الرقاق والأخلاق والآداب, العلم والدعوة والجهاد
أعمال القلوب, القتال والجهاد
داود بن أحمد العلواني
جدة
الأمير منصور
1-الأمر بأخذ أسباب القوة. 2- قوة العقيدة والعتاد والإعداد. 3- الاستعلاء الإيماني والصدع بالحق. 4- ضرورة تصحيح أخطاء حياتنا. 5- المؤمن القوي خير وأحب على الله من المؤمن الضعيف. 6- التوكل والعزم والتفويض سلاح المؤمن.
أما بعد: فيا عباد الله، إن من أهم أسباب المحافظة على العزة التي كتبها الله لعباده المؤمنين الأخذ بعناصر القوة في أشكالها المتعددة، وذلك استجابة لأمر الله القائل في كتابه الكريم: وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ?سْتَطَعْتُم مّن قُوَّةٍ [الأنفال:60] .
ومن عناصر القوة قوة العقيدة ورسوخ الإيمان بالله جل وعلا وبكل ما جاء عن الله تبارك وتعالى وعن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم والانقياد الكلي لله ولرسوله في كل ما نأتي ونذر، فإن المسلم إذا تغلغل الإيمان في قلبه أكسبه نشاطًا وحماسًا على تحمل الصعاب ومواجهة الأخطار دون تهَيب، وكما أن العقيدة القوية تضفي على صاحبها قوة تنطبع في سلوكه كله وفي عبادته ومعاملاته وأخلاقه وفي شأنه كله، فإذا تكلم كان واثقًا من قوله، وإذا عمل كان راسخًا في عمله، وإذا توجه كان واضحًا في هدفه، وقلّ ما يعرف التردد أو اليأس إلى نفس المؤمن سبيلًا.
فعليكم ـ يا عباد الله ـ بتقوية الإيمان في نفوسكم ونفوس أبنائكم؛ لتضمنوا العزة التي كتبها لكم ربكم إن كنتم مؤمنين، فالعقيدة الصحيحة هي أساس الفلاح في الدنيا والآخرة والنجاح في الأمور كلها والعاقبة الحميدة والله المستعان.
ومن عناصر القوة ـ أيها الناس ـ قوّة العدة والعتاد والتدريب على فنون الجهاد باللسان والمال والعتاد والأنفس والتدرب على السلاح والرماية بالطرق المشروعة، وبذلك نرضي الرب تبارك وتعالى، ونذُبُّ عن ديننا، ونحمي أنفسنا وأهلينا وديارنا، وبذلك نضمن العز والنصر في معركة الحق مع الباطل، قال تعالى: وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:40] ، وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وهو على المنبر يقول: (( وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ?سْتَطَعْتُم مّن قُوَّةٍ ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي ) ) [1] . والرمي هذا يشمل كل رمي في كل زمان ومكان بحسبه؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام أطلق الرمي ولم يعين ما يرمى به، فيتحرك المسلم حسب ما يقتضيه الحال والمكان.
فاتقوا الله عباد الله، وامتثلوا لأمر الله ورسوله بإعداد القوة اللازمة لرد كيد أعداء الإسلام في نحورهم، ولتعلموا أن الإسلام ليس ترفًا ورخاوة أو لذة أو جمعًا لحطام الدنيا، وإنما الإسلام دين ودولة ومصحف وسيف ومحراب وميدان للجهاد في سبيل الله بكل وسائل القوة بعد التوكل والاعتماد على الله جل وعلا وإخلاص النية لله رب العالمين.
ومن عناصر القوة ـ أيها المسلمون ـ أن يكون المسلم صريحًا جريئًا يواجه الناس بقلب مفتوح ومبادئ واضحة، فلا يصانع على حساب الحق بما يغضّ من كرامته وكرامة إخوانه المسلمين، فلا يوهن فيهم ولا يفتُّ في عضدهم ولا يهين كرامتهم ولا يحطم معنوياتهم ولا يحطّ من قدرهم ولا يحيد عن هذه الصراحة أبدًا، فقاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تنبثق من هذا المبدأ، فعلى المسلم أن لا يتهيب كبيرًا ولا يستحي من قريب أو بعيد ولا تأخذه في الله لومة لائم.
ولذلك كره الإسلام أن يضعف الإنسان أمام العصاة من الكبراء فيناديهم بألفاظ التكريم، قال رسول الله: (( إذا قال الرجل للمنافق: يا سيد فقد أغضب ربه ) ) [2] .
فمن الجريمة ـ عباد الله ـ أن تنتهك حرمات الإسلام ثم لا يجد من ينتهكها من يحقِّره، بل يجد من يمتدحه ويبجله، قال الله تعالى: وَمَن يُهِنِ ?للَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ ?للَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء [الحج:18] .
فاتقوا الله عباد الله، وخذوا بكل أسباب القوة لتتحقق لكم الحياة الطيبة العزيزة الكريمة في الدنيا وفي الآخرة، واعلموا أن الظفر بالعزة ليس حلمًا معسولا نصبو إليه ونحن نعيش حياة الترف والخلاعة والفجور، نضيع نهارنا في ذرع الأسواق وغشيان المعارض والرفاهية الزائفة، ونسهر ليلنا عكوفًا على الأفلام الخليعة من فيديو وتلفزيون وسينما، وإنما الظفر بالعزة يكون بالهدف الأسمى للمسلم، وذلك يتطلب تضحيات جسيمة لا يقدر عليها إلا الرجال من المؤمنين الصادقين المتوكلين على ربهم بعد توفيق الله لهم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وَلاَ يَحْسَبَنَّ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ?سْتَطَعْتُم مّن قُوَّةٍ وَمِن رّبَاطِ ?لْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ ?للَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ?للَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْء فِى سَبِيلِ ?للَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ [الأنفال:59، 60] ، وقال أيضًا: ?سْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ ?لسَّمَاء عَلَيْكُمْ مّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى? قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ [هود:52] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
[1] رواه مسلم في الإمارة، باب: فضل الرمي والحث عليه (1917) .
[2] أخرجه الحاكم في المستدرك (4/311) وقال:"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل على محمد النبي الأمي، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد: فيا عباد الله، لقد ورد في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء لا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان ) ) [1] ، يعني: توكل عليه واجعل تفويض الأمور كلها إليه جل وعلا.
فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن الإسلام يكره للمسلم أن يكون ضعيفًا عاجزًا كسولًا مترددًا في أموره حائرًا في فكره تائهًا في اتجاهه، وبين لنا رسول الله أن ذلك من إيحاء الشيطان في النفس ليجعلها في يأس وقنوط على ما فات، فيذكرها دومًا بالهزائم والأحزان، وتَكرار كلمة (لو) و (ليت) ـ كما بين لنا ـ ليس من خلُق الإنسان المسلم، فالمسلم يجب أن يكون دائمًا وثيق العزم، والله يثني على أولى العزم من الرسل.
وليكن المسلم مستجمع النية على إدراك أهدافه بالوسائل الصحيحة، باذلًا كل جهوده في بلوغ مأربه، متوكلًا على الله حقّ التوكل، معتقدًا أن النتائج من عند الله تعالى، وأن الأسباب ليست وحدها كافية في إحراز النتائج، ثم إن قدر الله له تحقيق ما أراد فيقوم بالشكر لله تعالى ويكون ذلك خيرًا له، وإن قدر له غير ذلك فيصبر ويحتسب الأجر من الله تعالى ويعلم أن لله من الحكمة ما لا تدركه العقول ولا يخطر ببال، وَ?للَّهُ غَالِبٌ عَلَى? أَمْرِهِ وَلَـ?كِنَّ أَكْثَرَ ?لنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ الآية [يوسف:21] .
ويعقل المؤمن قول الله تعالى: وَأُفَوّضُ أَمْرِى إِلَى ?للَّهِ إِنَّ ?للَّهَ بَصِيرٌ بِ?لْعِبَادِ [غافر:44] ، ويعقل كما قال الله تعالى عن نبيه إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام حسبي الله، قال الله تعالى: وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَ?للَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [البقرة:216] .
وفقني الله وإياكم وجميع المسلمين للعمل بمقتضى كتابه وسنة نبيه ، ونعوذ بالله من الهم والحزن، ومن العجز والكسل، ومن الجبن والبخل، ومن غلبة الدين وقهر الرجال. وصلّ اللهم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
[1] رواه مسلم في القدر، باب: في الأمر بالقوة وترك العجز (2664) .