الأسرة والمجتمع, العلم والدعوة والجهاد
الأبناء, التربية والتزكية
سعيد بن عبد الباري بن عوض
جدة
سعد بن أبي وقاص
1-الأنباء مسؤولية وتكليف. 2- القسوة المحمودة والضرب غير المبرح منهجان تربويان مفيدان. 3- متى يستخدم الضرب والقسوة؟ 4- من الأخطاء في التربية. 5- من وسائل القسوة المحمودة في التربية. 6- الضرب أنواع ومراتب. 7- نتائج القسوة المفرطة.
عباد الله، إن مما امتن الله به على عباده من النعم العظيمه والآلاء الجسيمه نعمة الذرية، قال تعالى: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ [النحل:72] ، وقال تعالى: الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الكهف: 46] . فهذه الذرية التي رزقنا الله إياها نعمة من الله تبارك وتعالى يجب علينا شكرها، كما أنها أمانة يجب علينا المحافظة عليها، ومسؤولية سنسأل عنها بين يدي الله يوم يقوم الناس لرب العالمين، قال: (( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم، والعبد راع على مال سيده ومسؤول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ) )رواه مسلم.
معاشر الآباء والأمهات، وكما أن لكم حقوقا على أبنائكم فإن عليكم واجبات تجاههم، وإن أسهل الطرق للوصول إلى الحقوق هو أداء الواجبات، فكما أن من حقوقكم على أبنائكم السمع والطاعة والصبر على طلباتكم وحاجتكم، فإن من حقوق أبنائكم عليكم أن تحسنوا تربيتهم على المنهج الشرعي القويم. فإذا لم تؤدِ الذي عليك فلا تتوقع أن تحصل على ما هو لك. إنها معادلة سهلة الشكل معقدة المضمون، وأعني بالمضمون الأداء.
وإذا لم نحسن تربية أبنائنا فإننا أول من سيدفع ثمن هذه الإساءة، وقديما قالت العرب:"إنك لا تجني من الشوك العنب".
معاشر الآباء والأمهات، معاشر المربين، الحديث عن التربية بحر لا ساحل له، له أول وليس له آخر، لكن حديثي اليوم عن جزئية من جزئيات التربية ومفردة من مفرداتها التي حصل فيها خلل كبير وخلط كثير، وكما هي العاده فإن هذه الجزئية في التربية بين إفراط وتفريط وغالٍ وجاف، والشيطان في إضلاله للخلق يحرص أن يدفعهم دائما إلى أحد الطرفين: إما الغلو المفرط أو الاستهتار المضيع، ولا يبالي ـ والله ـ بأيهما ظفر.
إخوة الإيمان، وحديثنا اليوم عن القسوة في التربية، تلك المفردة من مفردات التربية التي طالما حصل الجدال حول جزئياتها، ومن جزئياتها استخدام الضرب، تلك الوسيلة التي لا زال الجدال حاميا حولها إلى اليوم. فما هي القسوة؟ ومتى تستخدم؟ وما هي وسائلها؟ وما هي حدودها؟ وفي ظني ـ أيها الإخوة الكرام ـ أن الإجابة على هذه الأسئلة ستغطي جزءًا كبيرًا من الموضوع.
أولًا: ما هي القسوة؟ قال ابن منظور في لسان العرب: القسوة الصلابة في كل شيء، وتأويل القسوة في القلب ذهاب اللين والرحمة والخشوع منه.
إذا فالقسوة هنا مرادفة للشدة والغلظة، ومن المعلوم لدى المؤمنين أن الله قد أقر الشدة في مواطن معينة تستحق الشدة والغلظة، فقد أقر ضرب الزوجه الناشز مثلًا في حالات معينة وبضوابط معينة، فقال تعالى في تأديب الزوجات: فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ [النساء:34] . ولست بحاجة إلى التذكير إلى أن الضرب يكون ضربا غير مبرح، كما ورد في أحاديث كثيره في السنن وغيرها.
وقد أقر استخدام الضرب بل وأمر به رسول الله: (( مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع ) )رواه أبو داود والترمذي.
والضرب ـ عباد الله ـ من استخدام القسوة، وعليه فلا ينبغي أن يكون هناك خلاف في استخدام الضرب كوسيلة من وسائل التربية، وعلى القائلين بخلاف ذلك الخضوع للقرآن والسنة خوفا من أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم.
وإذا تقرر ذلك ـ معاشر المؤمنين ـ فلننتقل للسؤال الثاني وهو: متى تستخدم القسوة؟
عباد الله، يجب أن يُعْلَم عند الحديث عن هذه القضية وغيرها من قضايا المعاملات أن الأصل الأصيل في هذا الباب هو الرفق واللين، وأن الشدة والقسوة كالدواء يحتاج إليها في حالات معينة قد سبقها محاولات أخرى باللين متعددة الطرق والوسائل، عندها يحتاج المربي إلى القسوة وهو آخر العلاج والدواء, وكما قيل:
فقسا ليزدجروا ومن يك حازما فليقسُ أحيانا على من يرحم
فيا أيها الآباء والأمهات، ويا أيها المربون، الرفق أولًا، ففي صحيح مسلم من حديث جرير قال: سمعت رسول الله يقول: (( من يحرم الرفق يحرم الخير ) )، وفيه كذلك عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله قال: (( يا عائشة، إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على سواه ) )، وفيه أيضا من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن النبي أنه قال: (( إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه ) ).
فإذا استخدم الأب وسائل الترغيب من الثناء والهدايا والمنح والجوائز وغرس روح التنافس بين الأبناء وغيرها من الطرق الكثيرة، ثم استخدم التهديد والحرمان وغيرها من وسائل الترهيب، ثم إذا لم تفلح هذه الوسائل كلها يُلجأ إلى القسوة والضرب والشدة. لكن المشكلة أننا كثيرًا ما تكون هذه الوسيلة هي أول الوسائل استخداما دون أن يراعى هذا الترتيب المهم، وذلك من أخطائنا التربوية التي تفسد علينا عملية التربية وتجعلها عملية شاقة مليئة بالمتاعب.
ومن أهم ما ينبغي الحديث عنه عند الحديث عن استخدام القسوة هو الحديث عن أسباب استخدامها، ومن الملاحظ لكل من يتأمل أحوالنا اليوم أننا نستخدم القسوة عند المخالفات التي تتعلق بحقوقنا نحن، أو بأمر من أمور الدنيا، ولا نكاد نستخدم ربع تلك القسوة عندما تكون مخالفات الأبناء مخالفات شرعية. فكم من ابن جُلِدَ جلد الحيوانات وطُرِدَ من البيت لأنه شتم أباه أو أمه أو رفع صوته عليهما، وكم من الأبناء من قد أهين وضرب لأنه لم يحسن استقبال الضيوف، وكم من الأبناء من قد حرم من أشياء كثيره لأنه لم ينفذ لوالديه أمرا أو يقضي لهما حاجة. بينما لم نر ولو عشر تلك القسوة مع الأبناء الذين يسبون الله أو يسبون الدين أو الرسول ، ولم نر تلك القسوة مع تاركي الصلاة من الأبناء، ولا مع الذين قد تشبهوا بالكفرة والملحدين في أشكالهم وقصات شعورهم ولباسهم، وإن كنا لسنا ندعو إلى مثل تلك الأساليب الخاطئة من الطرد والإهانة أمام الناس. لكن الكثير من الآباء والأمهات يرون في مثل هذه القضايا التي تتعلق بالدين أن الهداية من الله، وأما ما يخصهم هم من تبجيل واحترام وقضاء حاجات فهذا ما لا يطلبونه من الله بل يريدون الحصول عليه بالقوة.
معاشر المربين، إن أولى ما يعاقب عليه الأبناء بعد استخدام اللين معهم وعدم جدواه حقوق الله عز وجل والواجبات الدينية، ذلك الذي يجب علينا التنبه له. فلئن كان لك حق على أبنائك فحق الله أسبق وأوثق، ولئن لم يؤد الابن أو البنت حقوق الله فلن يؤديا ـ والله ـ حقوق البشر. وتأمل حديث المصطفى: (( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ) )رواه الترمذي والنسائي. قال العلماء:"إنما قال: (( ولد صالح يدعو له ) )مع أن الولد الفاسد قد يدعو لوالديه بعد موتهما، وهو داخل ضمن الحديث أيضا، لكن لما كان من المعتاد أن الذي يدعو لوالديه هو الولد الصالح ذكره الرسول في الحديث". وقال العلماء:"إن قوله عليه السلام: (( ولد صالح ) )صفة كاشفة وليست قيدا أو شرطا للولد الذي يدعو لوالديه"؛ لذلك نقول: إن الأبناء الذين يتربون على طاعة الله والخوف منه هم الذين ينشؤون عادة بارين بوالديهم، وأما من أضاع حق الله فهو لما سواه أضيع.
ثالثًا: وأما وسائل القسوة التي تستخدم في التربية فهي محصورة في الضرب عند الغالبية العظمى من الآباء والأمهات والمربين، بل إن الكثير لا يفهم من كلمة القسوة إلا الضرب.
عباد الله، إن من وسائل القسوة في التربية الهجر، وأعني هجر الأبناء وعدم الكلام معهم، وعدم التبسم في وجوههم عندما يحصل منهم مخالفات شرعية أو مخالفات في الآداب العامة، وذلك طبعًا بعد النصح والتوجيه لهم، فإن لم يستجيبوا استخدمت معهم هذه الطريقة.
وكذلك من وسائل القسوة الحرمان مما يحبونه من بعض الأشياء، كبعض المصروف أحيانا أو شراء بعض الألعاب، أو حرمانهم من الخروج للنزهة أو زيارة بعض الأقارب والأصدقاء.
وكذلك من وسائل الشدة والقسوة التوبيخ بالكلمات التي لا تخرج عن حدود الشرع. وهنا يقع بعض الآباء والأمهات في مخالفات شرعية باستخدام ألفاظ بذيئة وشتائم لا تليق. وإن من الآثار السلبية لذلك أن الأبناء يتلقفون تلك الألفاظ ويستخدمونها فيما بينهم ومع الناس، بل وقد يستخدمونها مع والديهم، وعندها يثور الوالدان وهما قد كانا السبب في تعلم الابن لتلك الألفاظ البذيئة.
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، وأن يصلح لنا ولكم نياتنا وذرياتنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
إخوة الإيمان، ومن وسائل القسوة الضرب، وهو وسيلة تأديبية شرعية قد وردت في القرآن والسنة كما أشرنا في الخطبة الأولى.
وهنا عباد الله، يجب على المربي أن يعلم أن الضرب وسيلة للتأديب وليست وسيلة للتعذيب. إن المربي حين يضرب ابنه أو زوجته أو تلميذه يرمي من وراء ذلك إلى تأديبه وزجره عن الخطأ الذي وقع فيه، وليس يقصد من وراء ذلك التشفي وإرواء الغليل والانتقام. ومن هذا الذي تنتقم منه؟! إنه ابنك. وإن مما يجعل الضرب وسيلة للإفساد وليس للإصلاح كونه يحدث من البعض انتقاما لا تقويما. وهنا نقول للآباء والأمهات والمربين: إن من الضرب ما هو مباح، ومنه ما هو ممنوع أو محرم شرعا.
فالضرب المباح له قيود منها:
أولا: أن لا يكون مبرحًا؛ فيكسر عظمًا أو يترك عاهة مستديمة، أو يحدث تشوها في المضروب. وكم سمعنا عمن تسبب في حدوث عاهات لأبنائه بسبب هذا النوع من الضرب، وعندها يندم ولات ساعة مندم.
ثانيًا: أن لا يكون في الوجه، وذلك لأن ديننا يحرم الضرب على الوجه، وقد ورد في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن رسول الله قال: (( إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه ) )، وعند مسلم: (( إذا قاتل أحدكم أخاه فلا يلطمن الوجه ) )، وعند أبي داود: (( إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه ) ).
أيها المربي، إن ضرب الوجه قتل معنوي وتدمير نفسي للابن صغيرًا كان أو كبيرًا، ولرُبَّ عشر ضربات بالعصا تكون أخف وأهون من لطمة واحدة يتلقاها الابن على وجهه، فتهين كرامته وتحطم مشاعره.
ثالثًا: ومن قيود الضرب كذلك أن لا يكون أمام الناس عامة، فإن ضرب الطفل أو الشاب أمام الناس يلغي شخصيته وقد يسبب له أزمات نفسية.
رابعًا: ومن القيود كذلك أن لا يستخدم الضرب مع الطفل الذي لا يعي ولا يفهم، بل إن بعض أهل العلم قال: إن ضرب الابن ممن هو دون العاشرة لا يجوز، واستدل بحديث: (( مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر ) )رواه أبو داود، فقال:"إذا كان الطفل لا يضرب على الصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين إلا عند بلوغ العاشرة، فكيف يضرب على ما سواها قبل العاشرة؟!".
معاشر الآباء، إن القسوة المفرطة ليست حلا ولا هي الطريق لإصلاح الأبناء. لقد بلغت القسوة عند بعض الناس حدا حتى أصبحت الحيوانات أرحم منه، فلقد أودع الله تعالى حب الأبناء والرفق بهم ورحمتهم فطرة في قلوب الحيوانات حتى إن الوحوش لتحنو على صغارها، ولا نرى إلا أن هذه الفطرة قد طمست عند البعض من البشر هداهم الله.
يحدثني أحد الإخوة عن رجل كان يضرب أبناءه ويطردهم من بيته، حتى إنه ليعري ابنه في الشارع أمام الناس. وحدثني آخر فقال: فقدنا أحد أبناء الجيران فلم نعد نره لمدة شهرين، فكنا نسأل أباه عنه، فيقول: هو موجود، ثم شككنا في الأمر واتفقت أنا وبعض أهل الحي أن نذهب لوالده في البيت ونتحرى أمر هذا الولد، فإذا بنا نكتشف أن الأب قد ربطه بسلسلة في البيت تسمح له بالوصول إلى الحمام فقط ولمدة شهرين، وأخذ الابن يستجير بنا عندما رآنا، فشفعنا له.
عباد الله، أيها الآباء والأمهات، إن الضرب الشديد المؤذي بالأسلاك والسلاسل والتعليق في المراوح وإهانة الابن أمام الناس وطرده من البيت ليبيت في الشوارع، كل ذلك ليس سبيلا للإصلاح ولا طريقًا للتقويم، بل إن من نتائج هذه القسوة المفرطة نفور الأبناء وعنادهم وزيادة فسادهم، حتى يصبح الأبناء يتمنون موت والدهم، بل ويدعون الله بذلك. وليعلم هذا الأب القاسي أنه اليوم قوي وابنه ضعيف، وغدًا يشيخ الأب وتضعف قوته ويشب الابن ويقوى، فيصبح الأب لا يستطيع ضربه، ويصبح الابن قادرا على الرد على أبيه فيرد الصاع صاعين كما يقال.
وهذا ـ أيها الإخوة الكرام ـ ما أصبح اليوم يحدث وبكثرة، ولقد كنت ممن رأى ذلك مرة، حيث رأيت شابا يتعارك مع شيخ كبير، فلما أخذت في فض النزاع بينهما وقمت أوبخ الشاب، حيث تجرأ ليمد يده على شيخ كبير، فإذا بي أعرف من الناس أن هذا الشيخ هو والده.
ولا شك ـ عباد الله ـ أن هذا إنما حدث بسبب خلل في التربية، وأغلب الظن أن القسوة المفرطة سبب ذلك، وها قد أصبحنا نسمع اليوم عن حوادث قتل يكون القتيل فيها أبا للقاتل. نسأل الله العافية.
تلك هي القضية أيها الآباء، تلك هي القضية أيها المربون، وهذه بعض سلبياتها، فالحذر الحذر من الوقوع في مثل هذه الأخطاء. إن من مصلحة الأب أن ينشئ ابنه صالحا مصلحا، وتخيل لو أن لك ابنا ربيته فأحسنت تربيته حتى صار عالما من العلماء أو داعية إلى الله يهدي الله على يديه الناس، ويكون ثواب ذلك لك أنت أيها الأب، تجده في ميزان حسناتك، وتخيل لو كان لك من مثل هذا الابن خمسة من الأبناء فكيف ستكون غبطتك يوم القيامة؟!
نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لتربية أبنائنا وأن يهديهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.