العلم والدعوة والجهاد
القتال والجهاد, المسلمون في العالم
علي بن عمر بادحدح
جدة
سعيد بن جبير
1-خصائص المبادئ الإسلامية ومميزاتها. 2- المبادئ لا يظهر أثرها إلا إذا طُبقت على أرض الواقع. 3- في سيرة رسولنا يظهر التطبيق الأمثل للمبادئ. 4- أثر القيادات على الأمة ونماذج من التاريخ تظهر هذا الأثر. 5- فساد القيادة لا يخلي مسؤولية الفرد. 6- صورة الشخصية الفردية في القرآن الكريم.
في مثل هذه الأحوال التي تحيط بالأمة، لا بد أن تدور الأحاديث وأن يكثر النقاش، وسيكون حديثنا اليوم دراسة لأحوال الأمة بين النكوص والنهوض، فلا نريد لها أن تُحيط بها أسباب الضعف والوهن، فتمضي فيها سنة الله سبحانه وتعالى التي لا تُحابي أحدًا، ولا نريد لها من ذكر كثيرٍ من عيوبها وعللها وأمراضها وأدواؤها، أن تستسلم لضعفها، وأن تقعد عن نهضتها، وفي الوقت نفسه لا بد أن نُكاشف أنفسنا، وأن نُصارح أمتّنا بما ينبغي أن تأخذ به من أسباب النهوض، ارتباطًا واعتصامًا بالكتاب والسنة، وائتلافًا ووحدة على الإسلام والإيمان، وأخذًا واجتهادًا في أسباب القوة المعنوية والمادية، وإنما كما يقول القائل: حول ذلك ندندن.
وسيكون الحديث مركزًا عن أسباب النكوص والنهوض في معالمها ونماذجها الأساسية، ومن بعد نقف وقفات متأنية، وإن كل أمة عبر التاريخ الإنساني، تكون أسباب نهوضها ونكوصها متعلقة بأربعة قضايا:
المبادئ، والممارسات لهذه المبادئ، وأدوار القيادات والشخصيات العامة المؤثرة، ثم الأفراد والمجتمعات.
ونحن ننظر إلى هذه النظرات الكلية الشاملة، ولنا من بعد عودًا إلى تفاصيل، نرجو أن تُعيننا على إحياء قلوبنا، ويقظة عقولنا، وتآلف أرواحنا، وترابط صفوفنا، ونهضة أمتّنا بإذن الله عز وجل.
أما المبادئ العقائد، والتصورات الأفكار، والنظريات والمعايير والقيم، كل ذلك قد أكرمنا الله عز وجل به، فنحن لسنا أمة ناشئة ما زالت في أول مبتدئها، نحن أمة ضاربة جذورها في أعماق التاريخ، منذ أن خلق الله عز وجل آدم، منذ أن كانت البشرية، انتسابنا عريق بالرسل والأنبياء والأمم الموحدة العابدة المرتبطة بالله عز جل.
ونحن هنا في ومضات وقبسات سريعة، ليس مقتضانا فيها التفصيل، مبادؤنا وعقائدنا فيها أمور جامعة وخصائص عظيمة:
أولها: أنها ربانية كاملة، ليست مبادؤنا من صنع أفكارنا، ولا من مؤتمراتنا أو اجتماعاتنا، وليست من مفكرينا أو علمائنا، بل هي تنزيل من حكيم حميد، إنها الأمور الثابتة المحكمة، التي تَفضل الله سبحانه وتعالى بها على الأمم والبشرية جميعًا، في الرسل والأنبياء المتعاقبين، ثم أكمل نعمته وأتمّها على هذه الأمة: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3] .
فنحن لسنا في شكٍ من ديننا، ولا في بحثٍ عن أصولنا، فهذا أمر قد كُفيناه، ولكننا نحتاج في هذا الأمر إلى تثبيته وتوثيقه وتوضيحه وتعميقه، ليكون حيًا في القلوب والنفوس، لا مجرد نظريات وأفكار نرددها بألسنتنا، وليس لها حظٌ في عقائدنا الحقيقية، التي نعتنقها ونمارسها في واقع حياتنا.
ومن بعد؛ فإن مبادئنا استيعابية شاملة لم تدع شيئًا مما يحتاجه الإنسان فردًا، والأمة مجتمعًا، والدولة علاقات، وكل ما نحن في حاجة إليه، قد استودعنا الله عز وجل هدايته الكاملة في القرآن والسنة النبوية: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:38] ، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9] .
وجاءنا عن رسول الله ما نعرف به كل صغيرٍ من الأمور وكبير، في كل حال من الأحوال، كما سيأتي معنا في الممارسات والتطبيقات.
فهذا أمرٌ واضح بيّن، ينبغي أن نبيّنه وأن نؤكده، ومبادؤنا واقعية عاملة، ليست خيالية نظرية لا ترتبط بالواقع، بل تقرر حقيقة الإنسان وطبيعته من قبضة طينٍ ونفخة روح، يُخطئ فيتوب ويستغفر، ويعمل فيسمو ويرقى، ويتصل بالله عز وجل فيستمد منه تأييده وحوله وقوّته وعزته بإذنه سبحانه وتعالى، ويُعرض عنه فيقع له الخذلان والخسران، وذلك كله واضح فيما جاء في آيات الله وفي أحاديث رسول الله.
رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [البقرة:286] .
والله سبحانه وتعالى قد بيّن ذلك في كثير مما جاء في عرض الآيات القرآنية، في معرض ذكرها للأحداث والوقائع وطبائع النفوس: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران:165] .
ولما بيّن الله عز وجل وكشف دخائل النفوس وطبائعها، التي قد تظهر في بعض الأحوال، وتغلب في بعضها الآخر، قال في حق خير الخلق بعد رسول الله وهم صحابته الكرام: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ [آل عمران:152] .
حتى قال بعض أصحابه رضوان الله عليهم: (ما كنت أظن أن منّا من يريد الدنيا حتى نزلت هذه الآية) .
ومن بعد ذلك صلاحية دائمة، فهي شريعة تمتد عبر الزمان كله إلى قيام الساعة، وتستوعب المكان لتشمل الأرض وما فيها كلها، وهي التي ما تزال فيها عوامل الثبات العاصمة من الزلل، وعوامل المرونة المتجددة مع الزمن، وذلك من فضل الله عز وجل علينا، فذلك أمرٌ قد كُفينا شأنه، وهو من أعظم وأول أسباب النهوض.
وما الأمم التي سقطت وما الأمم التي بادت إلا لأن مبادئها منحرفة وزائغة، إما هي مبادئ ربّانية دخلها الزيف والزيغ والانحراف، كما حكم الله عز وجل وبيّن في شأن أهل الكتاب، أو هي أهواء البشر وضلالاتهم وأفكارهم ومصالحهم ومبادؤهم وأهواؤهم، وكلها لا يثبت منها شيء، ولا يشمل منها شيءٌ، ولا ينفع نفعٌ مطلق منها شيءٌ، ولا يصلح على الدوام منها شيءٌ، وهذه مقارنة ليس هذا مقامها فهي واضحة بيّنة.
فنحن عندنا هذا السبب من أسباب النهوض، وقد يكون سببًا من أسباب النكوص، لأنها ـ أي هذه الهداية الربّانية والمبادئ الإلهية ـ جاءت ليصلح بها الناس، ولتقوى بها الأمة، وليعز بها أربابها، فمتى تخلوا عنها أصابهم الذل، وسرى إليهم الوهن، ودبّ فيهم الضعف، وحقت عليهم سنة الله سبحانه وتعالى بالهزيمة والخسران. نسأل الله عز وجل السلامة.
وذلك أمر لا يتخلف في سنن الله الماضية.
والأمر الثاني: الممارسات، فإن المبادئ ـ وهذا هو حديثنا ـ لا تفعل فعلها إلا إذا تشّربتها القلوب، وتقبلتها النفوس، ونطقت بها الألسن، وقبلت بها العقول، وكانت صورة حية تُمارس في الواقع، وأما غير ذلك فلا.
ومن نعمة الله علينا ـ معشر أمة الإسلام ـ أنه أعطانا في هذه الممارسة أمران مهمان عظيمان:
الأول: الممارسة المثلى التي كانت في سيرة المصطفى ، فلئن كان القرآن هو الدليل الهادي، فإن سنته وسيرته هي الصورة الحية المتحركة لهذا الدليل، فلم يعد هناك شيءٌ يحتاج إلى بيان، إن كان بيان يحتاج إلى تفسير وشرح، فقد قال به رسول الله ، وإن كان يحتاج إلى لمس ومعرفة لتطبيقه وعمله، فقد كان خُلقه عليه الصلاة والسلام القرآن.
وقد أخبرنا الحق جل وعلا: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21] . وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7] ، مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء:80] ، فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63] .
صورة حية متحركة في كل الأحوال، حِلًا وسفرًا، سِلمًا وحربًا، مع الأبناء والأزواج، مع الأصدقاء والأولياء، مع الخصوم والأعداء، في سائر الأحوال المعيشية، كل ذلك ونحن نراه في سيرة النبي واضحًا وضوح الشمس في رابعة النهار، حتى إننا نستطيع القول إننا نعرف عن رسول الله أكثر مما نعرف عن أنفسنا.
فنحن لا نعرف كثيرًا من صفحات حياتنا الأولى في صغرنا، ولكننا نراها واضحة في سيرة نبينا ، نحن لا نعلم كثيرًا مما تخوننا ذاكرتنا في تذكره من أحداث حياتنا وتقلبات آراءنا، ولكننا نرى ذلك واضحًا في سيرة نبينا.
ومن هنا فإن هذه الممارسة الكاملة، قد جاءت واضحة، ولكن أليس حريٌ بنا أن ننتقل إليه، ونرتبط بها، ونترسم خُطاها، ونعرف تحليل مواقفها في كل الأحوال والظروف، لتكون هي المنبع الصحيح لِما نريد أن نستمد منه لهذه الأسباب التي تُحيط بنا، والظروف التي تُحيق بنا، لنخرج من النكوص إلى النهوض بإذن الله سبحانه وتعالى.
ولو تأملنا ومضات يسيرة من كتاب ربنا وسنة نبينا ـ في النماذج التي نشير إليها ـ لوجدنا أن بين المبادئ التي قررتها الآيات، والممارسات التي أظهرتها السيرة، وبين واقعنا بعض المفارقات، بل ليس هناك مبالغة إن قلت: إن هناك بونًا شاسعًا، وفرقًا كبيرًا في بعض الأحوال، والآيات والأحاديث في هذا كثيرة، وهي منطبقة على واقعنا لأنها كاملة شاملة هادية مُحكمة ربّانية، فهي تُخبرنا عن الأسس والقواعد، عن السنن الماضية، عن الحقائق الثابتة، هذه آيات وسنن كثيرة قصتها علينا آيات القرآن: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [الأعراف:96-99] .
أليست هذا صورة وحكمة وسنة تنطبق على واقعنا وفي سائر أحوال أمتّنا؟!
فَلَوْلا كَانَ مِنْ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنْ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ [هود:116] .
ألسنا نعرف سنة الله في الظلم والظالمين؟! وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود:117] ، وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102] ، وكما قال عز وجل: إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [الأنعام:21] ، وكما توّعد سبحانه وتعالى: وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ [الشعراء:227] ، وكما قررت سنته جل وعلا: وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا [الكهف:59] .
ألسنا نعرف السنن الماضية المقررة؟! إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ [يونس:81] ، إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد:11] .
أليس كل ذلك بين دفتي كتاب ربنا؟! ألسنا نستمع في هدي رسولنا: (( لتتّبعنّ سنن من كان قبلكم حذو القُذَّة بالقُذَّة، حتى لو دخلوا جُحر ضب لدخلتموه ) )قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: (( فمن؟! ) ).
ألسنا نعرف موقفه لما قال عليه الصلاة والسلام: (( إنّا لا نستعين بمشرك ) )؟!
ألسنا نرى كيف كان يطلب السلم والموادعة والصلح في يوم الحديبية، فلما بلغه أن عثمان فرد من أمة الإسلام قُتل دعا إلى بيعة أصحابه، فبايعهم واحدًا واحدًا على الموت، وعلى أن لا يفروا، انتصارًا لحرمة المسلم وإعزازًا للدين، وقيامًا بهيبة الأمة: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح:18] .
إلى ما نعرفه من هذه الوقائع الكثيرة، وفي موقفه في يوم حُنين يبين لنا كيف تكون القيادة الثابتة، مآلًا ومثابة للأمة، حتى ترجع من تفككها ومن اضطرابها، فتفيء إلى القيادة المستعصمة بالحق، يوم ثبت عليه الصلاة والسلام عندما رجع بعض أصحابه من أول الجيش إلى آخره، واضطربت الصفوف، وفرّ بعض الصحابة وهو ثابت يقول: (( أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب ) ).
أليست هذه أحوال أمتنا مضطربة هائجة مائجة، منهم من فر، ومنهم من ذهب وتولى وتخلّى، ومنهم من هادن وخالف وخان، ومنهم من والى أعداء الله؟! أليست هذه الأحوال مبسوطة؟! أليست تبيّن لنا علل النكوص والخسران، وتبيّن لنا معالم النهوض والقوة بإذن الله عز وجل؟! والأمر في هذا واضح وبيّن.
وأما الأمر الثاني في الممارسات فإنها أيضًا من نعمة الله، أخبرنا بها رسول الله: (( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ) ).
فهي فترة في جملتها تُمثل النموذج الأكمل، للأسس والمبادئ وتطبيقها، وأخبر عليه الصلاة والسلام فقال: (( خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ) ).
وأخبرنا عن آخر الزمان وفساده، وما يقع فيه من أحوال كثيرة، وصف فيها أفراد الأمة وقياداتها وعلماءها ممن سيأتي ذكرهم، فنحن حينئذٍ في هذه الممارسة والتطبيق، نرى كيف يُمكن أن تُبيّن لنا أسباب النهوض، وكيف تُرشدنا إلى أن ما وقعنا فيه هو من أسباب النكوص والخسران والخذلان. نسأل الله عز وجل السلامة.
والسبب الثالث هو: القيادات، وهي تشمل الحكام والعلماء والوجهاء، وكل من له كلمة مسموعة أو وجاهة ظاهرة في الأمة، أولئك القوم يُستهدى بهم، أولئك القوم أثرهم في الناس ـ شاء الناس أم أبوا ـ كبير، فإن كلامهم ربما إن كانوا أهل حُكم وسلطان نافذ، قد لا يجد من يعترض عليه، أو لا يقوى على الاعتراض عليه، وإن كلام أهل العلم وهم ينطقون بكلمة الله، ويُبلّغون عن رسول الله ، إذا كان منحرفًا زائغًا، وإذا كان مبللًا فاتنًا، فإنه يسري من الأمة مسرى عظيمًا، ولكنه مسرى الهلاك والدمار. نسأل الله عز وجل السلامة.
وهكذا أعيان الأمة كلهم، إنما تحيا الأمم والمجتمعات بالقيادات التي تقود، فإن قادت إلى خير صلح المجتمع والأمة، وإن قادت إلى شرٍ فإن من سنن الله الماضية أن يكون لها أثرها، وأن يكون لها ما ينعكس في واقع مجتمعاتها وأمتها.
ولعل لنا أيضًا وقفات ونحن نذكر النماذج، فبعد انحراف وشيء من الخلل، كان متفاوتًا بين كثير وقليل، تعاقب فيه بعض الخلفاء، جاء عمر بن عبد العزيز وكان واحدًا وكان حاكمًا، وكانت مدة حكمه أقل من عامين، أي شيء صنع هذا الخليفة العظيم، حتى وصفه المؤرخون خامس الخلفاء الراشدين؟
قد وقفنا مع سيرته وقفات، لكننا نريد أن نُبيّن أن القائد الحاكم السلطان إذا استعصم بالله، واتبع هدي رسول الله ، وسار في الأمة مسيرًا حسنًا عادلًا، يتغيّر الحال، لقد سكنت الفتن، وأطفئت نيران الحروب، وعمّ العدل، وفاض الخير، وأُصلحت الأمور، وانتشر العلم، وكثر الخير، في أقل من عامين، رغم أن ما سبق كانت له أعوام كثيرة، وأحوال عديدة، وتصرفات متنوعة، وخلل كبير في نواحٍ شتى من الحياة، ولكن القيادة الراشدة الصالحة تُعلّمنا أنها من أسباب النكوص والنهوض، ونعرف النكوص الذي كان للمسلمين في بلاد الأندلس، يوم كانت تلك القيادات ألعوبة للأهواء، يوم كانت متّبعة للشهوات، يوم كانت حريصة على المصالح، يوم باعت دينها بدنياها، يوم اتّبعت أعداءها وحالفتهم على أوليائها وإخوانها، ضاعت تلك الأمة العريضة، مُسخت ثمانية قرون من تاريخ الإسلام في تلك البلاد، تقوّضت معالم حضارة كبرى علمية وعملية في واقع الحياة.
وهكذا ليس هذا الأمر في جانب القوّاد من الحكام، بل حتى الأئمة من العلماء، يوم عمّ انحراف وشاع فساد في عهد الخلافة العباسية، يوم شاع خلق القرآن ووُضعت الفتنة في كل مكان، ووقف الإمام أحمد رحمه الله وقفة صدق، ووقف معه ثلة من العلماء والقيادات، ثابتة على الحق، رافعة لراياته، ناطقة به، مبيّنة للخطر في الانحراف عنه، أي شيء وقع؟ لقد ارتدت الأمة كلها بفضل الله عز وجل إلى الحق من بعد الباطل، وإلى الهدى من بعد الزيغ، وذلك يدلنا على دور القيادات.
والقوّاد من قيادات الجند والمقاتلين المجاهدين كذلك، كان لهم دورهم، فنحن نعرف قصة صلاح الدين ودوره، ومن قبله نور الدين، وقد أفضنا في هذه الأحاديث.
إن الشخصيات والقيادات مفاتيح تغيير كبير في الأمة، وهي كذلك ـ إن كانت على غير المطلوب ـ من أسباب الدمار والهلاك. نسأل الله عز وجل السلامة.
ولعلنا نقف الوقفة الأخيرة مع هذه الأمثلة في كثير من جوانبها المتعددة، ونحن نعرف الأدوار التي يقوم بها أولئك القادة، من حكام وعلماء ودعاة وقوّاد ووجهاء وتجار، فلهم في ذلك تأثير إيجابي أو سلبي. نسأل الله أن يُعطينا الخير لأمتّنا، وأن يُوفّر فيها أسباب النهوض، وأن يقيها أسباب النكوص.
والسبب الرابع: من أسباب النكوص أو النهوض هم الأفراد والمجتمعات، فإنه إن فسدت القيادة أو انحرفت الممارسة، أو وقع شيءٌ من هذا في واقع الأمة، فليس ذلك مُخليًا لمسؤوليتك ولا مُسقطًا للواجب عن كاهلك، ومن هنا لابد أن نُخاطبك، وأن يكون هذا الخطاب واضحًا وقويًا، حتى تدرك الأهمية، وتعرف المسؤولية، وتنهض ـ بنفسك ـ في نفسك همة عالية، وعزيمة ماضية، ويقين قوي، وإيمان صادق، وأمل في الله عز وجل عظيم، وثقة به كبيرة، لأن الأفراد هم مفاتيح التغيير، ومن هؤلاء الأفراد قد تنشئ القيادات، ومن تلك القيادات يحصل تغيّر الأحوال، وذلك ما نلتمسه في نهضة أمتّنا بإذن الله سبحانه وتعالى.
والقرآن قد بيّن لنا حقيقة الشخصية الفردية، عندما تكون في ظلال الإيمان مستمسكة بالكتاب والسنة، أو تكون في أحوال الضلال والزيغ والانحراف.
أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122] .
فرقٌ كبير بين هذا ذاك، وكما أخبرنا الله سبحانه وتعالى في المثل العظيم: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا [الأعراف:175] .
وقد آتاكم الله إياها، لقد آتاكم الله إياها قرآنًا يتلى، وأحاديث تُروى، فقامت على كل واحد منكم الحُجة: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الأعراف:175، 176] .
هذه صورتان نحن مُخاطبون بها، لم يأت حاكمٌ ليجعلك المؤمن الصادق أو المسلم الحق، لم يأت عالم ليصنع منك الإنسان المسلم الملتزم، وإن كان لذلك أدواره الإيجابية والسلبية، كما قلنا، لكن الله جل وعلا خاطبنا فقال: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر:38] ، مرتهنة بعملها، وبيّن ذلك سيد الخلق يوم قال: (( كل الناس يغدو، فبايعٌ نفسه فمعتقها أو موبقها ) )رواه مسلم.
إنما هو عملك، إنما هو إيمانك، إنما هو التزامك، إنما هي طاعتك أو معصيتك، إنما هو حالك الذي تمثل فيه بين يدي الله عز وجل فيسألك: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36] .
وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [فاطر:19-22] .
لا يكن أحدكم إمّعة، بل إن أحسن الناس أحسن، وإن أساؤوا اجتنب إساءتهم، أثر المجتمع نعم موجود، لكنه ليس حُجة لك، ليس عذرًا يقيك من المسؤولية أن تكون على الحق، ولو كنت وحدك، ذلك في حديث حذيفة ابن اليمان: (( ولو أن تَعَض على أصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك ) )رواه مسلم.
الحق الكامل المطلق موجود عندك في القرآن والسنة، فإن انحرفت الأمة كلها أو زاغت، فليس في زيغها حُجة لك، لأن الحُجة في كتاب الله وسنة رسوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال:24، 25] .
إن تخلّيتم وفرّطتم لم يكن هذا التخلّي والتفريط، لم تكن عاقبته خاصة بأربابه وأصحابه، بل تعم الأمة كلها، وذلك كما ورد في حديث أم المؤمنين زينب رضي الله عنها، قالت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: (( نعم، إذا كَثُر الخَبَث ) )متفق عليه.
إن قيامك بأمر نفسك إنما هو نوع من دفع الأذى والبلاء، والسنة الرّبانية الماضية بما يقع من انحراف الناس، ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منّا، حتى يصدق هذا الدعاء منّا، ينبغي أن لا نكون نحن أيضًا جزءًا من السفهاء، أو موافقين للسفهاء، أو ساكتين عن السفهاء، أو غير ناصحين للسفهاء، أو غير قائمين بالأمر المعروف والنهي عن المنكر في أمتّنا.
فنحن مفاتيح للنهوض، كما أننا قد نكون من أسباب النكوص، هذه المبادئ العامة في كل أمة لتنهض أو لترجع القَهْقَرى.
ولكننا في حاجة إلى مزيد لنستبصر كيف نأخذ هذه المبادئ، كيف نتعامل مع القرآن، كيف نرتبط بالسنة، كيف ننظر إلى التربية وإخراج الشخصية المسلمة، وذلك ما لعلنا نستحضره ونتذاكر فيه فيما يأتي من أحاديثنا، ولا شك أننا لابد أن نؤكد على بعض المعاني.
إنه ليس من الحكمة بحال أن نكون كالنعام، تدس رأسها في التراب، ولا تعي الخطر، فإن الخطر من حولنا مُحدق، وإن الظروف المعاصرة من أشد وأحلك وأقوى الظروف، التي يتكالب فيها الأعداء على الأمة، والتي تكثر فيها صور الانسلاخ عن آيات الله، والخروج عن مقتضى حقيقة الإيمان بالله، سواء كان في أفراد من هذه الأمة، أو قيادات، أو مجتمعات، ونحن في أمّس الحاجة إلى أن نعي هذا الخطر، وأن ندركه، وإلا فإنه لن ننهض لإطفاء النار إذا لم نكن نعرف أنها مشتعلة، وإذا لم نكن ندرك أنها ستأتي على الأخضر واليابس، وأننا سنكون وقودًا وحطبًا لها إن عاجلًا أو آجلًا، وإننا كما قال القائل:"أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض".
ولكننا لا نقول ذلك لنضخّم تضخيمًا يدب به اليأس إلى النفوس، وإنما لتحصل به اليقظة في النفوس، وتحصل به العزة بما أكرمنا الله عز وجل به من هذه المبادئ والممارسات والقيادات والأفراد، الذين لا يزال الخير فيهم وفي أمة محمد.
(( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك ) )رواه مسلم.
فالسنة ماضية ببقائهم، فالسعادة لك إن كنت منهم، وإن لم تكن منهم فإنهم يكونون بغيرك، فالله الله في أن يؤتى الإسلام وأمة الإسلام من قبلك.
لم ترد.