العلم والدعوة والجهاد, فقه
الحدود, محاسن الشريعة
عبد الكريم بن صنيتان العمري
المدينة المنورة
جامع الصانع
1-عناية الشريعة الإسلامية بحفظ النفس. 2- سبب نزول قوله تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَأً. 3- بيان كفارة قتل الخطأ وذكر شيء من أحكامها. 4- الإشارة إلى صور مختلفة تدخل تحت قتل الخطأ.
أحاط الله تعالى النفس الإنسانية بسياج متين، فأوجب على صاحبها أن يحفظها، وحرم الاعتداء عليها أو قتلها بغير حق، ورتَّب الجزاء العظيم والعقاب الأليم لمن أراق دم مسلم عامدًا متعمدًا وأزهق روحَه دون سبب، قال تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93] ، ونفى سبحانه وتعالى أن يتعمد المؤمن قتل أخيه، ويقصد ذلك بالإعداد والترصد له، لكن ذلك يحدث منه على سبيل الخطأ، فالكل خطّاء، ومن تلك الأخطاء قتل المؤمن لأخيه المؤمن خطأ، قال تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا [النساء:92] .
وقد ذكر الإمام الطبري رحمه الله أنها نزلت في رجل قتله أبو الدرداء ، وذلك أن النبي بعث أبا الدرداء في سرية، فعدل إلى أحد الشعاب لحاجة له، فوجد رجلًا من القوم في غنم له، فحمل عليه بالسيف، فقال الرجل: لا إله إلا الله، فضربه أبو الدرداء بالسيف فقتله، وساق غنمه وأتى بِها إلى رفقته، ثم وجد في نفسه شيئًا من فعله ذلك، فلما عاد إلى المدينة أخبر النبي بما كان مع الرجل، فقال له: (( ألا شققتَ عن قلبه؟ ) )فقال أبو الدرداء: يا رسول الله، إنما قالها ليتقي السيف. فقال: (( لقد أخبرك بلسانه فلم تصدقه، فكيف بلا إله إلا الله؟! ) )فقال: كيف بي يا رسول الله؟ فقال: (( فكيف بلا إله إلا الله؟! ) )ورددها ثلاثًا، فقال أبو الدرداء: حتى تمنيت أن يكون ذلك مبتدأ إسلامي. ونزلت هذه الآية. وفيها عرّف الله تعالى عباده ما يجب في قتل الخطأ من الكفارة والدية، وقد أجمع العلماء كافة على وجوب الكفارة على كلِّ من قتل مؤمنًا خطأ، أيًا كان القاتل أو المقتول ذكرًا أو أنثى، وسواء كان القتلُ مباشرة أو بالتسبب.
وخصال كفارة القتل كما وردت في الآية تنحصر في شيئين: الأول: عتق رقبة مؤمنة، والثاني: من لم يستطع أن يعتق وجب عليه أن يصوم شهرين متتابعين كفارة لخطئه في قتل من قتل.
وليس لقتل الخطأ كفارة غير ذلك كما في الكفارات الأخرى من الإطعام؛ لأن الله تعالى لم يذكر في هذا المقام إلا العتق والصيام.
وإذا لزمت المسلم هذه الكفارة وابتدأ الصيام فإن الشهر يعتبر بالأهلة؛ لأنه قد يكون ثلاثين يومًا، وقد يكون تسعة وعشرين يومًا، فمن ابتدأ الصيام في أول شهر وكان الشهر ناقصًا والشهر الذي يليه تامًا كاملًا فإن صومه صحيح، ويصدق عليه أنه صام شهرين متتابعين، وأدى الواجب الذي عليه، قال: (( إن الشهر يكون تسعةً وعشرين، ويكون ثلاثين ) )متفق عليه.
ولو ابتدأ في الصيام ثم مرض أو دعته الضرورة للسفر أو كانت امرأة فتخلّل صيامَها دورتها الشهرية لم يقطع ذلك كله التتابع، بل يستمر في صيامه بعد زوال العذر، ويكمل بقية الصيام.
ويدخل تحت قتل الخطأ صور عديدة، يجدر التنبيه عليها، منها تفريط بعض قائدي السيارات في تفقد مركباتِهم، وقيادتهم لها دون تفحّص أجزائها ومعرفة صلاحية قطعها للاستعمال، كالإطارات والأبواب والإنارة وغير ذلك من هياكلها الأخرى التي يؤدي العيب والخلل فيها إلى تعريض أرواح الركاب أو المشاة للخطر في أي لحظة.
فإذا حصل شيء من ذلك فإنه تفريط واضح من قائد السيارة، يتحمّل كل ما يترتب عليه، فلو كان الحادث بسبب انفجار أحد الإطارات التي لم يستبدلها لقرب تلفِها أو لنوم السائق أو عدم تركيزه أو انشغاله أثناء القيادة أو سرعته الزائدة وعدم التزامه بأصول القيادة السليمة الصحيحة، فنتج عن ذلك وفاة بعض الركاب أو غيرهم فإنه يجب عليه أن يَكَفِّرَ بعدد الأشخاص الذين تسبب في وفاتهم.
كما أن الحادث لو وقع بسبب التصادم مع سيارة أخرى، ونتج عنه بعض الوفيات، وثبت بعد ذلك أن كلًا من السائقين قد أخطأ بنسبة معينة، فإن على كل واحد منهما كفارة، عن كل نفس توفّيت في الحادث، ولا تأثير لاشتراكهما أو اشتراك غيرهما في سبب الوفاة، فإن الكفارة كلٌّ لا يتجزأ.
وله أن يصوم شهرين متتابعين، ثم يتوقف بعد انقضائهما، ويبتدئ بعد ذلك بصيام الكفارة الأخرى، وهكذا حتى ينهي عدد الكفارات اللازمة في ذمته، ومن الحالات التي تحدث كثيرًا في التسبب في القتل ولزوم الكفارة ما يحدث من بعض الأمهات حين تُهمل طفلها الصغير، فلا تحتاط في المحافظة عليه، وتفرط في ملاحظته، فقد تنشغل في عمل المنزل وتتركه، فيبدأ الطفل بالحركة واللعب والانطلاق للعبث بما حوله، وقد يكون فيه هلاكه، كأدوات الكهرباء ومصادرها، أو حمام السباحة أو حفرة يقع فيها أو أدوات حادة، فيموت بسبب ذلك، أو تترك طفلها الصغير مع أخيه فيؤذيه ويعرضه للموت والهلاك.
ومن حالات قتل الخطأ ما يقع من البعض عند إرادته ركوب السيارة وقيادتها، فلا يتفقد ما حولها؛ إذ قد يكون بعض الأطفال مختبئين أو يلعبون خلف السيارة، فيدهسهم ويتسبب في وفاتهم، وغير ذلك من صور القتل الخطأ الأخرى التي تجب فيها الكفارة التي ذكرها الله تعالى بقوله جل شأنه: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا إلى أن قال سبحانه: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنْ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:92]
لم ترد.