فهرس الكتاب

الصفحة 716 من 5777

المعجزة الكبرى القرآن 1

قضايا في الاعتقاد

معجزات وكرامات

عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري

المدينة المنورة

قباء

تأييد الله لرسوله بالمعجزات - المعجزة الكبرى - استعذاب صناديد الكفر للقرآن ( أمثلة ) أثر الكبر والحسد في الكفر

أما بعد:

لما بعث الله تبارك وتعالى خليله ومصطفاه ونبيه ومجتباه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة وحمله عبء تبليغها لم يتركه هملا بل أيده بالمعجزات الظاهرات وأظهر صدقه بالآيات البينات وما من معجزة أوتيها نبي الله من قبله على مثلها آمن البشر إلا وأوتي مثلها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فأوتي من الآيات والمعجزات الكونية ما على مثله آمن البشر فكلمه الشجر والحجر وانشق له القمر وحن إليه الجذع وبرأ المريض ببركته صلى الله عليه وسلم وفاض الخير ببركته وفاض الطعام من بركة يده صلى الله عليه وسلم إلى غير ذلك من المعجزات الكونية التي سنذكر طرفا منها إن شاء الله تعالى في الجمع القادمة أما معجزته الكبرى فكانت هذا القرآن كانت هذا القرآن كتابا يتلى فيه تفصيل كل شيء وأعجز العرب بأسلوبه وبلاغته وهم أمة الفصاحة والبلاغة والبيان للبلاغة عندهم شأن عظيم فجاءت المعجزة الكبرى من جنس ما برعوا به هذا القرآن الكريم أعجزهم ببلاغته وإسلوبه وحكم بلاغه وقوة سبكه لذلك لما سمعوه ما سمعه أحد من العرب الفصحاء إلا اهتز له وأثر فيه وملك مجامع قلبه وأخذ بلبه بقوة مضمونه وحلاوة إسلوبه وجلالة معانيه حتى أشد قريش عداوة للنبي صلى الله عليه وسلم ولما جاء به كانوا يستعذبون سماع هذا القرآن ويؤثر فيهم فعن الحافظ الزهري رحمه الله قال: حدثت أن أبا جهل وأبا سفيان والأخنس بن شريق خرجوا ليلة يتسمعون للنبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي بالليل في جوف بيته فأخذ كل رجل منهم مكانه حول بيت النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعلم كل واحد منهم بمكان صاحبه يتسمعون القرآن بترتيل خير الخليقة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فمكثوا كذلك حتى أصبحوا فلما أصبحوا وتفرقوا جمعتهم الطريق أي إلتقوا في الطريق فتلاوموا وقال بعضهم لبعض فلو رآكم السفهاء لوقع في نفوسهم شيء لوقع في نفوسهم الإسلام والإقبال على هذا القرآن فلما كان من الليلة الثانية عادوا لمثل ذلك فلما إنصرفوا وتلاقوا تلاوموا لذلك حتى إذا كانت الليلة الثالثة وعادوا لذلك ثم تفرقوا فجمعتهم الطريق فتلاوموا وتعاهدوا ألا يعودوا لذلك أبدا فسبحان الله أنظر كيف أثر هذا القرآن العظيم في نفوس هؤلاء الفصحاء مع أنهم كانوا من أشد قريش عداوة للنبي صلى الله عليه وسلم ولما جاء به على الرغم من أنه أثر فيهم مع أنهم أهل الفصاحة أهل السليقة اللغوية الراقية فأثر فيهم هذا القرآن العظيم بحلاوة إسلوبه وقوة مضمونه ولكنهم لكبريائهم وعنادهم لم ينقادوا إلى الحق وعن جابر بن عبد ال [1] له رضي الله عنه قال: قال أبو جهل والملأ من قريش: لقد إنتشر عليكم أمر محمد فإلتمسوا رجلا يعرف السحر والكهانة والشعر فيكلمه ثم يأتينا ببيان من أمره فقال عتبة بن ربيعة: إني قد عرفت السحر والكهانة والشعر وعلمت من ذلك علما وما يخفى علي إن كان كذلك فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فلما أتاه قال له: يا محمد وفي رواية يا إبن أخي أنت خير أم هاشم؟ أنت خير أم عبد المطلب؟ أنت خير أم عبد الله؟ فلم يجبه النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال عتبة: فيم تشتم آلهتنا وتضلل آباءنا؟ إن كان إنما بك الرياسة جمعنا لك ألويتنا فصرت فينا رأسا ما بقيت وإن كان إنما بك الباءة زوجناك بعشرة نسوة تختارهن من أي أبيات قريش شئت وإن كان إنما هو المال جمعنا لك من أموالنا ما تستغني به أنت وعقبك من بعدك والنبي المصطفى صلى الله عليه وسلم ساكت حتى فرغ عتبة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في بعض الرايات: (( أفرغت يا أبا الوليد ) )قال: نعم قال: (( فاسمع بسم الله الرحمن الرحيم: حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون ) )، حتى بلغ صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود [فصلت:1-13] . فوثب عتبة حينئذ ووضع يده على فم النبي صلى الله عليه وسلم وناشده الرحم أن يكف عنه واحتبس عتبة فلم يخرج إلى أهله فقال عدو الله أبو جهل: يا معشر قريش ما أرى عتبة إلا قد صبأ إلى محمد وأعجبه طعامه وما ذاك إلا لحاجة وقعت به فانطلقوا بنا إليه فأتوه فقال له أبو جهل: إنا قد حسبناك صبأت إلى محمد وأعجبك طعامه فإن كان لك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما تستغني به عن طعام محمد فغضب عتبة وأقسم ألا يكلم محمدا أبدا ثم قال لهم: إني قد أتيته وكلمته وقص عليهم القصة ثم قال: فأجابني بشيء ما هو بسحر وكهانة ولا شعر قال: بسم الله الرحمن الرحيم: حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون ، حتى بلغ: فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود [فصلت:1-13] . فوضعت يدي على فمه يقول عتبة للملأ من قريش فوضعت يدي على فمه وناشدته الرحم أن يكف فلقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لا يكذب وإني خشيت أن ينزل بكم العذاب.

الله أكبر هؤلاء جبابرة قريش أعداء الدعوة النبوية أشد الناس عداوة للنبي صلى الله عليه وسلم ولما جاء به ومع ذلك فعلت هذه المعجزة الكبرى فعلها في اظهار صدقه صلى الله عليه وسلم وصدق نبوته وأقامت الحجة عليهم وانبلج صدق نبوته صلى الله عليه وسلم كالشمس وهل ينكر الشمس إلا من في عينه رمد وهم عرب فصحاء أهل فصاحة وبيان وبلاغة ويعرفون أسرار البيان والفصاحة والبلاغة ولذلك أثر فيهم هذا القرآن واستيقنت نفوسهم أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم صادق إذا قال شيئا لا يكذب ولذلك تملك الرعب ذلك الجبار عتبة بن ربيعة لما سمع الوعيد وعيد هذا القرآن يقرأه عليه النبي صلى الله عليه وسلم وظن أنه واقع بهم لا محالة ووضع يده على فم النبي صلى الله عليه وسلم ومع ذلك لم ينقادوا إلى الحق كبرا وحسدا وعنادا فأنظر ماذا يفعل الكبر وماذا يفعل العناد وماذا يفعل الحسد فسبحان من بيده كل شيء من بيده أزمة القلوب يهدي من يشاء ويضل من يشاء أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا [طه:113] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

[1] أخرجه عبد بن حميد (3/61-62) وأبو يعلى في مسنده (1818) وغيرهما وسنده لا بأس به.

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين واشهد ألا إله ألا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار واعلموا أن الجماعة هي التمسك بالكتاب والسنة وبمنهج الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين. يا ابن آدم أحبب من شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه وكن كما شئت فكما تدين تدان ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال جل من قائل: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما [الأحزاب:56] . وقال صلى الله عليه وسلم: (( من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشرا ) ) [1] اللهم صلي وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد وأرضَ اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة أبى بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبي السبطين علي وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين وعن الصحابة أجمعين وعن التابعيين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.

[1] أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الصلاة باب الصلاة على النبي بعد التشهد (1/306) رقم (408) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت