الأسرة والمجتمع
الوالدان
محمد بن حمد الخميس
الدمام
جامع الهدى
1-فضل منزلة الأم. 2- رسالة من أم تشكو هجر ولدها لها. 3- نماذج رائعة لسلف الأمة في برهم لأمهاتهم. 4- كيف يبرُ الرجل أمه؟
فعلى البسيطة من هذا الكون مخلوقةٌ ضعيفةٌ في خِلقتها، قويةٌ في تحمّلها، رقيقة في مشاعرها، مرهفة في حسّها، تتملك الرحمةُ والعطفُ كلَّ تصرفاتها، هي جنديّة حيث لا جندَ ولا قتال، حارسةٌ ساهرةٌ حيث لا ثغورَ، خادمة حيث لا خدم، ساهرة تراقب بلا أجر، مخلِصة في عملها ولا يخلص في البشر مثلُها أحد.
حديثنا اليوم عن هذه البطلَة الصامدة المخلصة المجاهدة، حديثنا اليوم عن نبع الحنان والشفقة ووعاء الرحمة والرأفة، حديثنا اليوم عن أصدق محب وأوفى صديق وأنصح رفيق، حديثنا عن التي اهتم الشرع الحنيف بها وحثّنا على حسن معاملتها والإخلاص في برها، حديثنا عن الأم.
روى الإمام البخاري أن رجلًا جاء إلى النبي فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ أي: مَن مِن الناس يتأكّد علي حقه في التقدير والتوقير والاحترام؟ مَن مِن الناس يتأكد علي حقه في مراعاة مشاعره وأحاسيسه، مَن مِن الناس يتأكد علي حقه في رعايته وخدمته والاستجابة لطلباته وتنفيذ رغباته؟ مَن مِن الناس يتأكد علي حقه في الشفقة عليه والإحسان له؟ من أحق الناس بحسن صحابتي يا رسول الله؟ قال: (( أمك ) )، قال: ثم من؟ قال: (( أمك ) )، قال: ثم من؟ قال: (( أمك ) )، قال: ثم من؟ قال: (( ثم أبوك ) ).
حُسن الصحبة بالأم لا يقل مع مرور الزمن بل يزداد، الأخلاق مع الأم لا تتغير مع تغير الأحوال، المعاملة مع الأم لا تتبدل مهما طال بها العمر، البر بالأم لا يذبل بعد عجزها وضعفها، بل يزداد نضارة.
روى الإمام البخاري في الأدب المفرد بإسناد صحيح أن رجلًا جاء إلى النبي فقال: يا رسول الله، من أَبرُّ؟ قال: (( أمك ) )، قال: من أبرُّ؟ قال: (( أمك ) )، قال: من أبر؟ قال: (( أمك ) )، قال: من أبر؟ قال: (( أباك ثم الأقرب فالأقرب ) ).
هذه هي وصية الحبيب في الأم، فهي أحق الناس بالصحبة، وأولى الناس بالبر، وأجدر الناس بالشفقة والإحسان.
روى الإمام البخاري في الأدب المفرد بإسناد صحيح أن رجلًا جاء إلى ابن عباس وقال: قتلت نفسًا فهل لي من توبة؟ فقال له ابن عباس: أمّك حية؟ قال: لا، قال: تب إلى الله وتقرّب إليه ما استطعت، قال عطاء: فسألت ابن عباس: لماذا سألته عن حياة أمه؟ قال ابن عباس: إني لا أعلم عملًا أقرب إلى الله من برّ الوالدة.
هكذا علمنا ديننا، وهذه هي وصية ربنا لنا: وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [لقمان:14] .
فهل يجوز للأبناء إذا استوى عودهم واشتدّ ساعدهم أن يقابلوا الإحسان بالإساءة والرحمة بالقسوة والعناية بالإهمال؟! هل يجوز للأبناء أن ينسوا معروف الأم ولا يذكروا جميل صنعها ولا يكافئوا عظيم إحسانها؟! هل يجوز للأبناء أن يقلبوا ظهر المجن على أمهاتهم بتأثير من زوجاتهم أو جريًا خلف دنياهم أو سعيًا على شهواتهم وأهوائهم؟!
وصلتني رسالة من إحدى الأمهات تشكو عقوق ولدها، تقول مع التصرف بعباراتها:"حملته وهنًا على وهن، لم أنم فيها ولم يغمض لي جفن، نالني من الألم ما لا يصفه قلم ولا يتحدث عنه لسان، رأيت بأمّ عيني الموت مرات عديدة حتى خرج إلى الدنيا، فامتزجت دموع صُراخه بدموع فرحي، مرّت سنوات من عمره، وأنا أحمله في قلبي، أسهرت ليلي لينام، وتعبت نهاري ليسعد، وبعد أن اشتدّ عوده واستقام شبابه ودخل حياته الزوجية الجديدة تقطع قلبي حزنًا على فراقه، فقد تغيّر ابني وما عاد الذي أعرفه، اختفت ابتسامته، وغاب صوته، وعبس محياه، لقد أنكرني وتناسى حقي، ولم يعد يأنس حتى بزيارتي، تمر الأيام أراقب طلعته وأنتظر بلهف سماع صوته، ولكن الهجر طال، وها هي الليالي قد أظلمت والأيام تطاولت، فلا أراه ولا أسمع صوته، علما أني لا أطلب منه إلا القليل، أريد منه أن يجعلني في منزلة أطرف أصدقائه عنده، أريد منه أن يجعلني إحدى محطات حياته الأسبوعية أو الشهرية لأراه فيها ولو لدقائق". إلى آخر الرسالة التي قالت فيها:"يا شيخ، اقرأ رسالتي لعله يسمعها، فتهفو نفسه إلي، ويحن قلبه علي. فو الله، إني أخاف عليه من عقوبة العقوق في الدنيا قبل الآخرة". التوقيع: أم مكلومة بولدها.
هذه الأم المسكينة يصدق عليها قول أمية بن أبي الصلت حينما تنكّر له ولده بعد هرَمه وشيخوخته، فقال له:
غَذَوتُك مولودًا وعلتُك يافعا تُعلّ بِما أجني عليك وتَنهلُ
إذا ليلةٌ ضاقتك بالسقم لم أبِت لسُقمك إلا ساهرًا أتَململ
كأنِّي أنا المطروقُ دونك بالذي طُرقتَ به دونِي فعيناي تَهملُ
تخاف الردى نفسي عليك وإنها لتعلم أن الموت حتمٌ مؤجل
فلما بلغت السن والغاية التي إليها مدى ما كنتُ فيك أؤمّل
جعلت جزائي غلظةً وفظاظة كأنك أنت الْمنعم المتفضل
أمٌّ أخرى اكتوت بنار عقوق ولدها، اتّصلت عليّ بالهاتف، لم أفهم منها شيئًا، فبكاؤها يسبق كلماتها، ودموعها تحكي معاناتها مع فلذة كبدها وريحانة فؤادها، حرارة نحيبها تنبئك بفداحة سوء معاملة ولدها لها، وبعد عناء وإذا بي أسمع منها ما يهتزّ له الوجدان وتقشعر له الأبدان، تقول: إن ابني لا يعقّني فقط، ولا يسبّني فقط، ولا يهينني فقط، تقول بالحرف الواحد: أنه يضرِبني بالنعال.
قيل: هذا إذا أصر على فعلته النكراء يحسن بجيرانه وأصحابه هجر المكان بل البلاد التي هو فيها خوفًا من نزول البلاء.
روِي في سنن الترمذي أن النبي قال: (( إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حلّ بها البلاء ) )، وذكر منها: (( وأطاع الرجل زوجته وعق أمه ) ).
أين هذا وأمثاله من حديث جريج العابد الذي عاقبه الله تعالى لانشغاله عن أمه بعبادة ربه؟! روى الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال: (( كان في بني إسرائيل رجل يقال: له جريج، كان يصلي ـ أي: في صومعته ـ وكانت تأتيه أمه فتناديه، فيشرف عليها فيكلمها، فأتته يومًا وهو في صلاته فنادته فقالت: أي جريج أشرف عليّ أكلمك، أنا أمّك، فقال: يا رب أمي وصلاتي، فاختار صلاته، فرجعت ثم أتته فصادفته يصلي فنادته، ثم أتته في الثالثة فنادته، فقالت: اللهم لا تمِته حتى تريَه وجوه المومسات ) )، فأجيبت دعوتها وتحقّقت. الله عز وجل عاقب جريجًا لانشغاله عن أمه بطاعة ربه وبالوقوف بين يديه، فما بالكم بمن ينشغل عن أمه بزوجته أو تجارته ودنياه؟! فما بالكم بمن ينشغل عن أمه بمعصيته وهواه؟!
قال الإمام ابن حجر في شرحه لهذا الحديث في فتح الباري:"لو كان جريج فقيها لعلم أن إجابة أمّه أولى من عبادة ربه"، وقال الإمام النووي:"صلاة النفل والاستمرار فيها تطوع لا واجب، وإجابة الأم وبرّها واجب، وعقوقها حرام".
لهذا وضّح العلماء ما يفعله المسلم إذا تعارض برّ الوالدين مع عبادة الله تعالى، فإن كانت هذه العبادة فريضة خفّفها وأسرع في طاعة والديه، وإن كانت نافلة قطعها وأجاب أمّه أو أباه. لهذا فقه السلف الصالح الموازنة بين برّ الوالدين ـ ولا سيما الأم ـ إذا تعارضت مع طاعةٍ لله.
فهذا حيوة بن شريح، وهو أحد أئمة المسلمين وفقهائهم، كان رحمه الله يجلس في حلقته ويأتيه الطلاب من كلّ مكان ليسمعوا عنه، فتقول له أمه وهو بين طلابه: قم ـ يا حيوة ـ أعلف الدجاج، فيقوم ويترك التعليم.
وهذا أويس بن عامر القرني الذي أخبر الرسول عن علوّ منزلته عند الله، وأمر صحابته الأخيار بالتماس دعوته وابتغاء القربى إلى الله بها، وما كانت آيته إلا بره بأمه. روى الإمام مسلم في صحيحه أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إذا أتى أمداد أهل اليمن سألهم: أفيكم أويس بن عامر؟ حتى أتى أويس، فقال: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم، قال: كان بك برص فبرأت منه إلا موضع درهم؟ قال: نعم، قال: لك والدة؟ قال: نعم، قال عمر: سمعت رسول الله يقول: (( يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد اليمن من قرن، كان به أثر برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بار بها، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعتَ أن يستغفر لك فافعل ) )، قال عمر: استغفر لي، فاستغفر له.
وعن أصبغ بن زيد قال: إنما منع أويسًا أن يقدم على النبي برّه بأمه. فأويس القرني تابعي وليس صحابيًا، مع أنه عاش في زمن النبي ؛ لأنه لم يرَه، وما منعه من مجيئه للرسول إلا بره بأمه، فقدم برّه بأمه على طلبه الصحبةَ مع عظيم فضلها وأجرها، وما ذاك إلا لأن البر بالوالدة أكثر منها أجرًا، فجزاه الله عز وجل بما سمعتم من الحديث.
وقد جاء في الحديث الصحيح أن رجلًا قال للنبي: أردت أن أغزو وقد جئت أستشيرك، فقال: (( هل لك أم؟ ) )قال: نعم، قال: (( فالزمها؛ فإن الجنة تحت رجليها ) ). وقوله: (( فإن الجنة تحت رجليها ) )يوحي لنا بضرورة التذلّل والتضرع والتمسكن بين يدي الأم مهما بلغ الواحد منا من منزلة أو منصب أو جاه أو مال في هذه الدنيا، فهذا محمد بن سيرين التابعي الجليل والفقيه والمحدث كان إذا كلّم أمه كان يتضرع, قال ابن عوف: دخل رجل على محمد بن سيرين وهو عند أمّه، فقال: ما شأن محمد؟! أيشتكي شيئًا؟ قالوا: لا، ولكن هكذا يكون إذا كان عند أمه. وهذا زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم كان من سادات التابعين، وكان كثير البر بأمه، حتى قيل له: إنك من أبر الناس بأمك، ولسنا نراك تأكل معها في صحفة واحدة! فقال: أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليه عينها فأكون قد عققتها. هذا البر وأكثر منه لا يساوي فضل الأم ولا يجازي صنيعها، فلا يعجبن أحد ببره بأمه أو يتعاظم ما يسديه لها.
روى البخاري في الأدب المفرد أن ابن عمر شهد رجلًا يمانيًا يطوف بالبيت حمل أمه وراء ظهره، ويقول:
إني لها بعيرُها المذلّلُ إن أذعرت ركابُها لم أذعرِ
الله أكبر، ذو الجلال الأكبرِ، حملتها أكثر مما حملتني، فهل ترى جازيتها يا ابن عمر؟ قال: لا، ولا بزفرة من زفراتها.
هذه هي الأم، وهذا فضلها، وهذا هو البر ومكانته.
أيها الأخ الحبيب، أيها الأخ المؤمن، لا شك أنك ما جئت إلى هذا المكان إلا استجابة لأمر مولاك وطلبًا لرضاه، فاعلم أن رضا الله في رضا الوالدة، وسخط الله في سخطها. فإذا كانت والدتك صحيحة نشيطة فعليك باحترامها وتقديرها وطاعتها والاستجابة لأمرها وتنفيذ كلامها قبل أن يرتدّ إليها طرفها، ولا تتهاون أو تتكاسل فتكون عاقًا فتمسك النار.
وإذا كانت والدتك كبيرة مريضة عاجزة ليس أمامك إلا الصبر عليها وخدمتها، والإحسان إليها والتذلّل لها والتضرع بين يديها، ولا تتأفّف أو تضجر من وجودها، واحرص على أن تفارق الدنيا وهي راضية عنك، فإنها أوسع الأبواب المؤدّية إلى الجنة، (( رغم أنفه ثم رغم أنفه ثم رغم أنفه من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كلاهما ثم لم يدخل الجنة ) )رواه مسلم.
وإذا كانت أمك ميتة فعليك ببرها؛ وذلك بإنفاذ عهدها والدعاء لها، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق.
لم ترد.