الرقاق والأخلاق والآداب, فقه
الصلاة, فضائل الأزمنة والأمكنة
مراد وعمارة
باب الوادي
التقوى
1-اليوم الشاهد ويوم المزيد. 2- الأحداث العظام في يوم الجمعة. 3- سبب تسميته بيوم الجمعة. 4- فضائل اختص بها يوم الجمعة.
ما زلت أحدِّثكم عن مزايا وخصائص يوم الجمعة، وما جاء في فضله وشرفه وبركاته، ذكرنا منها ثلاثة.
4-فالمزيَّة الرابعة من المزايا والخصائص التي شرِّف بها هذا اليوم أنَّه اليوم الشاهد الذي أقسم به الله تعالى في كتابه حين قال: وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ [البروج:2، 3] . قال أبو هريرة: (اليوم الموعود يوم القيامة، والشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة) رواه أحمد بسند صحيح، وروي مرفوعًا عن النبيِّ بطرق يقوي بعضها بعضا، وله شواهد كثيرة.
5-ومن أعظم وأشرف المزايا التي عظَّم الله بها هذا اليوم أنَّه يوم المزيد لحديث أنس بن مالك المتقدِّم، ويوم المزيد هو يوم تجلِّي الربِّ سبحانه لعباده في الجنَّة حتَّى ينظروا إليه ويتمتَّعوا برؤيته والنظر إلى جماله وسماع خطابه.
قال تعالى: لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق:35] ، قال ابن كثير:"هذه الآية كقوله تعالى في الآية الأخرى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:26] ".
وقد ثبت في صحيح مسلم أنَّ الزيادة في الجنَّة هي رؤية المؤمنين لربِّهم تعالى. وذلك يكون مرَّة كلَّ أسبوع في يوم مخصوص هو يوم المزيد وهو يوم الجمعة.
وها هنا حديث تطيش الألباب عند سماعة طربًا ورجاء، حديث عظيم تقدَّم طرف منه ووعدت بذكر تمامه هنا، فأقول: قد ثبت عن أنس بن مالك في حديثه المتقدِّم أنَّ جبريل عليه السلام قال للنبيِّ حين عرض عليه يوم الجمعة، قال: وهو سيِّد الأيَّام عندنا ـ أي: عند الملائكة ـ، ونحن ـ أي: الملائكة ـ ندعوه في الآخرة يومَ المزيد، قال النبيُّ: (( قلت: لم تدعونه يوم المزيد؟ ) )قال: إنَّ ربَّك عزَّ وجل اتَّخذ في الجنَّة واديًا أفيح، من مسك أبيض، فإذا كان يوم الجمعة نزل تبارك وتعالى من علِّيِّين على كرسيِّه، ثمَّ حفَّ الكرسيَّ بمنابر من نور، وجاء النبيُّون حتَّى يجلسوا عليها، ثمَّ حفَّ المنابر بكراسي من ذهب، ثمَّ جاء الصديقون والشهداء حتَّى يجلسوا عليها، ثمَّ يجيء أهل الجنَّة حتَّى يجلسوا على الكثيب، فيتجلَّى لهم ربُّهم تبارك وتعالى حتَّى يُنظر إلى وجهه، وهو يقول: أنا الذي صدقتكم وعدي، وأتممت عليكم نعمتي، هذا محلُّ كرامتي، فسلوني، فيسألونه الرضا، فيقول عزَّ وجل: رضائي أحلَّكم داري، وأنالكم كرامتي، فسلوني، فيسألونه حتَّى تنتهي رغبتهم، فيفتح لهم عند ذلك ما لا عينٌ رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، إلى مقدار منصرف الناس يوم الجمعة. ثمَّ يصعد الربّ تبارك وتعالى على كرسيِّه، فيصعد معه الشهداء والصديقون ـ أحسبه قال: ـ ويرجع أهل الغرف إلى غرفهم درَّة بيضاء، لا فصم فيها ولا وصم، أو ياقوتة حمراء، أو زبرجدة خضراء، منها غرفها وأبوابها، مطردةٌ فيها أنهارها، متدلِّيةٌ فيها ثمارها، فيها أزواجها وخدمها، فليسوا إلى شيء أحوج منهم إلى يوم الجمعة ليزدادوا فيه كرامةً، وليزدادوا فيه نظرًا إلى وجه الله تبارك وتعالى، ولذلك دعي يوم المزيد.
هذا وللحديث بقيَّة تأتي في حين، والحمد لله رب العالمين.
6-المزيَّة الخامسة: أنَّ يوم الجمعة يوم حافلٌ بالأحداث الجسام والكائنات العظام، ففيه خلق آدم، بل أشار إمام الأئمَّة ابن خزيمة في صحيحه إلى أنَّ اسم الجمعة مشتقٌّ من الجمع لأنَّ فيه جمعت أجزاء آدم من التراب، ثمَّ روى الحديث بذلك عن سلمان قال: قال رسول الله: (( يا سلمان، ما الجمعة؟ ) )قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: (( يا سلمان، ما الجمعة؟ ) )قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: (( يا سلمان، ما الجمعة؟ ) )قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: (( يا سلمان، يوم الجمعة به جمع أبوك ـ أو أبوكم ـ ) )يعني آدم. ورواه أحمد والطبراني بسند حسن.
وكذلك يسمَّى يوم الجمعة لأنَّ فيه يجمع الله الخلائق يوم القيامة، وفيه يجتمع المسلمون لهذه الخطبة.
وفي يوم الجمعة أدخل آدم الجنَّة، وفيه أخرج منها، وفيه توفِّي، وفيه أيضًا تقوم الساعة وأهوال القيامة، وفيه ينفخ إسرافيل في الصور، وفيه يصعق الناس ومن في السماوات والأرض. كلُّ هذا حدث ويحدث في يوم الجمعة.
وفي ذلك أحاديث صحيحة، منها ما رواه مسلم وابن خزيمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة؛ فيه خلق الله آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، وفيه تقوم الساعة ) )، وعن أوس بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( إنَّ من أفضل أيامكم يوم الجمعة؛ فيه خلق الله آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة ) )رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه واللفظ له، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: عرضت الجمعة على رسول الله ، جاءه بها جبريل عليه السلام في كفّه كالمرآة البيضاء في وسطها كالنكتة السوداء، فقال: (( ما هذا يا جبريل؟ ) )قال: هذه الجمعة يعرضها عليك ربك، ثمَّ سأله النبيُّ فقال: (( وما هذه النكتة السوداء فيها؟ ) )قال: هذه الساعة تقوم يوم الجمعة. رواه الطبراني في الأوسط بإسناد جيد.
7-المزيَّة السادسة: أنَّه ما من يوم جمعة إلاَّ وتفزع فيه السماوات والأرضُ وما فيها من جبال وبحار ودوابّ وكلُّ الخلائق سوى الإنس والجنِّ، من حين تصبح إلى أن تطلع الشمس شفقًا من قيام الساعة، فعن أبي هريرة عن النبي قال: (( خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم، وفيه أهبط، وفيه تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مصيخة ـ أي: مستمعة مصغية تتوقع قيام الساعة ـ يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس، شفقا من الساعة إلا الجنُّ والإنس ) )رواه مالك في الموطأ وأصحاب السنن وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما.
8-المزيَّة السابعة: أنَّ صلاة الفجر فيه هي أفضل صلاة عند الله تعالى، فقد روى أبو نعيم في حلية الأولياء والبيهقي في شعب الإيمان بسند جيِّد عن ابن عمر أنَّه قال لحمران بن أبان: ما منعك أن تصلِّي في جماعة؟ قال: قد صلَّيت يوم الجمعة في جماعة الصبح، قال: أوما بلغك أنَّ النبيَّ قال: (( أفضل الصلوات عند الله صلاة الصبح يومَ الجمعة في جماعة ) ).
وكان النبيُّ يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة في الركعة الأولى بسورة السجدة، وفي الركعة الثانية بسورة الإنسان. روى ذلك مسلم في صحيحه عن ابن عباس.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"إنَّما كان النبيُّ يقرأ هاتين السورتين في فجر الجمعة لأنَّهما تضمَّنتا ما كان وما يكون في يومها، فإنَّهما اشتملتا على خلق آدم، وعلى ذكر المعاد، وحشر العباد، وذلك يكون يوم الجمعة".
هذا ما سمعتم، والله يغفر لي ولكم.