العلم والدعوة والجهاد, سيرة وتاريخ
السيرة النبوية, القتال والجهاد
عبد الرحمن بن الصادق القايدي
جدة
جامع الأنصار
1-كيد أعداء الإسلام. 2- أذى كعب بن الأشرف وحقده على الإسلام والمسلمين. 3- أمر النبي بقتل كعب. 4- قصة قتل كعب بن الأشرف. 5- حال اليهود بعد قتل كعب. 6- ميزة هذه الأمة.
لا زلنا نتحدث عما يكيد به الأعداء لإبعاد المسلم عن دينه، وما يكيدون من مؤامرات وتخطيطات، ولكننا نريد أن نأتي بمثال حيّ حدث في بداية عهد النبي ، وكيف تمكن من القضاء عليه.
لقد ذكر أصحاب السيَر في كتبهم بعد غزوة بدر الكبرى وانتصار النبي وصحبه على أهل الشرك والكفر أن رجلًا من سادات يهود وكبرائها ومن أشدّ اليهود حقدًا على الإسلام والمسلمين يدعى كعب بن الأشرف، وكان غنيًا مترفًا شاعرًا من شعرائها، وكان حصنه في جنوب شرق المدينة، ولما بلغه أول خبر عن انتصار المسلمين وقتل صناديد قريش في بدر لم يصدّق وقال: أحق هذا؟! هؤلاء أشراف العرب وملوك الناس! والله، إن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها. ولما تأكد لديه الخبر انبعث عدو الله يهجو رسول الله والمسلمين، ويمدح أعداءهم ويحرّضهم على المسلمين، ولم يرضَ بهذا القدر حتى ركب إلى قريش وجعل ينشد الأشعار يبكي فيها على أصحاب القليب من قتلى المشركين، يثير بذلك حفائظهم ويشعل حقدهم على النبي ، ويدعوهم إلى حربهم، وعندما كان عندهم في مكة سأله أبو سفيان والمشركون: أديننا أحب إليك أم دين محمد؟ وأي الفريقين أهدى سبيلا؟ وكان كعب يهوديًا من أهل الكتاب، وعندهم التوراة فيها حكم الله، ويعلم الحق من الباطل، ومع ذلك منعه حقده من قول الحق، فأجابهم كذبًا وبهتانًا: أنتم أهدى سبيلًا وأفضل من محمد ودينه، قال تعالى مبينًا حقدهم وكذبهم وهم أهل كتاب: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلًا [النساء:51] .
ثم رجع كعب إلى المدينة على تلك الحال حاقدًا على المسلمين ومثيرًا لأعدائهم عليهم، ثم ازداد سوءًا وأخذ يشبّب في أشعاره بنساء الصحابة والمسلمين، ويؤذيهم بسلاطة لسانه أشدّ الإيذاء، وحين بلغ السيل الزُبى وطفح الكيل وتعاظم شرّه قال رسول الله: (( من لكعب بن الأشرف؟ فإنه آذى الله ورسوله ) )، فقام له محمد بن مسلمة وعبّاد بن بشر وأبو نائلة أخو كعب من الرضاعة والحارث بن أوس وأبو عبس رضي الله عنهم، وكانوا خمسة رجال، فجعل قائدهم محمد بن مسلمة، وتفيد الروايات أن محمد بن مسلمة قال: يا رسول الله، أتحب أن أقتله؟ قال: (( نعم ) )، قال: فأذن لي أن أقول شيئًا، قال: (( قل ) ).
فخرج الجميع متوجهين إلى كعب لقتله لأنه آذى الله ورسوله وأغاظه مقتل رجال من أهل مكة يوم بدر، ولما وصل إليه محمد بن مسلمة قال: يا كعب، إن هذا الرجل ـ يعني به النبي ـ قد سألنا صدقه بعد أن أسلمنا وإنه قد عنّانا أي: شق علينا، قال كعب: واللهِ لَتَمَلَّنَّهَ، قال محمد: فإنا قد اتبعناه فلا نحبّ أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه، وقد أردنا أن تسلفَنَا وسقًا أو وسقين، قال كعب: نعم ولكن أرهنوني، قال محمد: أي شيء تريد؟ قال: أرهنوني نساءكم، قال: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟! قال: أبناءكم، قال: كيف نرهنك أبناءنا فَيُسَبُّ أحدُهم فيقال: رهِن بوسق أو وسقين؟! هذا عارٌ علينا، ولكنا نرهنك اللأمة ـ أي: السلاح ـ، فوافق فواعدة أن يأتيه، ثم جاءه أخوه من الرضاعة أبو نائلة وجلس مع كعب يتناشد معه أطراف الأشعار سريعةً، ثم قال له: ويحك يا ابن الأشرف، إني قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك فاكتم عني، قال كعب بن الأشرف: افعل، فقال أبو نائلة: كان قدوم هذا الرجل ـ يعني الرسول ـ علينا بلاء؛ عادتنا العرب، ورمتنا عن قوسٍ واحدةٍ، وقطعت عنا السبل حتى ضاع العيال وجهدت الأنفس وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا، وصار الحديث على نحو ما دار مع ابن مسلمة، وقال أبو نائلة أثناء حديثة: إن معي أصحابًا لي على مثل رأيي، وقد أردت أن آتيك بهم فتبيعهم وتحسن إليهم، فوافق على ذلك، وفي ليلهٍ مقمرة اجتمع هؤلاء إلى رسول الله ، فمشى معهم إلى بقيع الغرقد يشيّعهم، ثم وجههم قائلًا: (( انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهم ) )، ثم رجع إلى بيته وطفق يصلّي ويناجي ربه، فوصل الجميع إلى حصن كعب بن الأشرف، وكان كعب حديث عهد بزواج، فهتف به أبو نائلة فقام لينزل إليهم، فقالت له زوجته: أين تخرج هذه الساعة؟! أسمع صوتًا كأنه يقطر منه الدم، قال كعب: إنما هو أخي ورضيعي أبو نائلة، إن الكريم لو دعي إلى طعنةٍ أجاب، ثم خرج إليهم وهو متطيّب ينفخ رأسه كبرًا، وقد قال أبو نائلة لأصحابه: إذا ما جاء فإني آخذ بشعره فأشمهُ، فإذا رأيتموني استمكنت منه فدونكم فاضربوه، فلما نزل كعب إليهم تحدّث معهم ساعة، ثم قال له أبو نائلة: هل لك يا كعب أن نتماشى إلى شعْب العجوز فنتحدث بقيه ليلتنا؟ قال: إن شئتم، فخرجوا يتماشون، فقال أبو نائلة وهو في الطريق: ما رأيت كالليلة طيبًا أعطر, وزهي كعب بما سمع، فقال: عندي أعطر نساء العرب، قال أبو نائلة: أتأذن لي أن أشمّ رأسك، قال: نعم، فأدخل يده في رأسه فشمّه وأشمّ أصحابه، ثمّ مشى ساعة ثم قال: أعود؟ قال كعب: نعم، فعاد لمثلها حتى اطمأنّ، ثم مشى ساعة ثم قال: أعود؟ قال كعب: نعم، فأدخل يده في رأسه فلمّا استمكن منه قال: دونكُم عدوّ الله، فاختلفت عليه أسيافهم، لكنها لم تغنِ شيئًا، فأخذ محمد بن مسلمة معولًا فوضعه في ثُنتهِ ثم تحامل عليه حتى بلغ عانته، فوقع عدو الله قتيلًا، وكان قد صاح صيحةً شديدةً أفزعت من حوله، فلم يبق حصن إلا أوقدت عليه النيران.
ورجعوا إلى المدينة وقد أصيب أحدهم بذباب بعض سيوف أصحابه، فجُرح ونزف الدم، فلما رأوه كذلك حملوه حتى إذا بلغوا بقيع الغرقد كبّروا، وسمع رسول الله تكبيرهم، فعرف أنهم قد قتلوه، فكبر ، فلما انتهَوا إليه قال: (( أفلحت الوجوه ) )، قالوا: ووجهك يا رسول الله، ورموا برأس الطاغية بين يديه، فحمد الله على قتله، وتفل على جرح الحارث فبرأ لم يؤذَ بعد.
أيها الإخوة المسلمون، أتعلمون ماذا حصل لليهود بعد هذه العملية الرائعة؟ لما علمت يهود بمصرع طاغيتها دبّ الرعب في قلوبهم العنيدة كعادتهم من الجبن والخوف والخور أنّ رسول الله لن يتوانى في استخدام القوه حين يرى أن النصح لا يجدي نفعًا لمن يريد العبث في أعراض المسلمات وإثارة الأعداء، ولم يحرك اليهود ساكنًا، بل لزموا الهدوء واستكانوا وارتاح المسلمون من كثير من متاعب اليهود الداخلية التي كانوا يتوجسونها.
أيها المسلمون، إن هذه العملية لم تكن في أواخر عهد النبي حين انتشر الإسلام وكثر أتباعه وتقوّى، بل كانت في بداية مراحل تأسيس الدولة الإسلامية، ولم يكثر أتباعه حينئذ، وكانت بعد أول غزوة يغزوها الرسول ، والجراح لم تلتئم بعد، وكان رسول الله ينتظر ردًا من مشركي مكة، فلم يكن ليتفرغ لليهود في المدينة، وهو في غنى عن فتح جبهة أخرى يقابل فيها الأعداء، ولكن أعراض المسلمات لا تحتمل تأخيرَ الرد على من دنّسها، وقلة العدد والعدة ليست هي التي تنصر أو تخذل، إنما النصر من عند الله، وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون: 8] ، ومع هذا كله فقد ثبت النبي ولم يرضَ الذلّ والإهانة، وأرسل هذه المجموعة لتقوم بهذه المهمة الخطيرة، والتي تمت على أكمل وجه بتوفيق الله وعونه، وأعز الله بها قومًا وأذل بها آخرين.
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العلي العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله الذي خلق الخلق ليوحدوه ويعبدوه، وأدرَّ عليهم الأرزاق ليحمدوه ويشكُروه، فوفق من شاء من عباده فانقادوا لعبادته وأطاعوه، وخذل من شاء بعدله فخالفوا أمره وعَصَوْه، أحمده وأشكره حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً أدخرها ليوم تبيض فيه وجوه وتسود وجوه، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله أعطاه الله من الفضل فوق ما يتمناه ويرجوه، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه الذين آزروه ونصروه.
أيها المسلمون، لقد خص الله هذه الأمة بدين محفوظ وتاريخ ناصع مكتوب، تتناقله الأجيال تلو الأجيال بأسانيد قوية تميزت بها الأمة، تسابق الحفاظ والعلماء بنقل ما حفظوه وضبطوه، دين قويم وشرع حكيم، آيات تحفظ وأحاديث تروى، وسيرة عطرة وتاريخ مشرق.
نعم أيها المسلمون، إنه فخرٌ لنا وميزة نفاضل به الأمم ممن حولنا، ميزان نزن به واقعنا وما يَجِدّ فيه، لا ينطلق المرء في مواقفه ومعاملاته من هوى واجتهادات، وكل حدث لا بد من عرضه على ذلك الكنز العظيم مما ورثناه عن سلفنا الصالح، لسنا كبقية الأمم ما وصل إليها من دين وكتب سماوية غامض ومحرف؛ مما يضطرها إلى التناقض والتغير والاضطراب، فيتفرق شملها وتختلف مواقفها، أما نحن فديننا الإسلام واضح وجليّ، وتكفل الله بحفظه، إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: 9] ، من استمسَك به أعَزَّهُ الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله، ومن تركه ورغب عنه فضحه الله، صراطُ الله لا يقبل الذلة، ويأبى التبعية، ويرفض الخنوع، ويستعصي على الدُّخلاء، وإذا هزمت الأمة في عقيدتها فقد هيمنت عليها الأمم وأذلّتها، وما كان لها أن ترفع رأسها وتشعر بالعزة.
أيها الإخوة في الله، ما قام به الصحابي محمد بن مسلمة وأصحابه رضي الله عنهم في قتل كعب بن الأشرف إنما هو أمرٌ من رسول الله ، وهذا تشريع يجب الأخذ به والانقياد له والتمشي بموجبه، وليس بالضروري تكافؤ العدد والعدة الظاهرة بين المؤمنين وعدوهم، مع أنها مهمة، فيكفي المؤمنين أن يُعِدُّوا ما استطاعوا من القوة، وأن يثقوا بالله ويثقوا بنصره ويثبتوا ويصبروا، وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا [آل عمران: 120] . إن كيدهم ومكرهم وتخطيطهم لا يضرّ ما دمنا متمسكين بكتاب ربنا وسنة نبينا ، وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة: 23] .
وعلى المؤمن أن يعلم علم اليقين أنه مكفيّ سوء البلاء ما استقام على أمر الله، محفوظ من كيد الأعداء ما دام معتصمًا بالله ومتوكلًا عليه، قال تعالى: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء: 141] .
وإن الناظر ـ أيها الإخوة ـ فيما أصاب المسلمين من ابتلاء هذه الأيام يرى اختلافًا في موقف الناس فمنهم صابر ثابت كإخواننا في فلسطين وفي الدول التي تقاوم وتقارع الكفر وأهله، وهم أقلية، ومنهم جزع خائف تعلّق بغير الله واعتمد على أسباب وماديات لا تغني عنهم من الله شيئًا، ومنهم آخذٌ بالأسباب على وجهها معتمدًا على ربه فربُّنا من وراء كل شيء محيطٌ وهو الغني، يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الحديد: 28] .
واعلموا أن الله صلى وسلم على نبيه قديمًا، فقال تعالى ولم يزل قائلًا عليمًا وآمرًا حكيمًا تنبيهًا لكم وتعليمًا وتشريفًا لقدره وتعظيمًا: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56] .
لبيك اللهم صلّ وسلم على عبدك ورسولك سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين...