الإيمان
نواقض الإيمان
عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري
المدينة المنورة
قباء
"أصناف الناس ثلاثة - فضح الله المنافقين - خطر المنافقين في خفائهم - حقد المنافقين وعداوتهم أشد من غيرهم - تحذير الله من المنافقين - أثر المنافقين في تردي الأمة"
أما بعد:
فإن الله تبارك وتعالى صنف عباده في أول سورة البقرة إلى مؤمنين وكافرين ومنافقين وأنزل في ذلك عشرين آية من أول هذه السورة منها ثلاث آيات في وصف المؤمنين وآيتان في وصف الكافرين وثلاث عشر آية في وصف المنافقين بين فيها أحوالهم وكشف أسرارهم وكشف طبائعهم ونفسياتهم وطريقة تفكيرهم ومنطقهم وقد تحدث القرآن عن المنافقين في مواطن كثيرة وفي سور عديدة وأكثر ما تحدث عنهم في سورة التوبة حتى سميت الفاضحة لأنها فضحت المنافقين وكشفت أحوالهم وبينت أسرارهم ودواخلهم وخططهم ثم فردت سورة بأكملها للمنافقين كشفت أيضا أسرارهم وأساليبهم وبينت شيئا من خططهم سميت سورة المنافقين كل هذا لتحذير المجتمع المسلم من خطر هذا العدو الهدام الذي يحاربهم من داخلهم ويسعى إلى تدميرهم خلسة وخفية حتى لا تراه الأعين خلسة حيث لا تراه الأعين ولكن يجب أن تكتشفه البصائر إن أهم سمة وأخطر صفة لهذا العدو الهدام المدمر هي صفة الخفاء فهو خلال المجتمع المسلم داخل في المجتمع المسلم يظهر التعاطف معهم ويخفي كفره وعداوته لهم في داخله فالمكر والخداع والكذب هي أساليبه وأدواته لكن إذا سنحت الفرصة ووجد ثغرة ينفذ منها لضرب المسلمين فإنه يكون حينئذ أشد قسوة ووحشية ونكاية للمؤمنين من أي عدو مجاهر كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون إن قدرة المنافقين على التحرك في الخفاء وسعيهم لتدمير المجتمع المسلم من داخله جعل خطرهم أشد وأعظم وأنكى من خطر العدو الكافر المجاهر المعلن لكفره ولعداوته لأن أمر العدو الكافر المجاهر واضح للعيان فيأخذ المسلمون حيطتهم منه واستعدادهم له بخلاف هذا العدو الهدام الخفي المتسلل بين صفوفنا بخلاف المنافقين الذين قد تسللوا إلى داخل المجتمع المسلم وتشكلوا بشكله وتصوروا بصورته فإنهم كأبليس وجنوده يروننا من حيث لا نراهم وقد نغتر بظواهرهم ونركن إليهم ونسند إليهم بعض شئوننا ليديرونها ونسلم إليهم بعض أمورنا يدبرونها وربما فعلنا أكثر من ذلك إذا كانت الغفلة فينا نحن المسلمين مستحكمة ربما اتخذناهم بطانة نستأمنهم على أسرارنا ونسلطهم على دواخلنا وفي ذلك الخطر كل الخطر وأعظم من هذا خطرا إذا تمكن هؤلاء المنافقون من التقرب من ولاة أمور المسلمين وأمرائهم وحكامهم ونالوا الحظوة لديهم وأصبحوا من أعوانهم المقربين وقد يسندون إليهم أشد الأعمال خطرا وشأنا وأعظمها وأهمها شأنا فيطلع هذا العدو الخفي الهدام على أسرار المسلمين ويكتشف كوامنهم ومداخلهم ونقاط الضعف فيهم حتى إذا جاءت الفرصة وفار التنور انشبوا أظفارهم ومخالبهم وكشروا عن أنيابهم والله تبارك وتعالى من رحمته لعباده المؤمنين ولطفه بهم ورعايته لهم حذرهم من هذا العدو الخفي المدمر حذرهم من المنافقين ومن اتخاذهم بطانه والركون إليهم والانخداع بظواهرهم حذرنا نحن المؤمنين من ذلك أيما تحذير إنه تحذير مفصل واضح كالشمس قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم - أي من غير أهل ملتكم ممن يخالفونكم في الدين ويناصبونكم العداوة في بواطنهم - لا يألونكم خبالا - أي لا يترددون في تدميركم وإلحاق الأذى والضرر بكم بكل وسيلة ممكنة لهم - ودوا ما عنتم - ما يشقييكم ويتعبكم ويضنيكم ويربككم ويدمركم يسرهم يودون ذلك ويحبونه ويسعون إليه -قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور إن تصبكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط إن اتخاذ البطانة من هؤلاء المنافقين ممن هو دوننا من غير ملتنا ممن يفارقوننا في الدين وإن أخفوا ذلك في بواطنهم وهم يظهرون لنا حلاوة اللسان ولين الجانب والتفاني في إرضائنا وخدمتنا والسعي لإجابة أهوائنا وخدمة شهواتنا والسعي في أهوائنا وشهواتنا إن البطانة من هؤلاء المنافقين كان من أكبر الأسباب والعوامل لتدمير الدول الإسلامية في الماضي بل ولحلول الكوارث والنكبات العظيمة على المجتمع المسلم كله عندما غفل المسلمون حكاما ومحكومين عندما تحكمت فيهم شهواتهم فحجبت عقولهم وبصائرهم عن هذا الجانب الخطير فركنوا إلى من هو دونهم من غير أهل ملتهم واستخدموهم واستعانوا بهم واتخذوا البطانات منهم فحلت الكوارث وانهارت الدول بينما الصدر الأول أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا متيقظين أشد التيقظ لهذا الجانب فلم يكونوا يسمحون أبدا بأي ثغرة ينفذ منها أحد ممن هو دونهم من غير أهل ملتهم من المنافقين من هذا العدو الخفي الهدام ما كانوا يسمحون لأحد من هذا العدو الخفي الهدام أن ينفذ في مجتمعهم ويتسلل خلال صفوفهم روى أبو موسى رضي الله عنه وكان قد ولاه الفاروق عمر بن الخطاب ولاه على البصرة أميرا يروي أبو موسى الأشعري فيقول: قلت لعمر يا أمير المؤمنين إن لي كاتبا نصرانيا فرفع عمر يده وضرب بها على فخذ أبي موسى حتى كاد يكسرها وقال له: مالك قاتلك الله أما سمعت الله يقول: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم قال أبو موسى: يا أمير المؤمنين لي كتابته وله دينه قال عمر: لا أكرمهم إذ أهانهم الله ولا أعزهم إذ أذلهم الله ولا أجلهم وأقربهم إذ أبعدهم وأقصاهم الله وكتب عمر بعد ذلك إلى سائر ولاته وأمرائه وعماله يقول: أما بعد فإن من كان منكم له كاتب من المشركين فلا يعاشره ولا يوازره - أي لا يتخذه وزيرا أو مستشارا - ولا يجالسه ولا يعتضد برأيه وكان لعمر الفاروق رضي الله عنه عبد نصراني فقال له عمر: أسلم فإنا نريد أن نستعين بك على بعض أمور المسلمين وما ينبغي لنا أن نستعين على أمورهم بمن ليس منهم فأبى العبد النصراني أن يسلم فأعتقه عمر وقال له: إذهب حيث شئت ولما ولى الفاروق عمر رضي الله عنه أميرا على البحرين كتب له كتابا ضمن فيه تعليمات عظيمة ما أعظمها وما أهمها لكل وال وأمير من المسلمين وكان من بين تلك التعليمات أن قال له في كتابه: عد مرضى المسلمين واشهد جنائزهم وافتح بابك وباشرهم وابعد أهل الشر وأنكر أفعالهم ولا تستعن على أمر من أمور المسلمين منهم وباشر مصالحهم بنفسك فإنما أنت رجل منهم غير أن الله تعالى جعلك حاملا لأثقالهم والأصل في هذه التعليمات العمرية الإسلامية المشددة في منع المسلمين وخاصة منع ولاتهم وأمرائهم من الركون لغير أهل ملتهم من استخدام الكافرين واستعمال المشركين الأصل في ذلك الآية التي ذكرها عمر بنفسه رضي الله عنه: لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء وقوله تعالى: لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا وكذلك قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إنا لا نستعين بمشرك ) )ولكن عندما غفل المسلمون حكاما ومحكومين في بعض العصور السابقة عن هذا المبدأ الهام وركنوا إلى أعدائهم بل واستخدموهم واستعملوهم واتخذوهم بطانة حلت الكوارث العظيمة على مجتمع المسلمين وهذا ما سنتحدث عنه إن شاء الله تعالى في الجمعة القادمة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: المنافقون والمنافقات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى ومن يعص الله ورسوله فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئا.
أما بعد:
فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار.
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما.
يا ابن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه وكن كما شئت فكما تدين تدان ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال جل من قائل: (( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) )، وقال صلى الله عليه وسلم: (( من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشرا ) )اللهم صلي وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد وأرض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبي السبطين علي وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين وعن الصحابة أجمعين وعن التابعيين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.