فهرس الكتاب

الصفحة 4045 من 5777

جريمة الزنا ومقدمات الفاحشة

الرقاق والأخلاق والآداب

الكبائر والمعاصي

داود بن أحمد العلواني

جدة

الأمير منصور

1-الزنا سبب انتشار الأمراض والأوبئة. 2- أخطار جريمة الزنا. 3- حد الزنا. 4- وسائل حماية ووقاية المجتمع من الفساد. 5- تحريم القذف وحد القاذف.

الحمد لله المتفرد بكمال الذات والصفات، خلق الخلق وأرشدهم إلى طريق النجاة، وحذرهم من الزيغ والفساد، فحرم الزنا لصيانة الذريات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه الطاهرات.

أما بعد: فيا عباد الله، لقد امتن الله علينا بالهداية، فرضي لنا دين الإسلام، وأمرنا بالرجوع إلى دينه الحنيف الذي لم يترك خيرًا إلا ودلنا عليه، ولا شرًا إلا وحذرنا منه، وكان من جملة الشرور الفتاكة التي حذرنا منها جريمة الفاحشة النكراء، ألا وهي الزنا، فجريمة الزنا تهدد المجتمعات بالفناء والانقراض، فضلًا عن كونه من الرذائل المحقرة والكبائر الموبقة، فقال الله تعالى: وَلاَ تَقْرَبُواْ ?لزّنَى? إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلًا [الإسراء:32] .

والزنا ـ أيها الإخوة ـ سبب مباشر في انتشار الأمراض الخطيرة التي تفتك بالأبدان، وتنتقل بالوراثة من الآباء إلى الأبناء؛ كالزهري والسيلان والقرحة، كما أنه أحد أسباب جريمة القتل إذا إن الغيرة طبيعية في الإنسان، وقلّ ما يرضى رجل كريم أو امرأة عفيفة بالزنا، مما يسوق الإنسان ليغسل العار الذي يلحقه ويلحق أهله بالدم، فيقع القتل كما هو الحال نتيجة مغبة الزنا.

ومن أخطار جريمة الزنا أنه يفسد نظام البيت، ويقطع العلاقة الزوجية، ويعرض الأولاد الأبرياء للتشرد والانحراف والجريمة، ويشتت الأسر، ويهلك الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد.

ومن أجل هذه الآثار السيئة المدمرة فإن الإسلام قد شدد في عقوبة الزناة ليحافظ على صيانة الأعراض وحماية الأسر من التلوث، فجعل عقوبة الزاني البكر مائة جلدة ورجم الثيب حتى الموت، فقال الله تعالى: ?لزَّانِيَةُ وَ?لزَّانِى فَ?جْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ ?للَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِ?للَّهِ وَ?لْيَوْمِ ?لاْخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مّنَ ?لْمُؤْمِنِينَ [النور:2] .

وفي الحديث الصحيح عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت عمر وهو على منبر رسول الله يخطب ويقول: إن الله بعث محمدًا بالحق، وأنزل عليه الكتاب، وكان مما أنزل عليه آية الرجم [1] ، فقرأناها ووعيناها، ورجم رسول الله ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمن أن يقول قائل: ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله في كتابه، فإن الرجم في كتاب الله حق على من زنا إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان حمل أو الاعتراف. وايم الله، لولا أن يقول الناس زاد في كتاب الله لكتبتها) [2] . اللهم هيّئ من يقيم الحدود يا ذا الجلال والإكرام.

عباد الله، اتقوا الله، واعلموا أن الإسلام قد اتخذ قبل هذه العقوبة الرادعة كل الوسائل للوقاية من اقتراف هذه الجريمة الاجتماعية، فعمل على تجنيب النفوس أسباب الإغراء والغواية وإثارة الشهوة التي كثيرًا ما تثيرها وسائل الإعلام وأفلام الفيديو والتلفاز والصحف الماجنة والمجلات الفاتنة الخليعة، وشرع آداب البيوت والاستئذان على أهلها حرصًا منه على عدم انكشاف العورات، وكذلك حرم الخلوة بالمرأة الأجنبية تجافيًا عن الإثم وتفاديًا للخطر، فحذر من الدخول على النساء فقال رسول الله: (( إياكم والدخول على النساء ) )، فقال رجل من الأنصار: أفرأيت الحمو؟ قال: (( الحمو الموت ) ).

وأمر بغض البصر ليقلل من فرص الاستثارة وإغلاقًا للنافذة الأولى من نوافذ الفتنة والغواية وللحيلولة دون وصول السهم المسموم، فقال الله تعالى: قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَـ?رِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذ?لِكَ أَزْكَى? لَهُمْ إِنَّ ?للَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُل لّلْمُؤْمِنَـ?تِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَـ?رِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ [النور:30، 31] .

وقبل كل هذا فإن الإسلام قد رغب في الزواج المبكر، وحبّب وأرشد إليه، ويسّر مؤونته، وأمر بمعاونة الفقراء عليه، كما قال الله تعالى: وَأَنْكِحُواْ ?لأيَـ?مَى? مِنْكُمْ وَ?لصَّـ?لِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَاء يُغْنِهِمُ ?للَّهُ مِن فَضْلِهِ وَ?للَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [النور:32] ، بل ذهب الإسلام إلى أكثر من هذا، فأباح تعدد الزوجات ليكون في الحلال مندوحة عن الحرام، ولكي لا يبقى عذر لمقترف هذه الجريمة، فيختلق الأعذار المكذوبة ويسلك الطرق الملتوية.

عباد الله، لقد سمعتم بعض ما ورد بتحريم الزنا وخطره العظيم الذي يهدد الحرث والنسل، فالله الله يا عباد الله، فحافظوا على سلامة دينكم وأنفسكم وعلى زوجاتكم وأولادكم وبناتكم وأخواتكم من التردي في هذه الشهوة البهيمية، فتجنبوا الاختلاط والرقص والصور المثيرة والغناء والموسيقى والنظر المريب وكل ما من شأنه أن يثير الغريزة أو يدعو إلى الفحش، حتى لا تتعدى عوامل الضعف إلى البيت والانحلال في الأسرة.

فالله الله أيها الناس، فكل منا على ثغر من ثغور الإسلام، فإياكم أن يؤتى الإسلام من قبلكم، أو تكون المفسدة من جهتكم، فالله الله ـ عباد الله ـ أن تهان محارم الله وتضاع حدود الله، واذكروا دومًا أن الله سبحانه وتعالى قد قرن الزنا بالشرك والقتل، فقال جل شأنه في صفة عباده المتقين: وَ?لَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ?للَّهِ إِلَـ?هَا ءاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ?لنَّفْسَ ?لَّتِى حَرَّمَ ?للَّهُ إِلاَّ بِ?لْحَقّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذ?لِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَـ?عَفْ لَهُ ?لْعَذَابُ يَوْمَ ?لْقِيـ?مَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَـ?لِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدّلُ ?للَّهُ سَيّئَاتِهِمْ حَسَنَـ?تٍ وَكَانَ ?للَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا [الفرقان:68-70] ، وقال النبي: (( ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل متكبر ) ) [3] ، فما أبشع الزنا، وما أقبحه من جريمة.

جعلني الله وإياكم ممن إذا ذكِّر بالله تذكر، وإذا زجر عن الشرّ انزجر، وإذا رغب في الخير أسرع إليه ولم يتأخر.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ?لزَّانِى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَ?لزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرّمَ ذ?لِكَ عَلَى ?لْمُؤْمِنِينَ [النور:3] .

[1] قال النووي في شرح مسلم:"أراد بآية الرجم: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة) ، وهذا مما نسخ لفظه وبقي حكمه".

[2] أخرجه البخاري في الحدود، باب: رجم الحبلى في الزنا، وباب: الاعتراف بالزنا (8/25) ، ومسلم في الحدود، باب: رجم الثيب في الزنا (1691) ، وتمام اللفظ لأبي داود في الحدود، باب: في الرجم (4418) .

[3] رواه مسلم في الإيمان، باب: بيان غلظ تحريم الإسبال الإزار والمن بالعطية وتنفيق السلع بالحلف (107) .

الحمد لله الهادي إلى الصراط المستقيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم والنهج القويم، اللهم صلّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فيا عباد الله، إن الإسلام يستهدف حماية أعراض الناس والمحافظة على سمعتهم وصيانة كرامتهم، فلهذا فهو يقطع ألسنة السوء، ويسدّ الباب على الذين يلتمسون للأبرياء العيوب ويقذفونهم بها، فمنع ضعاف النفوس من أن يجرحوا مشاعر الناس ويَلغوا في أعراضهم، وحظر أشدّ الحظر من إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، حتى تتطهر الحياة من سريان هذا الشر فيها، وشدد النكير والوعيد والتهديد والزجر في ذلك.

فكما أن ديننا الحنيف قد حرم الزنا وشدد في عقوبته التي منها الرجم وهو القتل رميًا بالحجارة حتى الموت فهو كذلك ومن أجل نفس الغرض وهو حماية الأعراض قد حرم القذف تحريمًا قاطعًا، وجعله كبيرة من كبائر الإثم والفواحش، وأوجب على القاذف ثمانين جلدة، رجلًا كان أو امرأة، كما منع من قبول شهادته، وحكم عليه بالفسق واللعن والطرد من رحمة الله واستحقاق العذاب الأليم في الدنيا والآخرة، فقال تعالى: وَ?لَّذِينَ يَرْمُونَ ?لْمُحْصَنَـ?تِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَ?جْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ ?لْفَـ?سِقُونَ إِلاَّ ?لَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذ?لِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ ?للَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [النور:4، 5] ، وقال: وَ?لَّذِينَ يَرْمُونَ ?لْمُحْصَنَـ?تِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَ?جْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ ?لْفَـ?سِقُونَ إِلاَّ ?لَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذ?لِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ ?للَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [النحل:19] ، وقال النبي: (( اجتنبوا السبع الموبقات ) )، قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: (( الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات ) ) [1] .

فليتق الله امرؤ ـ خالط الإيمان بشاشة قلبه ـ في نفسه وفي أعراض الآخرين، وليتجنب الاختلاط المحرم، وليبعد عن المنكرات، وليترفع عن مواطن العطب والشك والريبة والفساد، وليحفظ نفسه وأهله، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، وكما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول ) ).

فما أعظمه من ضياع للأخلاق والأعراض والدين، يتمادى الأمر ببعض الناس ويترك الزوجة أو البنت تذهب مع السائق، وما أكثر السوقَة والذين دخلوا علينا من كل حدب وصوب، ويذهبن إلى الأسواق دون محرم ولا حاجة ملحّة، يغشين المعارض ويذرعن الأسواق بدعوى باطلة وحجة واهية؛ أنّ لهن خصوصيات لا يقوم بها ولا تنطق بطلب شرائها حتى لزوجها، وهذا من منتهى الكذب والتحايل وسلوك الطرق الملتوية.

فلنتق الله تعالى في نسائنا، فلنتق الله تعالى في فتياتنا، فلنتق الله تعالى في أمهات الأولاد ومربيات الأجيال، إن الأمر في غاية الخطورة، خطورة وشيكة التحول، وما أسرع أمر الله جل وعلا، فالله تعالى يغار على محارمه، ولا أغير من الله، فله الأمر كله، وإليه يرجع الأمر كله، فالله الله بالبعد عن محارم الله عز وجل، فلا يراك الله حيث نهاك، ولا يفقدك حيث أمرك، فإنه تبارك وتعالى يرانا حيث كنا وأينما نكون، وهو جل وعلا يعلم السر وأخفى، وبه المستعان، حسبنا الله ونعم الوكيل.

[1] رواه البخاري في الحدود، باب: رمي المحصنات (8/32) ، ومسلم في الإيمان، باب: بيان الكبائر وأكبرها (89) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت