فقه
الديون والقروض
علي بن يحيى الحدادي
الرياض
جامع عائشة بنت أبي بكر
1-حاجة الناس إلى بعضهم 2- القرض الحسن من أفضل الأعمال عند الله 3- الحث على
عدم الاستدانه ما امكن 4- كل قرض جر نفعا فهو ربا 5- المسارعة إلى قضاء الدين
6-فضيلة التجاوز عن المعسر وإمهاله
أما بعد:
فإن الناس لا يستغنون في حياتهم عن القرض والمداينة، ولذلك شرع الله القرض لعباده، غير أنه حدّ حدودا لا ينبغي لمسلم أن يتجاوزها، وإلا وقع في الإثم.
وندب إلى أخلاق عالية، ينبغي أن يتحلى بها كل مقرض ومقترض، ألا وإن كثيرا من الناس قصروا في هذه الأحكام والآداب فأحببت تذكير نفسي وإياكم بها، لعلنا أن نكون ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.
أولا: فضل القرض:
إن إقراض المحتاجين من فضائل الأعمال، ففي الصحيحين عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - - قال: (( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته، ومن سعى في قضاء حاجة أخيه، قضى الله حاجاته، ومن فرج عن أخيه كربة، فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما، ستره الله يوم القيامة ) ).
وقال: (( ما من مسلم يقرض مسلما قرضا مرتين إلا كان كصدقة مرة ) )، رواه ابن ماجه. وقد قيل: إن القرض أفضل الصدقة، لأنه لا يقترض إلا محتاج.
فالقرض فعل معروف، وتفريج للضائقة عن المسلم وقضاء لحاجته. وقد ذم الله تعالى قوما فقال: فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يرآءون ويمنعون الماعون. أي: أساءوا مع ربهم فضيعوا حدوده، وأساءوا مع الخلق فمنعوهم المعروف حتى الدين والإعارة.
فإذا أتاك أخوك المسلم في طلب دين، وكان عندك فضل مال، وزيادة عما يجب عليك لنفسك ولمن تعول، فأقرضه أخاك ولا تبخل به يكن لك أجرا إذا احتسبت الأجر، ويكن لك ذكرا حسنا في دنياك وبعد موتك.
ثانيا: ينبغي للإنسان ألا يستدين إلا إذا احتاج؛ لأنها حقوق الناس يتحملها في ذمته ولا يدري هل يستطيع قضاءها أم لا؟
ورحم الله الإمام أحمد، كان في الأسفار يسقي للناس، ويحمل الأحمال، ويؤجر نفسه حتى لا يحتاج إلى الدَين، وسرقت ثيابه بمكة فاختبأ في غار، فوجده بعض أصحابه بعد ثلاثة أيام، فأراد أن يرمي له بثوب يستر به عورته، فقال أحمد: لا آخذ منك شيئا هبة ولا دينا، ولكن أكتب لك أحاديث بأجرة، فرضي صاحبه بذلك، وهذا مثل عظيم في ترك الدين مع إمكان الاستغناء عنه.
فإذا احتاج إليه فلا باس به.
ثالثا: إذا أسلفت أخاك فلا يجوز أن تشترط قضاءه بأكثر منه؛ لأن اشتراط الزيادة في قضاء الدين ربا محض، سواء سمي ربا أم فائدة، أم غير ذلك.
رابعا: جاء في الحديث: (( كل قرض جر نفعا فهو ربًا ) ). وثبت عن أربعة من الصحابة الفتوى بمقتضاه.
ومعنى الحديث: أنك إذا أقرضت شخصا فلا يحل لك أن تقبل منه هدية، أو منفعة كأن يوصلك على سيارته، أو يحمل لك متاعك، أو يقدم لك خدمة، إلا بعد قضاء الدين. فإن قبلت منه شيئا من ذلك كان ربًا، وينبغي أن يعلم أن هذه المنافع تكون ربا في حالتين:
الحالة الاولى: إذا اشترطها المقرض اشتراطا صريحا، كأن يقول أقرضك، لكن بشرط أن تعيرني سيارتك، أو تسهل معاملتي في الدائرة الفلانية، ونحو ذلك.
الحالة الثانية: ألا يشترطها اشتراطا صريحا، ولكنه ينوي بذلك القرض حصول هذه الخدمات ويتطلع إليها ويلمح بها ونحو ذلك.
والقاعدة: إذا كان سبب تلك المنافع هو القرض كانت ربًا، أما إذا كانت عادة سابقة على القرض وليس للقرض فيها سبب من قريب أو بعيد في حصولها فلا بأس.
أخرج البخاري في صحيحه عن أبي موسى الأشعري أنه قال: (( قدمت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام فقال لي: إنك بأرض فيها الربا فاشٍ، فإذا كان لك على رجل حق فأهدى إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قت فلا تأخذه. فإنه ربًا ) ).
وأما بعد أداء الحقوق فلا بأس بقبول المنافع.
بارك الله لي ولكم في القران العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
فالمسألة الخامسة من مسائل الدين:
المسارعة إلى قضاء الدين إذا حان وقته، وعدم التساهل في ذلك ألا وإن كثيرا من الناس يتساهل في هذه القضية سواء في تعامله مع الأفراد أو مع المؤسسات والحكومية أو المؤسسات التجارية، وأصبحنا نرى ونسمع عن كثير من الكفلاء أنهم اضطروا إلى السداد حين أخل المستدينون بما عليهم.
عباد الله: لقد ورد الوعيد الشديد فيمن أخذ أموال الناس وهو عازم على عدم الأداء، وفي ذلك يقول عليه الصلاة والسلام: (( ومن أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله ) )، والعياذ بالله.
سادسا: يستحب للمستدين أن يرد الدين بأفضل منه في الكيف أو في العدد، إذا كان تبرعا منه بدون شرط سابق، كأن تستلف ألفا، ثم ترده ألفا ونصف تبرعا وتفضلا منك، أو تقترض حيوانا، أو مركوبا، فترد أحسن منها من جنسها. وفي ذلك يقول: (( إن من خياركم أحاسنكم قضاء ) ).
سابعا: إذا حان الأجل ولم يسدد المستدين ما عليه، وأراد صاحب الحق أن يطالب بحقه فعليه أن يحسن الطلب والاستقضاء، فلا يعنف ولا يشهر ولا يلح، ولكن بالتي هي أحسن وقد قال الرسول - - لعمر: (( هلا أمرته بحسن الاستقضاء ) ). أي بالحسن في طلب حقه.
ثم إن كان معسرا، فأمامك أيها المقرض ثلاثة خيارات:
الأول منها: أن تعفو عنه وتسقط الدين الذي لك كله، وهذا أعلاها وأفضلها، ومن فعل ذلك ابتغاء مرضات الله تجاوز الله عنه، ففي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله - - قال: (( كان فيمن قبلكم تاجر يداين الناس إن رأى معسرا قال لفتيانه: تجاوزوا عنه لعل الله يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه ) ).
الخيار الثاني: أن تسامحه في بعض الدين، فمثلا لك عليه عشرة الآف، فتضع عنه نصفها أو ربعها، ونحو ذلك.
الخيار الثالث: أن تؤجله حتى يوسع عليه.
وفي هذين يقول -: (( من أنظر معسرا أو وضع له - أي أسقط عنه الدين كله أو بعضه - أظله الله يوم القيامة تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله ) ).
وقد أخرج مسلم في صحيحه عن أبي قتادة - - أنه طلب غريما له فتوارى عنه، ثم وجده فقال الغريم: إني معسر. فقال أبو قتادة: آلله؟ قال الرجل: آلله. قال أبو قتادة: فإني سمعت رسول الله - - يقول: (( من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه ) ).
فيا إخوة الإسلام: هذه هي الأخلاق الإسلامية في المداينة، قضاء حاجة، وعدم استغلال حاجة المحتاج في إرهاقه في الطلبات والخدمات والفوائد، ثم القضاء بإحسان، ثم الإنظار عند العسرة.
وحين أخل كثير من الناس بمثل هذه الأخلاق العالية، وجدت الخصومات والحزازات، واحتاج الناس إلى البنوك الربوية، والتعامل معها بما حرم الله ،فلا هو يجد من يقرضه قرضا حسنا، ولا المقرض يجد من يسدد له قرضه تسديدا حسنا، حتى ضاع المعروف بين الناس، إلا من رحم الله، وقليل ما هم.
إخوة الإيمان: صلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه.