فهرس الكتاب

الصفحة 3619 من 5777

الاعتبار بزلزال شرق آسيا

التوحيد, موضوعات عامة

الربوبية, جرائم وحوادث

عبد الباري بن عوض الثبيتي

المدينة المنورة

المسجد النبوي

1-كثرة الزلازل. 2- زلزال آسيا. 3- واجبنا تجاه الحدث. 4- عبر وعظات. 5- وجوب الصبر والرجوع إلى الله تعالى. 6- ضعف الإنسان وعجزه. 7- بين زلزال الدنيا وزلزال الآخرة. 8- المخرج وسبيل النجاة. 9- استنكار تفجيرات الرياض.

أمّا بعد: فأوصيكُم ونفسي بتقوَى الله، قَال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] .

إخوةَ الإسلام، كثُرت الزلازل في هذا العصرِ، وهذا تأكيدُ وتصديق ما جاء في الحديثِ: (( لا تقوم الساعة حتى تكثُر الزلازل ) ) [1] ، وعن سلمةَ بن نفَيل قال: كنا جلوسًا عند رسول الله فذكر الحديث وفيه: (( بينَ يديِ الساعةِ موتان شديدٌ، وبعده سنواتُ الزّلازل ) )أخرجه أحمد [2] .

أطافَ ببعض الأرضِ طائفُ الزلازل، فأحال الأمنَ خوفًا والحياة موتًا والعامِر خرابًا، وجعل المدينة الناضِرة يبابًا، وفي مثلِ طرفةِ عينٍ وانتباهَتِها غيَّر الله من حالٍ إلى حال، فإذا ألوفُ القتلى، وألوفٌ من الجرحَى، وألوف من المشرَّدين، فاستبدَّ الألمُ بالجميع حتى خُيِّل إليهم أنَّ القيامةَ قامت، فهذه أمٌّ فقَدَتِ ابنها، وذاك ابنٌ ينادِي أمَّه، ومشاهدُ دامية يعجز البَيان عن وصفِها، قال الله تعالى: الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة:156] .

ودورُنا في الحدَث الإسهامُ والمسح بيَدِ الرّحمة والشّفقَة والمواساةِ للأنفس الحزينةِ التي تئنّ تحت وطأةِ المصاب وتعيش الألمَ وتتجرَّع الحزن، ورسولنا يقول: (( واللهُ في عونِ العبد ما كان العبدُ في عونِ أخيه ) )أخرجه مسلم [3] . والإسلامُ رَحِمٌ ورَحمة، قال الله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10] .

هذا الزلزالُ الذي زلزلَ العمران والمبَاني كما زلزَل القلوبَ والأنفس، وهدَم الكثيرَ من المنازل، وشرَّد الآلافَ من السكان، وقتل المئات من الأفراد، آلمَتِ المسلمينَ أحداثُه، وهو قدَرُ الله وقضاؤه. والزلازلُ لا تقرَع الأبوابَ إلا بغتةً، فعندما تتحرَّك الأرضُ بصوتها المخيفِ ودويِّها الرهيب وعندما تتساقط الجُدران وسُقُف الأبنية وعندما يصبِح أعلى الأرضِ أسفلَها وأسفلُها أعلاها، في تلك اللحظةِ يشعر الإنسانُ بجلال الله وعظمتِه وسلطانه وجبروتِه، قال تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر:67] .

في المحنِ والمصائِبِ يعرِف الناسُ عزَّ الرّبوبيّة وقهرَها، وذلَّ العبودية وكسرَها، وأنّ الخلقَ كلَّهم ملكُه وعبيده، راجِعون إلى حكمِه وتدبيره، لا مفرَّ لهم منه، ولا محيدَ لهم عنه، والمؤمِنون على يقينٍ أنّ أفعالَ الله عز وجل تتضمَّن الحكمةَ وإن غابت عن عقولِنا المحدودةِ هذه الحكمةُ في بعضِ الأحيان.

المؤمِنُ يعتقد أن الله خالقُ هذا الكون، كلّ ما يتحرَّك في السماء وما تمورُ به الأرض كلُّ نسمةِ بَشر وحَرَكة شجر بإذنِ الله تبارك وتعالى، قال الله تعالى: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا [الفرقان:2] . لا يفعل الله شيئًا عَبثًا، لا يفعل شيئًا إلاّ لحكمةٍ ارتضاها، ولا يجرِي في الكون أمرٌ إلا بتدبيره وتقديرِه، قال تعالى: وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام:59] . وبهذا نعلَم أنّ الذي يسيِّر الطبيعةَ ويُسيِّر الكونَ هو الله تبارك وتعالى، وللمسلم من قبلُ ومن بعدُ الرِّضا الموجبُ لرضوانِ الله، فإنَّ المصائب تنزل بالبَرّ والفاجر، فمن سخِط فله السّخطُ، ومن رضِيَ فله الرضا.

والمؤمِنون يتعامَلون مع الأحداث بالعظةِ والاعتبار، قال تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى [النازعات:26] ، وينهَلون منها الدروسَ التي تفتح الآذانَ وتوقِط القلوب وتحرِّك المشاعر، قال تعالى: وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا [الإسراء:59] .

هذا الحدث في عنوانه ابتلاءٌ، وحياةُ المسلِم يتخلّلها ابتِلاء، قال تعالى: إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ [الإنسان:2] ، وقال تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء:35] . والمؤمَّل أن يكون المسلم مرهفَ الإحساسِ لهذه الأمور، قال تعالى: فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنعام:43] .

هذه الزلازلُ لها مغزًى عميق وعِبرةٌ للمعتبرين، ورسالة لمن اغترَّ بلعمه وخُيِّل إليه أنّه بلغ الآفاقَ وقدر على كلِّ شيءٍ أنّه ضعيف أمام قدرة الله، عاجزٌ هو وعِلمه عن دفع أمرٍ كتَبَه الله عليه. الإنسانُ مهما بلَغ عِلمه وماله وجاهُه فهو ضعيفٌ أمام قدرةِ الله، لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا. الإنسان المغرورُ المختال الفخور هذا هو شأنُه، إنه ضعيفٌ لا يملك شيئًا من هذا الكون، قال الله تعالى: وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا [النساء:28] ، وقال تعالى: وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ [العنكبوت:22] .

هذه الأحداثُ تبيِّن للإنسانِ قيمةَ هذه الدنيا وقدرَها ومِقدارها ومآلها، فهي معرَّضَة للزوال صائِرةٌ إلى الفناء، وأنها مَتاع الغرور، وأنها ظِلّ زائل ونعيم خادِع. هذه الدّنيا التي عليها يتقاتَلون وخلفَ حُطامها يلهثون لا تساوِي شيئًا، قال الله تعالى: وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ [الحديد:20] ، قال تعَالى: قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ [النساء:77] .

إنَّ زلزالَ الدنيا مَهول، وآثارُه مدمِّرة، وواقعُه مُفجِع، وهو في ذاتِ الوقت موقِظٌ لنا من رَقدتنا لنتذكَّرَ الآخرةَ، لقد خدَّرتَنا الدنيا بمفاتِنها، وشغَلتنا بهجتُها، حتى كأنّنا مخلَّدون على ظهرها، غير مرتَحِلين إلى بطنِها، وكأنَّ الموتَ صائِرٌ إلى غيرِنا دونَ أن يمسَّنا، وغدَتِ الآخرة قِصصًا تُتلَى وحديثًا يُروى ثم ينسَى، قال تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ [المؤمنون:115] . إنّه إنذارٌ شامِل لنعلمَ أنّ الحياةَ مؤقَّتة، وأنّ الأجلَ قريب مهما طالَ الأمل، وأنّ العبدَ عُرضة في كلِّ لحظةٍ وآنٍ للرّحيل عن دار الدنيا، قال تعالى: وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان:34] .

زلزالُ الدّنيا أرضٌ ترتجِف ومبانٍ تسقُط، يموت مَن يموت، ويحيَا مَن بقِيَ له من عُمُره بقيّة، أمّا زِلزال الآخرةِ ففيها تذهَل المراضع، وتضَع الحوامل، وتشيبُ الولدان، والنّاس كالسُّكارى من هولِ الموقِفِ ومن الذّعرِ، قال تَعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج:1، 2] .

ذهل النّاسُ في زلزالِ الدّنيا مِن هول المنظَر وشدّةِ الفاجعةِ، في قِطعةٍ محدودة من الأرض ثم ينتَهي الأمر، أمّا زلزال الآخرةِ فالأرض كلُّها تبدَّل والسماوات، والجِبالُ الشامخة تنسَفُ نَسفًا، والبِحارُ تفجَّر، وتنشقُّ السماء وتكشَط، وتغيُّراتٌ عَجيبة، قال تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ [إبراهيم:48] ، وقال تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا [طه:105-107] .

لقد سمِعنا في زلزالِ الدّنيا اليسير مَن ذهل من هولِ الفاجِعة عن زوجهِ وأولادِه، بل خرَج من بيته وقد نسِيَ ما يستُر به جسدَه، فقد شغِلَ بما هو أعظم، وفي القيامةِ يقول الرسول عن عائشة رضي الله عنها: (( يحشَرُ الناسُ يومَ القيامَةِ حُفاةً عراة غُرلًا ) )، فقلت:يا رسول الله، النساءُ والرجال ينظر بعضُهم إلى بعض؟! قال: (( يا عائشة، الأمرُ أشدُّ من أن ينظرَ بعضُهم إلى بعض ) )أخرجه البخاري ومسلم [4] .

وسبيلُ النجاة والمخرَج منَ الكرب والفِتنة والشِدّة والمحنة اللّجوء إلى الله تعالى وحدَه والفزَعُ إليه والصلاة، قال تعالى: فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ [الأنعام:42] ، وعن حذيفة رضي الله عنه رفعه قال: (( يأتي عليكم زمانٌ لا ينجو فيه إلاّ من دعا دعاءَ الغريق ) ) [5] ، وقال: (( لا يرُدُّ القدَرَ إلا الدعاء ) ) [6] ، وقال أيضًا: (( من سرَّه أن يستَجَاب له عند الكربِ والشّدائدِ فليكثِرِ الدعاءَ في الرخاء ) )رواه الحاكم وصححه [7] . ودعوةُ المضطرِّ مجابَةٌ، قال تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ [النمل:62] .

مِن أسبابِ النجاةِ التوبةُ والاستغفار، وذلك بتركِ الذنوب والعَزم على عدَم العودةِ إليها، قال تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال:33] .

مِن أسبابِ النّجاةِ الإصلاحُ والأمر بالمعروف والنهيُ عن المنكر، قال تعالى: فَلَوْلا كَانَ مِنْ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنْ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ [هود:116] ، وقال تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود:117] .

الصّدقةُ وبَذل المعروفِ مِن أسبابِ النّجاةِ، قال: (( صنائِعُ المعروف تقِي مصارعَ السوء، وصدَقَة السِرّ تطفِئ غضَبَ الربِّ، وصِلةُ الرحم تطيل العمرَ ) ) [8] .

بارَك الله لي ولكم في القرآنِ العظيم، ونفعني وإيّاكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيمِ، أقول قولي هذَا، وأستغفِر اللهَ العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنّه هو الغفور الرّحيم.

[1] أخرجه البخاري في كتاب الفتن (7121) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[2] مسند أحمد (4/104) ، وأخرجه أيضا الدارمي في المقدمة (55) ، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (2461) ، والطبراني في الكبير (7/51) ، وأبو يعلى (6861) ، وصححه ابن حبان (6777) ، والحاكم (8383) ، وقال الهيثمي في المجمع (7/306) :"رجاله ثقات".

[3] صحيح مسلم: كتاب الذكر والدعاء (2699) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[4] صحيح البخاري: كتاب الرقاق (6527) ، صحيح مسلم: كتاب الجنة (2859) .

[5] أخرجه البيهقي (2/40) ، والحاكم (1/507، 4/425) وصححه على شرطهما، وأخرجه ابن أبي شيبة (6/22، 7/451) ، وأبو نعيم في الحلية (1/274) ، والبيهقي (2/40) عن حذيفة موقوفًا. وورد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا، أخرجه ابن راهويه في مسنده (424) ، والبيهقي في الشعب (2/40) ، وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب والترهيب (1236) . وأخرجه ابن أبي شيبة (7/531) عنه موقوفًا. وروي من كلام محمد بن المنكدر كما في الحلية لأبي نعيم (3/151) .

[6] أخرجه ابن ماجه في المقدمة، باب: في القدر (90) ، وابن المبارك في الزهد (86) ، والطحاوي في مشكل الآثار (4/169) ، والطبراني في الكبير (1442) من حديث ثوبان رضي الله عنه، وصححه ابن حبان (3/153-872) ، والحاكم (1/493) ، وقال البوصيري في الزوائد (ص15) :"وسألت شيخنا أبا الفضل العراقي رحمه الله عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث حسن"، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (154) .

[7] مستدرك الحاكم (1997) عن أبي هريرة رضي الله عنه، وهو عند الترمذي في الدعوات (3382) ، وأبي يعلى (6396، 6397) ، وقال الترمذي:"حديث غريب"، وهو في السلسلة الصحيحة (593) .

[8] أخرجه الطبراني في الكبير (8/261) عن أبي أمامة رضي الله عنه، قال المنذري في الترغيب (2/15) والهيثمي في المجمع (3/115) :"إسناده حسن"، وله شواهد كثيرة عن عدد من الصحابة منهم: أنس ومعاوية بن حيدة وأبو سعيد وابن مسعود وابن عباس وأم سلمة وأبو هريرة وعبد الله بن جعفر رضي الله عنهم، ولذا حسنه الألباني في صحيح الترغيب (889) .

الحمدُ لله الذي خلَق فسوّى، والذي قدَّر فهدى، أحمده سبحانه وأشكرُه، وأشهد أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريك له، له الأسماء الحسنى والصِّفات العلى، وأشهد أنّ سيّدنا ونبيّنا محمّدًا عبده ورسوله، صاحبُ المقام الأسنى والخُلُق الأوفى، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبِه ومَن سلك سبيلَهم واقتفى.

أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوَى الله، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70، 71] .

إنَّ القلبَ ليحزنُ وإنَّ العقلَ ليذهَل حين يرقُبُ المسلم هذه الأحداثَ الدّامية والتّفجيراتِ المفزِعة التي وقَعَت قبلَ أيّامٍ في الرّياض وغيرها من هذه البلادِ، تولَّى كِبرَها فِئامٌ يحمِلون فكرًا سقيمًا ومنهَجًا منحرِفًا، فيهدِمون البناءَ ويعطِّلون التنميَةَ ويزعزِعون الأمنَ ويفسِدون الخيرَ ويريقون دماءَ المسلمين بلا وازعٍ من ضميرٍ ولا خوفٍ من ربٍّ منتقِمٍ جبّار، يتلمَّسون متنفَّسًا لحِقدِهم الدّفين ونفوسِهم المريضةِ التي عشعَشَت في جَنَباتها تصوُّراتهم المظلِمة. إنَّ هذه الأعمالَ التي تحصدُ أرواحَ العشرات من المسلمين لا تقومُ على أساسٍ شرعيٍّ، ولا تقبلُها العقولُ السليمةُ والفِطَر السويّة، وهي فِعلةٌ تتضمَّن البغيَ والظلم.

كيف سوَّلت لهم أنفسُهم حملَ أرتالٍ مِن وسائلِ التدمير، يمزِّقون بها جسَدًا طاهرًا ولِسانًا ذاكرًا وقَلبًا مخبِتًا وطِفلا بريئًا، ورسولُنا يقول: (( مَن أشار إلى أخيهِ بحديدةٍ فإنَّ الملائكةَ تلعنُه حتى يدعَه وإن كان أخاه لأبيه وأمِّه ) ) [1] .

هذهِ الأعمالُ تشيع الهلَعَ وتثير الفزَعَ، تشعِلُ شرارةَ فِتنة داخليّة تدمَّر فيها الطاقاتُ وتهدَر فيها المكتسَبات. إنَّ التفريطَ في أمنِ المجتمع تدميرٌ له ولمكتسباتِه ودعائمِه؛ لذا يجِب علينا أن نسعَى جميعًا للحفاظِ على هذا الأمن، بسدِّ الثغرَاتِ التي يمكن أن تحدثَ شَرخًا في هذا المجتمع، أو تجعَلَ جسدَه مثخَنًا بالجِراح، فينشغِل برَدمِها عن دورِه ورسالتِه وبِناء مجتمَعِه وأمّته.

بيَّن القرآن أنّ سِمةَ المنافقين زعزعةُ أمنِ المجتمع والإفسادُ فيه وإشاعةُ الفتنةِ بدعوَى الإصلاح، قال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ [البقرة:11، 12] . وعَلى الجميعِ أن يحِسّوا بواجِبِهم الشرعيّ لرأبِ الصَّدع في البنيان، ومعظَم النارِ من مستَصغَرِ الشّرَر.

إنَّ شناعةَ الجريمة جليّة لا تكتنِفها شُبهةٌ، وناصِعة لا شكَّ فيها ولا تردُّد، وممّا يثير العَجبَ كيفَ غيَّبَ هؤلاء نصوصَ الشرعِ وعقولَهم حتى أراقوا دماءَ الأبرياءِ وأسبَلوا دموعَ الثَّكالى وأجَّجوا لوعةَ كلِّ مسلمٍ وأحلّوا قومَهم دارَ البوار، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف:104] ، الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ [الشعراء:152] .

ألا وصلّوا ـ عباد الله ـ على رسول الهدى، فقد أمركم الله بذلك في كتابِهِ فقال: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .

اللّهمَّ صَلِّ وسلِّم على عبدِك ورسولِك محمّد، وارضَ اللهمّ عن الخلفاءِ الأربعةِ الرّاشدين...

[1] أخرجه مسلم في البر (2616) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت