الرقاق والأخلاق والآداب
آثار الذنوب والمعاصي, فضائل الأعمال
فريح بن محمد الفريح
الذيبية
جامع بلدة السمار
1-فضل التواصي بالحق. 2- فضل الأعمال الصالحة والتحذير من إضاعتها. 3- خطر التدنس بالمعاصي. 4- معوقات العمل الصالح. 5- مفاسد التسويف.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، واغتنموا أوقاتكم بالعمل الصالح المقرب إلى الله سبحانه، فإن لكم آجالًا ستلقونها، وإن لكم يومًا ستبعثون فيه فتجزون على أعمالكم، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه.
عباد الله، ما تواصى العباد بمثل طاعة الله، ولا أسدى أحدٌ لأحدٍ معروفًا خيرًا من نصيحة يوجهه فيها إلى الله، ويخوفه فيها من اليوم الآخر، وإن زمانكم هذا زمان فتنة وابتلاء، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا؛ يبيع دينه بعرض من الدنيا، يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير. وإن الله سبحانه أكرم وأجل من أن يتخلى عن عبده المقبل عليه المداوم على طاعته؛ إذ كيف يكون ذلك وهو القائل كما في الحديث القدسي: (( من أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا، ومن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا ) ).
أيها المسلمون، إن لعمل اليوم والليلة من الصلوات المكتوبة والسنن الرواتب وقيام الليل وصلاة الضحى وأذكار الصباح والمساء وأذكار ما بعد الصلاة والاستغفار وقراءة القرآن والذكر والدعاء، إن لهذه الأعمال أثرًا ظاهرًا في إصلاح القلب والبدن وفي الحياة الطيبة التي تحفظ الإنسان في نفسه وماله وأهله. وإن في إضاعتها والتهاون بها لإضاعةً لخير عظيم، وحرمانًا لعون الله وتوفيقه لعبده، واضطرابًا وقلقًا نفسيًا، وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا ، وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"إن للقلب شعثًا لا يلمه إلا الإقبال على الله".
عباد الله، إن التدنس بالمعاصي وعدم الاحتراس منها والتهاون بصغائر الذنوب سبب عظيم لحرمان العمل الصالح والتفريط فيه، وقد وعى السلف مثل هذا السبب وأثره، وتنبهوا إليه كثيرًا، يقول الضحاك:"ما نعلم أحدًا حفظ القرآن ثم نسيه إلا بذنب"، ثم قرأ: وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ، ثم يقول الضحاك:"وأي مصيبة أعظم من نسيان القرآن؟!". وقال رجل للحسن البصري: يا أبا سعيد، إني أبيت معافى، وأحب قيام الليل، وأعد طهوري، فما بالي لا أقوم؟! فقال: ذنوبك قيدتك، وقال سفيان الثوري: حرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته، قيل: وما ذاك الذنب؟ قال: رأيت رجلًا يبكي فقلت في نفسي: هذا مراء.
قال ابن القيم رحمه الله:"ومن آثار المعاصي حرمان الطاعة، فلو لم يكن للذنب عقوبة إلا أن تصد عن طاعة تكون بدله وتقطع طريق طاعة أخرى فينقطع عليه بالذنب طريق ثالثة ثم رابعة وهلم جرًا، فينقطع عليه بالذنب طاعات كثيرة، كل واحدة منها خير له من الدنيا وما عليها، وهذا كرجل أكل أكلة أوجبت له مرضة طويلة منعته من عدة أكلات أطيب منها، والله المستعان".
ومما يقطع من العمل الصالح التوسع في المباحات والإكثار من الأكل والشرب واللباس والإسراف في ذلك، ولقد كان بعض العارفين يقف على المائدة ويقول: معاشر المؤيدين، لا تأكلوا كثيرًا، فتشربوا كثيرًا، فترقدوا كثيرًا، فتتحسروا عند الموت كثيرًا. والنبي يقول: (( ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطن، حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث طعام وثلث شراب وثلث لنفسه ) )، وأبلغ من ذلك وأعظم قوله تعالى: وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ.
عباد الله، إن التسويف والتأخير في الأعمال الصالحة سبب قاطع لكثير من الخير، جالب لكثير من الشر، مانع لكثير من الأجر، فالصغير يدع العمل حتى يكبر، والشاب حتى يشيب، والكهل حتى يهرم، وما يدري كل واحد منهم لعل الموت أن يأتيه فجأة فيقطع عليه حياته، فيندم حين لا ينفع الندم، أوَما علم هؤلاء أن من يأخذه الموت من الشباب أكثر مما يأخذه من الشيوخ؟! أوَما سمع الشاب أن الله يعجب من شاب ليست له صبوة، وأن الله يظل في ظله يوم القيامة سبعة منهم شاب نشأ في طاعة الله؟! أليس هناك حافز لك على العمل في قوله: (( بادروا بالأعمال سبعًا: هل تنتظرون إلا فقرًا منسيًا، أو غنى مطغيًا، أو مرضًا مفسدًا، أو هرمًا مفندًا، أو موتًا مجهزًا، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر ) )؟!
أيها المسلمون، إن العمل الصالح فيه إصلاح النفس والبدن، وهو سبب لصلاح الذرية التي ترى وليها محافظًا على أوامر الله ورسوله فتقتدي به، ولعل هذا هو أحد الأسباب التي فضل بها رسول الله صلاة النوافل في البيت حين قال: (( خير صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة ) )ليراه أولاده فيقتدون به، فتصلح حالهم وهم صغار قبل أن يبلغوا الحِنْث. وإن من الإفساد لهم إظهار المعاصي أمامهم، فيألفونها فتشربها قلوبهم فلا ينكرونها، فيكون إثمها عليهم وعلى من جرأهم عليها، والله المستعان.
الحمد لله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له السميع العليم، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله بالمؤمنين رؤوف رحيم، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، عليهم من ربهم الرحمة والتسليم.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله حق التقوى، وتمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، واعلموا أن أنفسكم على النار لا تقوى.
عباد الله، إن لترك الأعمال اليومية أو بعضها آثارا على الإنسان قد تصل به إلى درجة الهلاك أو الضعف، فيكون نهبة لشياطين الإنس والجن، يهيمون به في كل واد، ويقطعون عليه كل طريق للخير والصلاح، وإنهم لن يألوكم جهدًا في الإضلال، فاقطعوا عليهم طرقهم وأفسدوا عليهم خططهم بطاعة الله ورسوله والالتزام بالأعمال اليومية من الصلوات والدعاء والأذكار، واعلموا أن الله معكم في ذلك، إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ.
وعليكم بوصية النبي لابن عمه عبد الله بن عباس: (( يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف ) ).