فهرس الكتاب

الصفحة 4647 من 5777

ويتفكرون في خلق السموات والأرض

التوحيد, الرقاق والأخلاق والآداب, موضوعات عامة

أعمال القلوب, الربوبية, مخلوقات الله

علي بن عبد الرحمن الهوني

غير محددة

غير محدد

1-خشوع النبي وتعبده لله تعالى. 2- التفكر في خلق الله تعالى. 3- صفات أولي الألباب. 4- فضل التفكر وأقوال السلف في ذلك. 5- ذم أهل الغفلة.

عن عطاء قال: دخلت أنا وعبد الله بن عمر وعبيد بن عمير على أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها وهي في خدرها، فسلّمنا عليها فقالت: من هؤلاء؟ قال: فقلنا: هذا عبد الله بن عمر وعبيد بن عمير، قالت: يا عبيد بن عمير، ما يمنعك من زيارتنا؟ قال: ما قال الأول: زر غبًّا تزدَد حبًّا، ثم قالت: إنا لنحبّ زيارتك وغشيانك، قال عبد الله بن عمر: دعينا من بطالَتكما هذه، أخبرينا بأعجب ما رأيت من رسول الله ، قال: فبكت ثم قالت: كل أمره كان عجبا، أتاني في ليلتي حتى دخل معي في فراشي، حتى لصق جلده بجلدي، ثم قال: (( يا عائشة، ائذَني لي أتعبَّد لربي ) )، قالت: إني لأحبّ قربَك وأحبّ هواك، قالت: فقام إلى قِربة في البيت فما أكثر صبَّ الماء، ثم قام فقرأ القرآن، ثم بكى حتى رأيت أنّ دموعه قد بلغت حقوَيه، قالت: ثم جلس فحمد الله وأثنى عليه، ثم بكى حتى رأيت دموعَه قد بلغت حجره، قالت: ثم اتَّكأ على جنبه الأيمن ووضع يدَه تحت خده، قالت: ثم بكى حتى رأيت دموعه قد بلغت الأرض، فدخل عليه بلال الفجر ثم قال: الصلاة يا رسول الله، فلما رآه بلال يبكي قال: يا رسول الله، تبكي وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر! فقال: (( يا بلال، أفلا أكون عبدا شكورا؟! وما لي لا أبكي وقد نزل عليّ الليلة: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الألْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران:190-191] ؟! ) )ثم قال: (( ويل لمن قرأ هذه الآيات ثم لم يتفكر فيها ) )رواه ابن حبان في صحيحه.

عباد الله، على المسلم الكيّس الفطن أن يدرك معنى خلق الله الأشياء وابتداعه وإيجاده إياها بعد أن لم تكن شيئا، فيعلم معتقدًا فيما لا مجال للشكّ فيه أن الله هو مالك الملك ومدبر الكون وخالقه، وأنه لا يصنع ذلك إلا من ليس كمثله شيء، وأن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، وأن فيها دقّة وإتقانا وحكمة وتقديرا، قال تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:49] ، وقال تعالى: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا [الفرقان:2] ، وأن الله على كل شيء قدير، وبيده الإغناء والإفقار والإعزاز والإذلال والإحياء والإماتة والشقاء والسعادة.

فقال تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ، خلق السماوات وكواكبها السيارة والثوابت ودوران فلكها وما فيها من نجوم مصابيح وشمس وقمر وما يحدث فيهما من تعاقب وكسف وخسف، وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ [الذاريات:47] ، وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا [البقرة:164] ، وخلق الأرض، وهذا يشمل كل ما في الأرض، تحتها أو فوقها من اتّساع رقعتها وارتفاع جِبالها وأنها رواسي، وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [النحل:15] ، ومسالكها وأوديتها وأنهارها وبحارها، وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ ، في تسخير البحر بحمل السفن من جانب إلى جانب لمعايش الناس والانتفاع بها، وقفارها ووهادها وعمرانها وما فيها من المنافع، كما قال تعالى: وَآيَةٌ لَهُمْ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ [يس:33] ، وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ أي: على اختلاف أشكالها وألوانها ومنافعها وصغرها وكبرها، وهو يعلم ذلك كله ويرزقه، لا يخفى عليه شيء من ذلك، كما قال تعالى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6] .

وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ أي: فتارة تأتي بالرحمة، وتارة تأتي بالعذاب، وتارة تأتي مبشرة بين يدي السحاب، وتارة تسوقه، وتارة تجمعه، وتارة تفرّقه، وتارة تصرفه، ثم تارة تأتي من الجنوب، وتارة شرقية، وتارة غريبة.

وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، هذا يجيء ثم يذهب ويخلفه الآخر، ويعقبه لا يتأخّر عنه لحظة، كما قال تعالى: لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس:40] ، وتارة المطلوب هذا، ويقصر هذا، وتارة يأخذ هذا من هذا، ثم يتعاوضان، كما قال تعالى: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ [الحديد:6] أي: يزيد من هذا في هذا، ومن هذا في هذا.

لآيَاتٍ لأُوْلِي الألْبَابِ أي: في هذه الأشياء دلالات بينة لأصحاب العقول المستنيرة والمتبصرة على وحدانية الله تعالى، فبهذا يعلمون أنه إله واحد، وأنه إله كلّ شيء وخالق كل شيء، وليس كمثله شيء وهو السميع البصير.

ثم وصف تعالى أولي الألباب فقال: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ ، وهذه إشارة إلى أن كلّ ذي عقل متفكر متبصّر ذاكر لله، كما ثبت في صحيح البخاري عن عمران بن حصين أنّ رسول الله قال: (( صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب ) )، أي: لا يقطعون ذكره في جميع أحوالهم بسرائرهم وضمائرهم وألسنتهم.

وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أي: يفهمون ما فيهما من الحِكَم الدالة على عظمة الخالق وقدرته وحكمته واختياره ورحمته.

قال الشيخ أبو سليمان الداراني:"إني لأخرج من منزلي فما يقع بصري على شيء إلا رأيت لله علي فيه نعمة ولي فيه عبرة"رواه ابن أبي الدنيا في كتاب التوكل والاعتبار. وعن الحسن البصري أنه قال:"تفكر ساعة خير من قيام ليلة"، وقال:"الفكرة مرآة تريك حسناتك وسيئاتك"، وقال سفيان بن عيينة:"الفكر نور يدخل قلبك"، وربما تمثل بهذا البيت:

إذا الْمرء كانت له فكرة ففي كل شيء له عبرة

وعن عيسى عليه السلام أنه قال: (طوبى لمن كان قيله تذكّرا وصمته تفكّرا ونظره عبرًا) ، وقال لقمان الحكيم: (إن طول الوحدة ألهم للفكرة، وطول الفكرة دليل على طرق باب الجنة) ، وقال وهب بن منبه:"ما طالت فكرة امرئ قط إلا فهم، ولا فهم امرؤ قط إلا علم، ولا علم امرؤ قط إلا عمل"، وقال عمر بن عبد العزيز:"الكلام بذكر الله عز وجل حسن، والفكرة في نعم الله أفضل العبادة"، وقال مغيث الأسود:"زوروا القبور كل يوم تفكّركم، وشاهدوا الموقف بقلوبكم، وانظروا إلى المنصرف بالفريقين إلى الجنة أو النار، وأشعروا قلوبكم وأبدانكم ذكر النار ومقامعها وأطباقها"، وكان يبكي حتى يقع صريعا من بين أصحابه. وعن ابن عمر أنه كان إذا أراد أن يتعاهد قلبه يأتي الخربة فيقف على بابها فينادي بصوت حزين فيقول: (أين أهلك؟!) ثم يرجع إلى نفسه فيقول: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ، وعن ابن عباس أنه قال: (ركعتان مقتَصِدتان في تفكّر خير من قيام ليلة والقلب ساه) ، وقال الحسن البصري:"يا ابن آدم، كل في ثلث بطنك، واشرب في ثلثه، ودع ثلثه الآخر تتنفس للفكرة"، وقال بعض الحكماء:"من نظر إلى الدنيا بغير العبرة انطمس من بصر قلبه بقدر تلك الغفلة"، وقال بشر بن الحارث الحافي:"لو تفكر الناس في عظمة الله تعالى لما عصوه"، وقال الحسن عن عامر بن عبد قيس قال: كان أصحاب النبي يقولون: (إن ضياء الإيمان أو نور الإيمان التفكر) ، وعن عيسى عليه السلام أنه قال: (يا ابن آدم الضعيف، اتق الله حيث ما كنت، وكن في الدنيا ضيفا، واتخذ المساجد بيتا، وعلّم عينيك البكاء وجسدك الصبر وقلبك الفكر، ولا تهتم برزق غدٍ"، وعن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه بكى يوما بين أصحابه، فسئل عن ذلك فقال:"فكرت في الدنيا ولذاتها وشهواتها فاعتبرت منها بها؛ ما تكاد شهواتها تنقضي حتى تكدرها مرارتها، ولئن لم يكن فيها عبرة لمن اعتبر إنَّ فيها مواعظَ لمن ادّكر"."

نزهة الْمؤمن الفكر لذة الْمؤمن العبَر

نحمد الله وحده نَحن كل على خطر

رُبَّ لاه وعمره قد تقَضَّى وما شعر

ربَّ عيش قد كان فوق المنى مورق الزهر

فِي خرير من العيون وظلّ من الشجر

وسرور من النبات وطيب من الثمر

غيَّرته وأهله سرعة الدهر بالغيَر

نَحمد الله وحده إن فِي ذا لَمعتبر

إن في ذا لعبرة للبيب إن اعتبَر

نسأل الله أن يبصرنا بديننا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم...

أما بعد: فيا عباد الله، لقد ذم الله تعالى من لا يعتبر بمخلوقاته الدالة على ذاته وصفاته وشرعه وقدره وآياته فقال: وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ [يوسف:105-106] ، وقال رسول الله في الحديث: (( ويل لمن قرأ هذه الآيات ثم لم يتفكر فيها ) ). قيل للأوزاعي: ما غاية التفكر فيهن؟ وما أدنى ما يتعلق به المتعلق من الفكر فيهن؟ وما ينجيه من هذا الويل؟ فأطرق هنيهة ثم قال:"يقرؤهن وهو يعقلهن".

ومدح الله عباده المؤمنين الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض قائلين: رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا، أي: ما خلقت هذا الخلق عبثا، بل بالحق لتجزى الذين أساؤوا بما عملوا وتجزي الذين أحسنوا بالحسنى، أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون:115-116] ، ثم نزّهوه عن العبث وخلق الباطل فقالوا: سُبْحَانَكَ، أي: عن أن تخلق شيئا باطلا، سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، أي: يا من خلق الخلق بالحق والعدل، يا من هو منزه عن النقائض والعيب والعبث، قِنا من عذاب النار بحولك وقوتك، وقيّضنا لأعمال ترضى بها عنا، ووفقنا لعمل صالح تهدينا به إلى جنات النعيم وتجيرنا به من عذابك الأليم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت