فهرس الكتاب

الصفحة 3623 من 5777

وفاة الشيخ الألباني رحمه الله

العلم والدعوة والجهاد

العلم الشرعي

مراد وعمارة

باب الوادي

التقوى

1-تتابع موت العلماء. 2- فاجعة وفاة الشيخ الألباني رحمه الله. 3- فضل الشيخ الألباني رحمه الله. 4- حزن المسلمين لوفاة علماء السنة. 5- إعلامنا ووفاة الألباني. 6- قصة وفاة الإمام أحمد رحمه الله.

أيُّها المسلمون، إنَّ حدثًا عظيمًا وقع في هذه الأشهر الأربعة الأخيرة من هذه السنَّة، لقد ثُلم في الإسلام ثلمٌ لا يرتقع، وكُلم فيه كلم أثرُه لا يرتفع، وهُدم فيه منارٌ لن يضيء، وغربت شمسٌ من شموسه لن تشرق.

لقد خسر العالم في هذه الأشهر الأربعة الأخيرة سبعةً من كبار العلماء، فمنذ أربعة أشهر رزئنا بوفاة الشيخ صالح بن غصون، ثمَّ بعده بأيَّام فجعنا بوفاة مفتي الزمان الشيخ عبد العزيز بن باز، فلم تكد دموعنا تجفُّ حتَّى جاء الخبر بوفاة الشيخ علي الطنطاوي، ثمَّ بعده بأيَّام وفاة الشيخ مصطفى أحمد الزرقاء، ثمَّ بعده بأيَّام وفاة الشيخ مناع خليل القطان، ثمَّ وفاة الشيخ عطيَّة محمَّد سالم، بعضهم تلو بعض في أقلَّ من أربعة أشهر.

ثمَّ كانت الفاجعة الكبرى، والرزيَّة العظمى أن خسرنا في صدر هذا الأسبوع مصباحًا من مصابيح الدجى، وسراجًا من السرج الوهَّاجة بنور العلم والهدى. لقد ودَّعت الدنيا إمامًا من أئمَّة الهدى، وعالمًا ربَّانيًّا من علماء السنَّة والسبيل.

إنَّ الله عزَّ وجل حتم الموت على عباده حتمًا عدلًا، على بريَّته كافَّةً قضاء فصلًا، حتَّى يأتي ذلك على جميع من ذرأ وبرأ. وكان ممَّن أتى عليه حتم الله وقضاؤه أبو عبد الرحمن محمَّد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعال، دعاه الله إليه فأجابه، رضيًّا مرضيَّا نقيًّا تقيًّا نحسبه كذلك، غير مبتدع ولا ضالٍّ مضلّ، ولا زائغ عن الهدى، ولا مائل إلى الهوى، فلمثل ما كان عليه فليعمل العاملون.

فيا لها مصيبةً ما أشدَّ وقعها، وخسارةً ما أشدَّ وجعها. انقبض بها علم نافع كان منشورًا، وارتفع بها ذكرٌ صالحٌ كان الله به مذكورًا.

فإنَّه ليس على وجه البسيطة من رجل على السبيل والسنَّة هو أذكر لله تعالى من أئمَّة الدين، ولا أكثر صلاة على نبيِّه منهم، ولا أعبد لله منهم، وخير العبادة التفكّر والفقه في الدين.

والشيخان ابن باز والألباني يزيدان على غيرهما في ذلك أنَّنا علمناهما ووجوه الخلق في مشارق الأرض ومغاربها ميمِّمةٌ شطرهما طالبةٌ توقيعهما عن ربِّ العالمين فيما ينزل من نوازل بالمسلمين، بما آتاهما الله من علم نافع وفقه في الدين، قلَّما أوتي أحدٌ مثله من العالِمين. فالناس اليوم بعدهما أيتام، بعدما كانوا بالأمس كالصبيان في حجورهما.

ولقد رأيته في الشام من نحو خمسة عشر عامًا حين سافرت إليه، فرأيت طلبة العلم والدكاترة بين يديه كالصبيان في حجر أبيهم.

قال مالك بن أنس عن ربيعة بن عبد الرحمن:"الناس في حجور علمائهم كالصبيان في حجور آبائهم". فماذا يكون حال الصبي إذا فقد أبويه؟ فوالله، لحال الناس إذا فقدوا علماءهم أسوءُ من ذاك، ذلك لأنَّ وفاة إمام من علماء السنَّة والسبيل خسارة لا تفوقها خسارة؛ إذ يفقدون بفقدهم أعزَّ مطلوب وأجلَّ مرغوب، وهو نجاتهم وفلاحهم في الدنيا والآخرة بسلوك الصراط المستقيم والسبيل القويم، فمن لسبيل الاستقامة يهديهم ويبصِّرهم بها؟! ومن لمكايد الشيطان ينسخها؟!

قال سلمة بن سعيد:"كان يقال: العلماء سرج الأزمنة، فكلُّ عالم مصباح زمانه، فبه يستضيء أهل عصره"، قال:"وكان يقال: العلماء تنسخ مكايد الشيطان"، وقال سفيان بن عيينة:"أفضل الناس منزلةً يوم القيامة من كان بين الله وبين خلقه"، يعني: الرسول والعلماء.

فيا للهول من فقْدِ من كان بين الخلق وخالقهم داعيًا إليه هاديًا، وسراجًا منيرًا.

فسلام على مشاهد كانت بوجوده مشهودة، وعلى معاهد كانت ظلال رعايته وتعهُّده عليها ممدودة، وعلى مساجد كانت بعلومه ومواعظه معمورة، وعلى مدارس كانت بفيضه الزاخر ونوره الزاهر مغمورة، وعلى جمعيات كان شملُها بوجوده مجموعًا، وكان صوته الجهير كصوت الحقِّ الشهير، مدوِّيًا في جنباتها مسموعًا.

فلا أحسب بيتًا من بيوت المؤمنين يمرُّ عليهم هذا الحدث دون أن يخلِّف فيهم أثره من الحزن والأسى، إلاَّ أن يكون بيت سوء أو نفاق، قال أيُّوب:"إنِّي أخبر بموت الرجل من أهل السنَّة وكأنِّي أفقد بعض أعضائي"، وعن حمَّاد بن زيد: كان أيُّوب يبلغه موت الفتى من أصحاب الحديث فيُرى ذلك فيه، ويبلغه موت الرجل يذكر بعبادة فلا يُرى ذلك منه.

نعم لأنَّ عالمًا واحدًا أشدُّ على الشيطان من ألف عابد، ولأنَّ العالم ينفع الناس جميعًا، والعابد الزاهد إنَّما ينفع نفسه.

وعن أسد بن موسى قال:كنَّا عند سفيان بن عيينة فنعي إليه الدراوردي، فجزع وأظهر الجزع ـ ولم يكن قد مات ـ فقلنا: ما علمنا أنَّك تبلغ مثل هذا! فقال: إنَّه من أهل السنَّة.

فهكذا كانت أحوال السلف عند فقدهم لعلمائهم.

أين رجال الإعلام والصحافة من الحدث، أم أنَّ الأمر لا يعنيهم؟ نعم قد كتب بعضهم عن الحدث ولكن بما يشهد عليهم من الجهل بمقادير الرجال والظلم لهم.

بالأمس القريب ماتت بالهند عجوز من عجائز النصارى، كم أضلّت من العباد، وكم نشرت في الأرض من زيغٍ وفساد في الاعتقاد، فامتلأت بذكرها صحائف الجرائد، وتفنَّن رجال الإعلام في وصف الحدث أيُّهم رائد، كأنَّه صاعقةٌ حلَّت بديار المسلمين، أو مصيبة حصلت لهم في الدين. أفعجوز مصيرها إلى نار جهنَّم أحقُّ بالتنويه والتعزية والرثاء أم إمام يقود إلى الجنَّة؟!

لكنَّ بعضَ وسائل إعلامنا تنفرد عن الوسائل الساكتة بما هو أفظع وأطمّ، إذ وصفت الشيخ بمناسبة وفاته بما يدلُّ على الوقاحة والوقيعة في أعراض العلماء، وعدم الاكتراث بالطعن فيهم، وذلك ما لا تفعله النصارى برهبانهم وقسِّيسيهم.

وقد صرَّح بعضهم أنَّ الشيخ كان متطرِّفًا! والرجل ما زاد على أن أحيا السننَ وقمع البدع، فكأنَّ القوم يقصدون أنَّ سنن النبيِّ تطرُّف، فمن أحياها كان له نصيب من التطرف، وهذا معيارهم، وهكذا مقياسهم.

وإذا كان أهل النفاق قد راقهم ذلك، ورفعوا بموته رأسًا، فليبشروا بما يسوؤهم، فإنَّ الله وعدنا على لسان نبيِّه أنَّه يبعث على رأس كلِّ مائة سنة من يجدِّد لهذه الأمَّة أمر دينها. فلا يموت جيلٌ من العلماء حتَّى يخلفه جيل آخر، إلاَّ ما شاء الله من أوقات الفترات، حتَّى ينزل عيسى بن مريم في آخر الزمان فيحكم بشريعة الرحمان، كما بقيت محفوظة في صدور العلماء ودواوينهم. وكذلك هو الأمر، فقد ظهر في الساحة علماء بالسنَّة فقهاء في معانيها وبصراء برجالها وعللها، ما لم يكن منذ أعصار مديدة، بعد وفات السخاوي والسيوطي رحمهما الله.

وهذه أطروحات جامعات العالم تزخر بتحقيقات الألباني، فلا تكاد ترى رسالة دكتوراه إلاَّ وهي تفيد من علم الألباني وجهوده في خدمة السنَّة التي زادت على ستين عامًا، وهي حياة جيلين كاملين.

قال حمَّاد بن زيد: حضرت أيُّوب السختياني وهو يغسل شعيب بن الحبحاب وهو يقول:"إنَّ الذين يتمنَّون موت أهل السنَّة يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، والله متمٌّ نوره ولو كره الكافرون". فلا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله، إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.

لقد قلت لكم: إنِّي لا أحسب بيتًا من بيوت المؤمنين يمرُّ عليهم هذا الحدث دون أن يخلِّف فيهم أثره من الحزن والأسى إلاَّ أن يكون بيت سوء، فإنَّ لموت العلماء الربانيين أئمَّة السنَّة تأثيرًا على المؤمنين عظيمًا.

قال علي بن حريث:"ما من أهل بيت لا يدخل عليهم الحزن بموت أحمد بن حنبل إلاَّ بيت سوء". وهذا كما قيل في أحمد بن حنبل فهو في أئمَّة الهدى في كلِّ زمان.

وعلى ذكر أحمد بن حنبل أسلِّي نفسي وإيَّاكم بمصيبة فقده، وأقصُّ عليكم صفة موته وكيف كان وقعها على المسلمين، لعلَّنا نأخذ بها العبرة عند وفاة علمائنا الربانيين.

لقد كان فقد الإمام أحمد بن حنبل المصيبة التي كسفت البال، والفجيعة التي غيرت الحال، طالت بها الأكماد، وانكوت بها الأكباد، فكم من عيون أبكتها، وكم من أجفان أدمتها، وحقَّ لها ذلك.

مرض الإمام أحمد بن حنبل قبل وفاته بتسعة أيام، فلمَّا اشتدَّت علَّته وتسامع الناس أقبلوا لعيادته، فكثروا ولزموا الباب الليل والنهار يبيتون، وجاء بنو هاشم فدخلوا عليه وجعلوا يبكون، وجاء قوم من القضاة وغيرهم فلم يؤذن لهم، فلمَّا كان يوم الجمعة اجتمع الناس حتَّى ملأوا السكك والشوارع، فلمَّا كان صدر النهار قبض رحمه الله، فصاح الناس، وعلت الأصوات بالبكاء حتَّى كأنَّ الدنيا ارتجَّت.

قال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل: لمَّا حضرت أبي الوفاة جعل يغرق ثمَّ يفيق ثمَّ يفتح عينيه ثمَّ يقول: بيده هكذا، لا بعدُ، لا بعدُ، لا بعدُ، ثلاث مرات، ففعل هذا مرَّةً وثانية، فلمَّا كان في الثالثة قلت له: يا أبه، أيّ شيء هذا؟ تقول: لا بعد لا بعد... فقال لي: يا بني، ما تدري؟! فقلت: لا، قال: إبليس لعنه الله قائمٌ حذائي عاضٌّ على أنامله يقول لي: يا أحمد فُتَّني ـ أي: سبقتني فلم أقدر على إضلالك وغوايتك ـ وأنا أقول له: لا بعد حتَّى أموت.

ومن فضائله رحمه الله أنَّه توفي يوم الجمعة، وقد قال رسول الله: (( ما من مسلم يموت يوم الجمعة إلاَّ وقاه الله عزَّ وجل فتنة القبر ) ).

وقد توفي يوم الجمعة خلقٌ كثير من السادات والعلماء، فقد قتل عثمان بن عفان يوم الجمعة، وضرب علي بن أبي طالب يوم الجمعة إلاَّ أنَّه قبض يوم الأحد، وكذا توفي العباس بن عبد المطلب في يوم الجمعة، وكذا الحسن البصري ومحمَّد بن سيرين... وخلق يطول ذكرهم.

قال عبد الله: لمَّا فرغنا من غسله وكفنه غلبنا عليه بنو هاشم، وجعلوا يبكون عليه ويأتون بأبنائهم فيبكون عليه ويقبِّلونه.

بنو هاشم هم قوم النبيِّ، فكأنَّهم كانوا يعدُّون أحمد بن حنبل منهم لأنَّه كان يذبُّ عن سنَّة النبي ويناضل عنها، وامتحن في سبيل الله سنوات بين السجن والضرب والعذاب.

ثمَّ دفن وصلَّى عليه المسلمون، وكانت جنازة عظيمة، لم يشهد في جاهليَّة ولا إسلام أعظم جمعًا منها، لكثرة من حضرها من الخلق، فقال أبو زرعة الرازي: بلغنا أنَّهم كانوا ألف ألف وخمس مائة ألف، أي: مليون ونصف. يومٌ شاهد كأنَّه يوم عرفات. قال الهيثم بن خلف: دفنَّا أحمد بن حنبل يوم الجمعة بعد العصر، فما رأيت جمعًا قط أكثر من ذلك.

وفتح الناس أبواب المنازل والشوارع ينادون من أراد الوضوء. وكان أحمد في حياته يقول:"قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم الجنائز".

وقد أظهر الناس في ذلك اليوم مدح السنَّة وذم البدعة ولعن الكرابيسي، فسأل السلطان: من الكرابيسي؟ فقيل: رجل أحدث بدعة لم يسبق إليها، فأمره السلطان بلزوم بيته حتَّى مات.

سبحان الله، جعل الله يوم موت أحمد يومًا تحيا فيه السنن، لا تموت بموته كما كان يظن أهل البدع، ويعزُّ فيه الإسلام لا كما يهوى أهل النفاق، حتَّى إنَّه اهتزَّ لموته اليهود والنصارى والمجوس، وأسلم في يوم جنازته خلق من الكفار.

قال الوركاني:"يوم مات أحمد بن حنبل وقع المأتم والنوح في أربعة أصناف من الناس: المسلمين واليهود والنصارى والمجوس، وأسلم يوم مات عشرون ألفًا من اليهود والنصارى والمجوس".

وقال عبد الوهاب الوراق:"أظهر الناس في جنازة أحمد بن حنبل السنَّة والطعن على أهل البدع، فسرَّ الله المسلمين بذلك على ما عندهم من المصيبة لما رأوا من عزِّ الإسلام، وكبت الله أهل البدع والضلالة، ولزم بعض الناس القبر وباتوا عنده، حتَّى منعهم السلطان مخافة الفتنة". وذُكر أنَّ صالحي الجنِّ سُمع نوْحُهم عليه أربعين ليلة بعد موته.

فهذا مبلغ أثر فقد إمام من أئمَّة الهدى عند المسلمين.

أحسن الله عزاءكم ـ أيُّها المسلمون ـ في علمائكم، وأحسن الله عليكم الخلف من بعدهم، فنسأل الله أن يتغمَّد أئمَّتنا العلماء برحمته، وأن يُلحقهم بالرفيق الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأن لا يَفتننا بعدهم، ولا يَحرمنا أجرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت