فهرس الكتاب

الصفحة 5358 من 5777

من أحكام الصيام

فقه

الصوم

فريح بن محمد الفريح

الذيبية

جامع بلدة السمار

1-فضل طول العمر في طاعة الله تعالى. 2- حياة المؤمن وحياة الكافر. 3- فرصة إدراك مواسم الخيرات. 4- حكم صيام رمضان. 5- شروط وجوب الصيام. 6- مفسدات الصيام. 7- المفطرات المعنوية.

أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، واشكروه على بلوغ شهر رمضان، واسألوه التوفيق والإعانة على اغتنام أوقاته بالطاعة، وأن لا يجعلكم فيه من أهل التفريط والإضاعة، فإنه إنما يفرح بطول العمر لأجل إدراك مواسم الخيرات والإكثار من الطاعات؛ في الحديث: (( خيركم من طال عمره وحسن عمله ) )، ولا يفرح بطول العمر من أجل العيش في الدنيا فقط؛ لأن العيش في غير الطاعة يفنى سريعًا، ويعقبه حسرة وندامة يوم القيامة، وأما العيش في الدنيا في الطاعة فإنه يبقى أثره ويمتد خيره إلى ما لا نهاية؛ لأنه يتصل بعيش الآخرة، وقد قال النبي: (( اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ) )، وقال تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ.

فحياة المؤمن ممتدة متواصلة بالخير والسرور في دنياه وفي قبره ويوم نشوره، ففي الحياة الدنيا يستلذ بالطاعة، ويطمئن قلبه بذكر الله، فيعيش فيها منشرح الصدر قرير العين، وفي قبره يفتح له باب إلى الجنة فيأتيها من طيبها ونعيمها، ويقال له: نم نومة العروس لا يوقظه إلا أحب أهله إليه، وفي بعثه يبعث على أحسن حال، فيحاسب حسابًا يسيرًا، وينقلب إلى أهله مسرورًا، ويدخل الجنة دار النعيم خالدًا مخلدًا فيها، لا يمسه فيها نصب، ولا يخشى موتًا ولا همًا ولا مرضًا، وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ.

وأما الكافر فإنه وإن حيزت له الدنيا بحذافيرها فإنه يعيش فيها مهمومًا مذمومًا، وتزول عنه سريعًا، ثم يموت ويعذب في قبره، ثم يبعث إلى النار وبئس القرار، وهكذا عذاب متواصل كما قال تعالى: لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُم مِّنَ اللّهِ مِن وَاقٍ.

عباد الله، وإن من أعظم ما يمر في عمر المؤمن إدراك مواسم الخير التي من أعظمها شهر رمضان المبارك، فإنه أعظم كسب في حياة المؤمن، وفي حديث الثلاثة الذين استشهد منهم اثنان وبقي الثالث بعدهما، ومات على فراشه، فرئي سابقًا لهما، فتعجب الناس من ذلك، فقال رسول الله: (( أليس قد عاش بعدهما، وصلى كذا وكذا، وأدرك شهر رمضان فصامه؟! والذي نفسي بيده، إن بينهما كما بين السماء والأرض ) ).

فاحمدوا الله ـ أيها المسلمون ـ على بلوغ هذا الشهر، وأكثروا فيه من فعل الطاعات واكتساب الحسنات.

واعلموا أن أعظم عمل شرعه الله في هذا الشهر بعد الصلوات المفروضة هو الصيام، فقد جعل الله صوم هذا الشهر أحد أركان الإسلام، فمن جحده فهو كافر مرتد عن دين الإسلام، ومن أقر بوجوبه ولم يصمه كسلًا فهو مستحق لأعظم الوعيد، ويجب عليه التوبة إلى الله وقضاء ما أفطر منه، ومن عَلِمَ بفطره من المسلمين وجب عليه أن يرفع عنه لولاة الأمور ليؤدبوه ويلزموه بالصيام.

ويجب الصيام على كل مسلم بالغ عاقل مقيم صحيح. أما الصغير الذي دون البلوغ فلا يجب عليه، ولكن يؤمر به إذا كان يطيقه ليعتاده ويتربى عليه، ويكون له نافلة، ولوليه أجرًا. وأما المسافر والمريض فيفطران ويقضيان من أيام أخر، ومن زال عقله بجنون دائم أو كبر وهرم فلا صوم عليه. وأما الكبير الذي يعقل ولكنه لا يستطيع الصيام لضعف بدنه وقواه فإنه يجب عليه أن يطعم عن كل يوم مسكينًا، ومثله المريض الذي لا يستطيع الصوم والمرض مستمر معه دائمًا، فإنه لا صوم عليه ويطعم عن كل يوم مسكينًا.

عباد الله، الصوم تعبُّد لله بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس.

والمفطرات هي الأكل والشرب، فمن أكل أو شرب متعمدًا بطل صومه، ويجب عليه التوبة إلى الله والإمساك بقية يومه، ثم يقضي ما أفطره. ومن أكل أو شرب ناسيًا فلا حرج عليه وصومه صحيح.

ومثل الأكل والشرب في إفساد الصيام ما كان بمعناهما كالإبر المغذية والحبوب الدوائية والإبر التي تحقن عن طريق الوريد؛ لأن هذه الأشياء تدخل في الجسم وتخالط الدم أو تغذي وتفعل ما يفعل الطعام والشراب.

ومثل الأكل والشرب استعمال القطرة والسعوط في الأنف؛ لأنها تتسرب إلى الحلق وتدخل الجوف، فمن استعمل القطرة متعمدًا ووجد طعمها في حلقه فإنه يفسد صومه، لقول النبي: (( وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا ) )، فقد نهى عن المبالغة في الاستنشاق للصائم لئلا يصل الماء إلى حلقه، وذلك يدل على الإخلال بصيامه، ومثله القطرة؛ لأنها سائل وصل إلى الحلق عمدًا فتفسد الصوم.

ومن مفسدات الصوم الجماع، فمن جامع في نهار رمضان فسد صومه، ويجب عليه أن يتوب إلى الله ويمسك بقية يومه، ثم يقضي هذا اليوم الذي جامع فيه، وعليه مع القضاء الكفارة المغلظة، وهي عتق رقبة، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينًا.

وعلى المسلم أن يتجنب كل الوسائل التي قد توقعه في هذا المحذور من نظر بشهوة أو تقبيل لزوجته بشهوة أو لمس لها بشهوة،.

ومن المفسدات للصوم إنزال المني دون جماع بسبب مما ذكرناه من نظر أو تقبيل أو لمس أو استمناء باليد، وهو ما يسمى بالعادة السرية. أما من احتلم وهو نائم في نهار رمضان فأنزل فإنه لا يؤثر على صيامه؛ لأنه بغير اختياره، وإنما يجب عليه الاغتسال.

ومن مفسدات الصوم استفراغ ما في المعدة عمدًا، وهو التقيؤ، أما من غلبه القيء وخرج دون اختياره فصيامه صحيح لقوله: (( من استقاء فليقضِ، ومن غلبه القيء فليس عليه شيء ) ).

ومن مفسدات الصوم استخراج الدم الكثير من البدن بحجامة أو فصد أو سحب للدم، فإذا فعل ذلك فقد أفطر لقوله: (( أفطر الحاجم والمحتجم ) ). أما من انجرح فخرج منه دم كثير أو خلع ضرسًا فخرج منه دم فلا حرج عليه، وعليه أن يتفل الدم من فمه.

ومن موانع صحة الصوم الحيض والنفاس، فالحائض والنفساء تفطران مدة الحيض والنفاس وجوبًا، ولا يجوز لهما الصيام، ولا يصح منهما، وتقضيان ما أفطرتا فيهما من أيام أخر.

فاتقوا الله عباد الله، وحافظوا على صيامكم من المفسدات، وقد جعل الله لكم الليل لتناول ما تحتاجون إليه أو تشتهونه مما أباح الله لكم، أما النهار فاحفظوه بالصيام.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ.

الحمد لله على فضله وإحسانه، شرع لنا الصيام والقيام لننال منه الأجر والإكرام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك العلام، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، عليه وعلى آله وأصحابه أزكى الصلاة والسلام.

أما بعد: عباد الله، اتقوا الله، واعلموا أن هناك مفطرات معنوية إلى جانب المفطرات الحسية، فيجب عليكم معرفتها واجتنابها.

كل قول أو فعل محرم في غير الصيام فإنه يتأكد تحريمه ويتضاعف إثمه في وقت الصيام، وذلك كالغيبة والنميمة والشتم والسباب وقول الزور والنظر إلى ما حرم الله النظر إليه من النساء والصور الفاتنة والأفلام الخليعة والاستماع إلى ما حرم الله الاستماع إليه من الأغاني والمعازف والمزامير وسائر المعاصي، فإنها تؤثر على الصيام، وتوجب الآثام، فليس الصيام مجرد ترك الطعام والشراب والجوع والعطش، ولكنه مع ذلك ترك كل ما حرم الله من الأقوال والأفعال المحرمة والمؤثمة، يصوم البطن عن الطعام والشراب، والفرج عن الاستمتاع، والنظر عن المرائي الحرام، واللسان عن الألفاظ القبيحة. فترك الطعام والشراب لا يكفي مع عدم ترك هذه الأشياء، بل يصبح تعبًا بلا فائدة، وعملًا بلا أجر.

فاتقوا الله في صيامكم، وتمسكوا بكتاب ربكم...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت