فهرس الكتاب

الصفحة 3980 من 5777

التحذير من إيواء المحدثين والمجرمين

الرقاق والأخلاق والآداب, موضوعات عامة

الكبائر والمعاصي, جرائم وحوادث

عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ

الرياض

جامع الإمام تركي بن عبد الله

1-تفاوت الناس في إيمانهم. 2- صفات قوي الإيمان. 3- النهي عن إيواء المحدثين. 4- صور إيواء المحدثين. 5- مسؤولية أمن الأمة. 6- ضرورة العناية بمصالح المسلمين العامة. 7- وجوب التعاون على البر والتقوى. 8- مناجاة المؤمنين فيما بينهم. 9- النهي عن المنكر والتحذير منه واجب الجميع.

أمّا بعد: فيا أيّها الناس، اتقوا الله تعالى حقَّ التقوى.

عبادَ الله، في الصحيحِ عنه أنّه قال: (( المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبّ إلى الله من المؤمنِ الضعيف، وفي كلٍّ خير ) ) [1] .

أيّها المسلمون، يتفاوَت النّاسُ في إيمانهم قوّةً وضعفًا، أصلُ الإيمان موجودٌ، لكن تفاوتُهم في قوَّةِ هذا الإيمان أو ضَعف ذلك الإيمان. وهذا التفاوُتُ في قوّةِ الإيمان وضعفه ينتُجُ عنه قوّة العمل والأداء أو ضَعف ذلك.

المؤمِنُ قويُّ الإيمان ترَى أثرَ تلك القوّة على جوارحِه في قيامه بما أوجَبَ الله عليه واستقامتهِ علَى الطريقِ المستقيم، عرَفَ الحقَّ، عرف الهدَى، فالتزم الإسلام ظاهِرًا وباطنًا. قويُّ الإيمان ترَى أثَرَ قوّةِ الإيمان عليه في سعيِه في المصالح العامّةِ للأمّةِ وتعاوُنِه على الخير وبذلِه وعطائه وجدِّه واجتهاده فيما ينقِذ نفسَه من عذاب الله ويخلِّصها من عذاب الله، ثمّ بما تسعَد به أمّته ومجتمعُه المسلم.

المؤمِن قويُّ الإيمان قوّةُ إيمانه تجعله يهتمّ بالمصالح العليا للأمة، ويقدِّمها على كلِّ المصالح الشخصيّة، فعندما تتعارض المصالحُ العليا للأمّة والمصالح الذاتيّة الشخصية فقوَّةُ إيمانه تدعوه إلى المحافظةِ على مصَالحِ الأمّة العُليا، وأن لا يقدِّمَ عليها أغراضَه الشخصية، بل الأغراض الشخصيّةُ لا اعتبار لها عندَه أمامَ مصالح الأمّةِ العليا ومنافعها.

المؤمن القويُّ لا يخدَعه الخادعون، ولا يغرِّر به الأعداء الحاقدون، ولا يطمع في انحرافِه الحاسِدون للأمّة، بل هو يرفضُ كلَّ ذلك؛ لأنَّ دينَ الأمة وقِيَمها وأخلاقها وانتظامَ مجتمعها وأمنها في فكرِها وأخلاقها والتزامها أمرٌ ضروريّ بالنسبة إليه، فلا يسترخِص تلك في سبيل المطامِعِ المادّية والأغراض الشخصية.

المؤمن القويّ لا تخدَعه أطماعُ الدنيا أن يضحِّيَ بمصالح أمّتِه لأجل مالٍ يأخذه وحُطام ينالُه في الدنيا، بل كلُّ هذه الأمور لا تروجُ عليه ولا تخدَعه، فقوّة إيمانه تحمله على الخير والهُدى.

أيّها المسلم، قوّةُ إيمان المرءِ تجعله لا يؤوِي محدِثًا، ولا يعين محدِثًا، ولا يتستّر على محدِث، يتمثَّل قولَ النبي: (( لعن الله من آوى محدثًا ) ) [2] .

وإيواءُ المحدِث يكون في صورٍ عديدة، فمن إيواءِ المحدث أن تتستَّرَ عليه، وأن يعيشَ في ظلّك وأنت تعلَم حدَثَه وخبثه وشرَّه وبَلاه وعداءَه لدينك ومجتمعِك المسلم، فالمؤمن حقًّا لا يؤوي أولئك المحدثين، لا يتستّر عليهم، ولا يكون ظِلاًّ دونهم، بل هو عدوٌّ لكلِّ المفسدين مهما تكن أحوالهم ومطامِعُهم.

إيواء المحدِث يكون بالدِّفاع عنهم وتبريرِ مواقفِهم، وذاك أمرٌ لا يليق بقويِّ الإيمان. إيواءُ المحدِث يكون بالرِّضا عنهم وعن أفعالهم، فضلًا من أن يكونَ مشاركًا لهم في أفعالهم ومُعينًا لهم على باطلِهم وضلالهم.

إنَّ أمنَ الأمة في معتقدِها وأخلاقها وفضائلها واقتصادِها واستقرارها أمر يؤمن بِه المسلِم حقًّا، فلا يسترخِص تلك القِيَم في سبيل مادَّةٍ ينالها.

إنَّ قويَّ الإيمان يحترِم الأنظمة التي جيءَ بها للحِفاظ على كيان الأمّة ولسلامة مبدَئها وللدِّفاع عنها حتى يعيشَ المجتمع أمنًا واستقرارًا وطمأنينة، يعبُدُ المسلم ربَّه مطمئِنَّ القلب قريرَ العين.

إنَّ أولئك الذين استرخَصوا قِيَم الأمة وفضائلَها ولم يبالوا بذلك دليلٌ على ضعف الإيمان في قلوبهم. كم نسمع ممّن يقول ويتحدَّث عن حبِّ الوطن ومصالح الأوطان، وإذا نظرتَ إلى الأفعال والتصرُّفات وجدتَ تلك الأفعال مناقضةً للأقوال.

إنَّ المؤمِنّ القويَّ يهتمّ ببلاد الإسلام أيّما اهتمام، ولا يرضَى لبلاد الإسلام أن يعبَثَ فيها العابثون أو يطمَعَ في خيراتها ودينِها الطّامعون، بل هو ضِدّ من يريدها بشرّ، ومن يكيد لها المكائدَ، هو ضدّ لأولئك؛ لأنّه يؤمن أنّ المؤمنَ حقًّا من يدافع عن دينِ المسلمين، ويحمي عوراتهم، ويدافع عن قِيَمهم وفضائِلِهم، كأولئك الذين استرخَصوا تلك القِيَم ولم يبالوا بمصالح الأمة العليا، وإنّما همُّهم مالٌ ينالونه، ويقولون:"لَسنا مسؤولين عن أيِّ أحدٍ، وتلك مسؤوليّة غيرِنا، وذلك واجبُ غيرنا"، كلُّ هذا من ضَعف الإيمان، فإنَّ كلَّ فردٍ مسلم يغار على دينِه ثمّ يغار على بلادِ الإسلام وأمّة الإسلام وعلى قِيَم الأمّة وفضائلها غيرةً تدعوه إلى المواقِفِ المعتدِلة والآراء السديدة وعدَم الانخداع بأولئك الضالّين.

إنَّ المسلمَ يسعَى في الخير جُهدَه، يدُه ممدودةٌ لكلّ مَن يَدعون على البرّ والتقوى، يمتثل قول الله: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2] ، مَنهجٌ للمسلم في حياته، كلُّ عمل صالحٍ يعود على الأمّة في الحاضر والمستقبل فهو مع مَن يدعو إلى الخيرِ ويعين على الخير، وكلُّ عملٍ عدوان وإِثم ومعصية لله ورسوله وفسادٍ في الأرض فالمسلمُ موقفُه معه موفقُ المضادِّ لذلك الناهي عنه المحذِّر منه؛ لأنّ الله يقول: وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ.

المسلِم لا يعين على العدوانِ، لا يعين على الظّلم، لا يعين المفسدين، لا يؤوي المجرمين، لا يتستَّر على المخطئين، لا يدافع عن المنحرفين، لا يرضى بأفعال الغاوين الضالين، أفعالُهم وتصرّفاتهم يرفضها دينًا يدين الله به، ويرفضها لأنَّ الأمانةَ الإيمانيّة تقتضي منه ذلك. إنَّ الله وصف المؤمنين بأنهم متواصون بالحقّ، وبأنهم متواصون بالصبر عليه، فهم كمَّلوا أنفسَهم بالإيمان والعمل، ثم كمَّلوا غيرهم بدعوتهم إلى الخير: وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [سورة العصر] .

إنَّ تناجي المؤمنين فيما بينَهم تناجٍ في الخير والتَّقوى، لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ [النساء:114] ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [المجادلة:9] .

هذا مَنهجُ المؤمِن في حياته، عندما تكون له مناجاة وعندما يعقِد اللقاءات وعندما يدبِّر الأمورَ يضَع نصبَ عينيه: هل هذه الأمور فيها خيرٌ للإسلام وأهله أم فيها ضَرَر وعداء للإسلام وأهله؟ فهو يتناجى مع من يَتَناجى معه في الخَلوة بالبرِّ والتقوى، بالعمل الصالح، بالمصالح العامّة، لا يتناجَى في الإثمِ والعدوان ومعصيةِ الرسول وإلحاق الضرَر بالأمة في أمنِها واستقرارها، إنّه ضِدّ ذلك، إنّه المسلم الفعّال الذي يقول ويصدُق في دفاعه عن دينه ثمّ عن أمّته ووطَنِه المسلم، فهو لا يرضى بجرمِ المجرمين، ولا بفسادِ المفسدين، ولا بطمع الحاقدين، بل هو ضدّ ذلك.

أيّها المسلم، فاصدق الله في قولك وعملِك، واحذر أن تكون جِسرًا للأعداء وللمغرِضين والمتربِّصين الذين يدمِّرون أخلاقَ الأمّة وعقيدَتها وفكرها الصالح، ويحدثون فيها ما يحدِثون، فكن ضدَّ أولئك بالدعوة إلى اللهِ، وأن لا تكونَ ملجأً لأيّ مجرمٍ ولا لأيّ مفسِد، لا تغرنَّك مطامِع الدنيا، لا تخدعنَّك المادّة الزائلة أن تضَحّي بمصالح أمّتك لأجل غرضٍ ماديٍّ تناله، تخالِف الأنظمةَ الموضوعة وترفُضُها ولا تبالي بها لأجل المطامِعِ المادّية، إذًا أنت شريكٌ في الإثم وشريك في العدوان.

فاتقوا الله معشَرَ المسلمين، وتعاونوا على كلِّ ما فيه خير لكم في دينكم وديناكم، فإنَّ هذه علامة الإيمان الصادِق.

بارَك الله لي ولكم في القرآنِ العَظيم، ونفعَني وإيّاكم بما فيهِ منَ الآياتِ والذّكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستَغفر الله العَظيمَ الجليلَ لي ولَكم ولسائِر المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفِروه وتوبُوا إليه، إنّه هو الغفور الرحيم.

[1] صحيح مسلم: كتاب القدر (2664) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[2] صحيح مسلم: كتاب الأضاحي (1978) عن علي رضي الله عنه.

الحمدُ لله حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه كمَا يحبّ ربّنا ويرضَى، وأشهَد أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهَد أنّ محمّدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبِه، وسلّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

أمّا بعد: فيا أيّها النّاس، اتَّقوا الله تعالى حقَّ التَّقوى.

عبادَ الله، في الصحيحِ عن النّعمان بن بشير رضي الله عنهما أنَّ النبي قال: (( مثل الواقِع في حدودِ الله والقائم عليها كمَثَلِ قومٍ استَهَموا سفينة، فكان بعضُهم أعلاها وبعضهم أسفلَها، فكان الذين في أسفلِها إذا استَقَوا أتَوا إلى من فوقهم فقالوا: لو خرقنا في نصيبِنا خرقًا ولا نؤذي من فوقنا ) )قال النبي: (( فإن أخَذوا على أيديهم نجوا ونجَوا جميعًا، وإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا ) ) [1] .

إنّه مثَل عظيمٌ فيمن يلتزم الواجب، وفيمن يدافع عن المصالح العامّة، وفيمن لا يرضَى إلاّ بمصلحته الخاصة، هؤلاء في السفينة طابقان: الطابق الأعلى والأسفل، والماء لدَى من فوق، ومَن في الأسفلِ يَصعدون إلى مَن فوق ويأخذون حاجَتَهم وكفايتهم مما وُفِّر لهم، أرادوا أن يخرِقوا في السفينةِ خرقًا ليأتيَهم الماء عن قرب، لكن هذا الخَرقُ ما هي نتائجه؟ نتائجُه غَرَق السفينة كلِّها، غرق مَن في الدّور الأدنى ومَن في الدور الأعلى، فالنبيّ يقول: إن أخذَ من فوق على أيدِي أولئك سلِمَ الجميع، وإن تركوهم هلكَ الجميع.

وهكذا المؤمن لا يرضَى بالشرِّ والبلاء لأهل الإسلام، يأخذ على أيدي السفاء، ويردع المجرمين، ولا يتستَّر عليهم، ولا يحفظهم، ولا يدافع عنهم، بل يرى وجودَهم خَطرًا، ويرى نشاطَهم شرًّا، فهو لا يعطِي الدنيّة في دينه، هو يحفظ أعراضَ المسلمين ودينَهم وعقيدتهم، ويدافع عنها، ويقف مع من يحمي أمنَ الأمة وسلامتها والدفاع عنها، ويرى ذلك واجبًا إسلاميًّا عليه.

فالذين يَرونَ المجرمين ويقولون:"لسنا مسؤولين عنهم، لهم جهات معيّنة، كلٌّ منّا مسؤول عن ذاته الشخصيّة فقط"، هكذا كلّه من تلاعب الشيطان، فإنَّ المجتمعَ المسلم مطالَب كلِّ فردٍ منه أن يكونَ عينًا ساهرةً على عقيدةِ الأمّة وقِيَمها وأخلاقها؛ لأنَّ هذا من التعاون على البرِّ والتقوى.

نسأل الله أن يحفظَنا وإياكم بالإسلام، وأن يجعلنا وإيّاكم من المتعاونين على البرّ والتقوى، وأن لا يجعلنا أعوانًا على الإثم والعدوان، إنه على كل شيء قدير.

واعلَموا ـ رحمكم الله ـ أنّ أحسنَ الحديثِ كتاب الله، وخير الهديِ هدي محمد ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعةٍ ضلالة، وعليكم بجماعةِ المسلمين، فإنّ يدَ الله على الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النّار.

وصَلّوا ـ رحمكم الله ـ على عبد الله ورسوله محمّد كما أمَركم بذلك ربّكم، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .

اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدِك ورسولِك محمّد، وارضَ اللهمّ عن خلَفائه الراشدين...

[1] صحيح البخاري: كتاب الشركة (2493) نحوه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت