العلم والدعوة والجهاد
المسلمون في العالم
زياد بن محمد الصغير
فروتسوان
مسجد فروتسوان
1-تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام. 2- إرجاف اليهود والسفهاء عند تحويل القبلة وإلقائهم الشكوك. 3- المسجد الأقصى يقع في أيدي الصليبيين فيطهره صلاح الدين. 4- ضعف المسلمين وبعدهم عن دينهم أفقدهم الأقصى من جديد. 5- اليهود يرسمون لبناء الهيكل مكان الأقصى.
لقد كانت القبلة الأولى للمسلمين هي المسجد الأقصى ببيت المقدس، وعندما كان الرسول في مكة قبل أن يهاجر كان يصلي إلى بيت المقدس، والكعبة بين يديه.
ولكن عندما هاجر إلى المدينة لم يكن بُدٌّ من التوجه إلى بيت المقدس، وجعل الكعبة خلف ظهره.
روى البخاري في صحيحه عن البراء رضي الله عنه (( أن رسول الله صلى إلى بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قِبَلَ البيت، وأنه صلى أو صلاها صلاة العصر، وصلى معه قوم فخرج رجل ممن كان صلى معه فمر على أهل المسجد وهم راكعون، قال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي قبل مكة، فداروا كما هم قبل البيت ) ) [1] .
ونزلت الآيات التي تأمر المسلمين بالتحول إلى مكة. قَدْ نَرَى? تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ?لسَّمَاء فَلَنُوَلّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ ?لْمَسْجِدِ ?لْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة:144] .
لقد كان تحويل القبلة أولًا عن الكعبة إلى المسجد الأقصى لحكمة تربوية.
وَمَا جَعَلْنَا ?لْقِبْلَةَ ?لَّتِى كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ?لرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى? عَقِبَيْهِ [البقرة:143] .
فقد كان العرب يعظمون البيت الحرام في جاهليتهم، ويعدونه عنوان مجدهم، ولما كان الإسلام يريد استخلاص القلوب لله، وتخليصها من كل نعرة, فقد نزعهم نزعًا من الاتجاه إلى بيت الله الحرام، واختار لهم الاتجاه إلى المسجد الأقصى لتخليص نفوسهم من رواسب الجاهلية، وليظهر من يتبع الرسول اتباعًا مجردًا من كل إيحاء آخر.
وقد بدأ اليهود يتخذون من هذا الوضع حجة لهم, فقالوا قولهم:"يجحد ديننا ويتبع قبلتنا"، وقولهم:"اشتاق إلى بيت أبيه ودين قومه".
وقول المشركين:"يدعي ملة إبراهيم ويخالف قبلته".
وقولهم:"رجع إلى قبلتكم فيوشك أن يرجع إلى دينكم".
وكان مما انطلق به أبواق أعداء الله قولهم:"إن كان التوجه أولًا إلى المسجد الأقصى باطلًا فقد ضاعت صلاتكم إليه طوال هذه الفترة، وإن كان حقًا فالتوجه الجديد إلى البيت الحرام باطل وضائعة صلاتكم إليه".
فنزلت الآيات: وَمَا كَانَ ?للَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـ?نَكُمْ إِنَّ ?للَّهَ بِ?لنَّاسِ لَرَءوفٌ رَّحِيمٌ [البقرة:143] .
وهكذا فهذه قصة تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، المسجد الأقصى أولى القبلتين، ومسرى رسول الله ، الذي قال عنه الرسول: (( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى ) ) [2] .
وهذه الذكرى تجعلنا نتذكر المؤامرة على هذه الأراضي المقدسة وعلى المسجد الأقصى الأسير.
هذا المسجد الذي حكم عليه بالأسر مرة أخرى على أيدي أعداء الله.
المرة الأولى: كان احتلاله على أيدي الصليبيين الذي انطلقوا بمباركة بابا الفاتيكان من جميع دول أوروبا في أشرس حملة ضد الإسلام والمسلمين.
فاستولى الصليبيون عليه سنة 1099م، وقتلوا في جوار البيت المقدس أكثر من سبعين ألفًا من المسلمين، ثم قيض الله المجاهد صلاح الدين الأيوبي الذي حرره من أيدي الصليبيين في سبعة وعشرين رجب سنة 583هـ، يوم الجمعة أكتوبر 1187م بعد 88 عامًا من الاحتلال، فكان يومًا مشهودًا..
وقد خطب الجمعة الأولى فيه القاضي محيي الدين قاضي حلب، فمما قال فيها:
"أيها الناس أبشروا برضوان الله لما يسره على أيديكم من استرداد هذه الضالة من الأمم الضالة بعد ابتذالها في أيدي الصليبيين قريبًا من مائة عام. واحذروا بعد أن شرفكم الله بهذا الفتح الكبير وخصكم بهذا النصر المبين أن تقترفوا الذنوب والآثام فتكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا، فالجهاد الجهاد أفضل عباداتكم، وأشرف عاداتكم، انصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم".
لقد هنأ القاضي المجاهدين بتحرير القدس، ووضع يده على الداء الذي قد يعيدها إلى الأسر مرة أخرى؛ الذنوب والآثام، فهل عملنا بما نصحنا به قاضي حلب؟
إن الذي حدث هو أن فلسطين عادت إلى الأسر مرة أخرى، وأقام أعداء الإسلام فيها وطنًا لألد أعداء الإسلام، وجاءوا بهم إليه، إنهم اليهود.
لقد أعز الله أجدادنا المسلمين حينما استمسكوا بدينهم، فقد ملكنا القارات الثلاثة وسيطرنا عليها اقتصاديًا وعلميًا وثقافيًا وعسكريًا.
كنا نصدر السكر للعالم، واخترعنا الورق وصورناه للعالم، اخترعنا أصول علم الملاحة عبر البحار وعلمناه للعالم، وقد ألّفنا وأنشأنا العلوم المختلفة التي تأثرت بها الحضارات الأخرى، والتي بنى عليها الغرب نهضته الحديثة، والآن أين نحن؟
نحن منذ القرن الرابع عشر لم نقدم جديدًا ولم نخترع شيئًا، وأصبحنا في ذيل الأمم حينما ضعف استمساكنا بإسلامنا، واستمسك معظم المستمسكين بالشكليات، وتخلينا عن الجوهر والروح.
وصدق: (( توشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ) )، قالوا: أومن قلة نحن يومئذٍ يا رسول الله؟
فقال: (( لا، بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكن غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة منكم من قلوب أعدائكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، حب الدنيا وكراهية الموت ) ) [3] .
لنعد إلى قضية الأقصى الأسير، فقد تصاعدت مؤامرات اليهود لهدمه، حتى إنني سمعت تقريرًا في الفضائيات يقول:
"إن إسرائيل جادة في تهويد القدس وهدم المسجد الأقصى، والأمر لا يستوجب التنديد والشجب فحسب بل يستوجب هبّة شاملة تجعل أمة إسرائيل تفيق من غفوتها، فقد جهزوا رسوم الهيكل المزعوم الذي يريدون هدم الأقصى لبنائه مكانه، جهزوا الرسوم وكذلك الأحجار المقدسة، وتبرع أحد المليارديرات اليهود بالقبة الذهبية التي ستوضع في قدس الأقداس بالهيكل".
وفي هذه الأيام، وجدوا بقرة حمراء في إحدى المزارع وادعوا أن هذا هو علامة تبشر بالبدء فورًا في بناء الهيكل وهدم الأقصى وقيام إسرائيل الكبرى، فما هو دورنا نحن إذن؟
هذا ما سنتعرض له في الخطبة الثانية..
[1] صحيح، صحيح البخاري: كتاب تفسير القرآن - باب قوله تعالى: سيقول السفهاء من الناس... حديث (4486) ، وأخرجه مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب تحويل القبلة.... حديث (525) مختصرًا.
[2] صحيح، أخرجهس البخاري: كتاب الجمعة - باب فضل الصلاة في مسد مكة والمدينة، حديث (1189) ، ومسلم: كتاب الحج - باب لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد.. حديث (1397) واللفظ له.
[3] صحيح، أخرجه أحمد بنحوه (5/278) ، وأبو داود: كتاب الملاحم - باب في تداعي الأمم على الإسلام، حديث (4297) ، والطيالسي في مسنده، رقم (992) ، وذكره الحافظ في الفتح (13/107) ، وصححه الألباني، السلسلة الصحيحة، رقم (958) .
أما بعد, فإن الوضع الحالي والمؤسف للعالم الإسلامي لا ينبغي أن يدعونا إلى اليأس والقنوط، فاليأس والإيمان لا يمكن أن يجتمعا في قلب واحد، يقول الله تعالى:
وَلاَ تَايْئَسُواْ مِن رَّوْحِ ?للَّهِ إِنَّهُ لاَ يَايْئَسُ مِن رَّوْحِ ?للَّهِ إِلاَّ ?لْقَوْمُ ?لْكَـ?فِرُونَ [يوسف:87] .
وإن القرآن ليوضح سنة من سنن الله في الكون لا تتبدل. هذه السنة هي أن القوي لن يستمر على قوته أبد الدهر، والضعيف لن يدوم على ضعفه مدى الحياة، ولكن وَتِلْكَ ?لاْيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ?لنَّاسِ [آل عمران:140] .
ولا نذكر تجبر مخلوق في هذه الأرض مثل تجبر فرعون، ومع ذلك يقول عنه الله تعالى: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِى ?لأرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مّنْهُمْ يُذَبّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْىِ نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ ?لْمُفْسِدِينَ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ?لَّذِينَ ?سْتُضْعِفُواْ فِى ?لأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ ?لْوَارِثِينَ وَنُمَكّنَ لَهُمْ فِى ?لأرْضِ وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَـ?مَـ?نَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَحْذَرونَ [القصص:4-6] .
فقط, علينا أن نلتزم بدين الله، ونؤدي ما فرض الله علينا، وأن نتفانى في خدمة ديننا كل في مجاله.
فنحن جميعًا شركاء في تشكيل رصيد الإيمان والعمل الذي يرزقنا الله تعالى النصر على أساسه، عندئذٍ يتحقق فينا قول الله تعالى: إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَ?لَّذِينَ ءامَنُواْ فِى ?لْحَيَو?ةِ ?لدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ?لاْشْهَـ?دُ [غافر:51] . وقوله تعالى: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ ?لْمُؤْمِنينَ [الروم:47] .
ومن ينصره رب العباد لا يهزمه أحد من الناس.