربنا ولنرفع أيدينا إليه، مستغيثين به راجين لفضله آملين لكرمه وقدموا بين يدي ذلك توبة نصوحًا واستغفارًا من الذنوب. ألا فاتقوا الله ربكم وتوجهوا إليه بقلوبكم، وأحسنوا به الظن في نفوسكم. تعجّلوا الإنابة، وبادروا بالتوبة، وألحوا في المسألة، فبالتوبة النصوح تغسل الخطايا بطهور الاستغفار، وتستمطر السماء وتستدر الخيرات وتستنزل البركات.
عباد الله، تبارك اسم ربنا وتعالى جده، هو غفار الذنوب، وستار العيوب، ينادي عباده وله الحمد: وَتُوبُواْ إِلَى ?للَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ?لْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31] ، ويناديهم في ملئه الأعلى: (( يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفر لكم ) ). سبحانه وتقدس هو أعلم بخلقه، علم عجزهم وضعفهم ونقصهم وتقصيرهم، فتح لهم باب الرجاء في عفوه والطمع في رحمته. والأمل في مرضاته: وَ?للَّهُ يَدْعُواْ إِلَى ?لْجَنَّةِ وَ?لْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ [البقرة:221] ، الرحمات من ربنا فياضة لا ينقطع مددها، والنعم من عنده دفاقة لا ينقص عطاؤها. ومن ذا الذي يتألى على الله ألا يغفر ذنوب عباده وَمَن يَغْفِرُ ?لذُّنُوبَ إِلاَّ ?للَّهُ [آل عمران:135] .
عباد الله، إذا كثر الاستغفار في الأمة، وصدر عن قلوب بربها مطمئنة دفع الله عنها ضروبًا من النقم، وصرف عنها صنوفًا من البلايا والمحن: وَمَا كَانَ ?للَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ ?للَّهُ مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال:33] ، وبالاستغفار تتنزل الرحمات: لَوْلاَ تَسْتَغْفِرُونَ ?للَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [النمل: 46] ، وأفضل الاستغفار ـ أيها الإخوة ـ أن يبدأ العبد بالثناء على ربه ثم يثَنِّيَ بالاعتراف بالنعم، ثم يقرَ لربه بذنبه وتقصيره، ثم يسألَ بعد ذلك ربه المغفرة. كما جاء في حديث شداد بن أوس عن النبي أنه قال: (( سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ) )قال أهل العلم: وقد كان سيد الاستغفار لأنه تضمن الاعتراف بربوبية الله سبحانه وإلهيته وتوحيده، والاعتراف بعجز العبد وتقصيره، واعترافه بأنه في قبضة مولاه، لا مهرب منه ولا مفر، وتضمن اجتهاد العبد بدخوله تحت عهد ربه ما استطاع وأطاق، لا بحسب حق الله وجلاله وعظمة مقامه، ولكنه جهد المقل.
وما أسرع أثر الضراعة والاستكانة والابتهال إلى الله تعالى إن وافق توحيدًا وتوكلًا على الله وثقة به وبواسع فضله. قحط الناس في آخر مدة الناصر لدين الله، فأمر القاضيَ منذر بن سعيد البلوطي بالبروز إلى الاستسقاء بالناس، فتأهب لذلك وصام بين يديه ثلاثة أيام، تنفلًا وإنابة ورهبة، فاجتمع له الناس في مصلى الربض بقرطبة بارزين إلى الله تعالى في جمع عظيم، وصعد الخليفة الناصر في أعلى مكان ليشارف الناس ويشاركهم في الخروج والضراعة إلى الله، فأبطأ القاضي حتى اجتمع الناس وغصت بهم ساحة المصلى، ثم خرج نحوهم ماشيًا مخبتًا، وقام ليخطب، فلما رأى الناس في ارتقابه، رقت نفسه وغلبته عيناه، فاستعبر وبكى حينًا، ثم افتتح خطبته بأن قال: يا أيها الناس، سلام عليكم، ثم سكت، ولم يكن من عادته، فنظر الناس بعضهم إلى بعض لا يدرون ما به، ولا ما أراد بقوله، ثم اندفع تاليًا لقول الله تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى? نَفْسِهِ ?لرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [الأنعام:54] ، ثم قال: استغفروا ربكم إنه كان غفارًا، استغفروا ربكم ثم توبوا إليه، وتزلفوا بالأعمال الصالحات لديه. فضج الناس بالبكاء وجأروا بالدعاء، ومضى على تمام خطبته ففزع الناس بوعظه، وأحس الناس الإخلاص بتذكيره، فلم ينقض النهار حتى أمر الله السماء بماء منهمرٍ، روى الثرى، والله لطيف بعباده، قريب ممن دعاه وإِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى? يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مّن دُونِهِ مِن وَالٍ [الرعد:11] .
أقول قولي...
الحمد لله، والاستعانة بالله، والشكوى إلى الله، والرحمة من الله، واللطف بيد الله، والرزق عند الله، والغيث بيد الله، والتوبة إلى الله، والناس جميعًا فقراء إلى الله، هو الأول فليس بعده شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، وهو الظاهر فليس فوقه شيء وهو الباطن فليس دونه شيء، له الحمد كله، وإليه يرجع الأمر كله علانيته وسره، لا رب سواه ولا راحم إلا الله، والصلاة والسلام على أعرف الخلق بمولاه، قام لربه حتى تفطرت قدماه، ضج بالدعاء والتضرع لربه حتى سقط رداؤه، وهو المجاب من ربه إذا دعاه.
أما بعد: أيها الناس إني داعٍ فأمنوا: اللهم إنا نسألك بأنا نشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد. يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم نسألك أن تغيث قلوبنا وتحييها بذكرك وتصلح باطننا وظاهرنا.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين. اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا هنيئًا مريئًا طبقًا سحًا مجللًا، عامًا نافعًا غير ضار، عاجلًا غير آجل، اللهم تُحي به البلاد، وتغيث به العباد، وتجعله بلاغًا للحاضر والباد. اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدمٍ ولا بلاءٍ ولا غرق. اللهم اسقِ عبادك وبلادك وبهائمك، وانشر رحمتك، وأحيي بلدك الميت، اللهم أنبت لنا الزرع، وأدرَّ لنا الضرع، وأنزل علينا بركاتك، واجعل ما أنزلته قوةً لنا على طاعتك وبلاغًا إلى حين، اللهم إنا خلقٌ من خلقك فلا تمنع عنا بذنوبنا فضلك.
سبحان اللهم ربنا عليك توكلنا، ربنا لا تجعلنا فتنةً للقوم الظالمين، اللهم اكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه إلا أنت، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارًا، فأرسل السماء علينا مدرارًا. اللهم اسقنا الغيث، وآمنا من الخوف، ولا تجعلنا آيسين، ولا تهلكنا بالسنين. اللهم ارحم الأطفال الرضع، والبهائم الرتع، والشيوخ الركع، وارحم الخلائق أجمعين.
اللهم إن بالبلاد والعباد والخلق من اللأواء والجهد والضنك ما لا نشكو إلا إليك اللهم إنا نستغفرك ونستسقيك، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارًا، فأرسل السماء علينا مدرارًا. اللهم اسقنا سقيا نافعة وادعة تزيد بها في شكرنا، وتوسع فيها على فقرائنا وتحيي بها أرضنا، أنت الحي فلا تموت وأنت القيوم فلا تنام بك نصول ونجول وعليك التكلان.