فهرس الكتاب

الصفحة 2281 من 5777

السيرة النبوية(19)

سيرة وتاريخ

السيرة النبوية

عبد الله الهذيل

الرياض

فيحان

1-إعجاب المسلمين بكثرة عددهم في حنين. 2- خروج أهل الطائف إلى أوطاس. 3- هزيمة المسلمين في بداية المعركة. 4- ثبات النبي وبعض أصحابه. 5- هزيمة المشركين وفرارهم إلى الطائف. 6- توزيع الغنائم وتألف قلوب الطلقاء. 7- وَجْدُ الأنصار على النبي صلى الله عليه وسلم.

أيها الأحبة في الله, مضى لنا في أحاديث السيرة النبوية ثمانية عشر درسًا وتنقلنا في جنباتها العطرة حتى وقف بنا الحديث عند ذكر الفتح الأعظم ودخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة, وقد خضعت له بكاملها برجالها ونسائها.

فسقطت بذلك أكبر قوة من العرب, كانت تواجه النبي صلى الله عليه وسلم وتقف عائقًا له في دعوته، فكان سقوطها وانهزامها ضربة قاصمة في عنق كل قبيلة مشركة حولها.

ونمضي اليوم في تدارس أحداث تلك السيرة, ومع الدرس التاسع عشر, نبدؤه بذكر غزوة حنين.

تلك الغزوة التي كان عدد المسلمين فيها اثني عشر ألفًا، مما جعل كثيرًا من المسلمين يطمئن إلى هذا العدد، ويعجب به ويوكل إليه حتمية النصر، ولكن الأمر كان على خلاف هذا الظن كما قال تعالى: لَقَدْ نَصَرَكُمُ ?للَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ?لارْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ثُمَّ أَنزَلَ ?للَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى? رَسُولِهِ وَعَلَى ?لْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ وَذ?لِكَ جَزَاء ?لْكَـ?فِرِينَ [التوبة:26,25] .

أيها الأحبة في الله, ومبدأ تلك الغزوة أن بعض القبائل حول مكة غاظها ما ناله المسلمون من نصر في فتح مكة فأجمعت أمرها على نصرة قريش ومحاربة النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه، وكان على رأس تلك القبائل هوازن وثقيف.

اجتمعت رؤوس تلك القبائل على سيّد هوازن (مالك بن عوف) , وكان شديدًا ذا شجاعة إلا أنه كان سقيم الرأي سيء المشورة، إذ عزم على قومه أن يأخذوا معهم نساءهم وأموالهم وذراريهم ليشعر كل رجل منهم أن حرمته وثروته وراءه فلا يفرّ عنها، فكان عاقبة ذلك أن فرّ الجيش عنها.

سار مالك بن عوف ومن معه حتى نزل بأوطاس واجتمع إليه الناس من شتى القبائل المعادية للإسلام، حتى اجتمع له ما يقرب من ضعف عدد المسلمين.

نقلت الأخبار إلى النبي صلى الله عليه وسلم مسيرَ العدو، فبعث إليه أبا حدرد الأسلمي ليأتي بخبرهم ففعل.

فلما عاد أبو حدرد بخبر مسيرهم غادر النبي صلى الله عليه وسلم مكة في اثني عشر ألف مقاتل، واستخلف على مكة عتّاب بن أسيد.

وفي مسير الجيش جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن عن بكرة أبيهم بظعنهم وبنعمهم وشاتهم اجتمعوا إلى حنين، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (( تلك غنيمة المسلمين غدًا إن شاء الله ) )رواه أبو داود [1] .

وكان الطلقاء ـ وهم حديثو العهد بالإسلام ـ كثرًا في جيش المسلمين، فلذلك لما رأوا شجرة يعلق عليها المشركون أسلحتهم، قالوا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال صلى الله عليه وسلم: (( سبحان الله، قلتم كما قال قوم موسى?: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة، والذي نفسي بيده لتركبن سنن من قبلكم ) ) [2] .

سارت هوازن ومن معها وسبقت المسلمين إلى حنين، واختاروا مواقعهم، وبثوا كتائبهم.

ولما وصل المسلمون إلى وادي حنين وجدوا المشركين قد سبقوهم إليه، فأقاموا عنده، وبالسَّحر عبأ النبي صلى الله عليه وسلم الجيش.

وفي عماية الصبح استقبل المسلمون وادي حنين وشرعوا ينحدرون فيه، وهم لا يدرون بوجود كمناء في مضايق هذا الوادي، وبينما هم ينحدرون إذا نبال الكمين تمطرهم وإذا كتائب العدو قد شدت عليهم.

فرجع كثير من المسلمين لا يلوي أحد على أحد، وكادت تلحق بهم هزيمة محققة، حتى إن بعض من كانت رواسب الجاهلية قابعةً في قلبه صرح مناديًا: ألا بطل السحر اليوم!

وهكذا قفل كثير من المسلمين راجعين، وثبت النبي صلى الله عليه وسلم وانحاز إلى جهة اليمين، وهو يقول: هلموا إليّ أيها الناس، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله، ولم يبق معه في موقفه إلا قليل.

وظل صلى الله عليه وسلم يركض ببغلته إلى الكفار وهو يقول:

أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب

ويدعو: اللهم أنزل نصرك.

وأمر النبي صلى الله عليه وسلم العباس ـ وكان جهير الصوت ـ أن ينادي في الناس, فنادى بأعلى صوته: أين أصحاب السمرة، يا معشر الأنصار، يا أصحاب البيعة يوم الحديبية.

وهكذا ظل ينادي أصحاب السبق وأهل الفضل، لأنهم هم الأثبت قدمًا والأربط جأشًا، وعليهم تعوّل كُبريات الأمور بعد الله تعالى.

لذلك ما إن بلغ الصوت آذانهم حتى أجابوه: لبيك لبيك، ويذهب الواحد منهم ليثني بعيره فلا يستطيع لكثرة الراجعين، فما يكون منه إلا أن يأخذ درعه ويقذفها في عنقه، ويأخذ سيفه وترسه ويقتحم عن بعيره ويخلي سبيله، فيؤم الصوت.

واجتمع المهاجرون والأنصار حول النبي صلى الله عليه وسلم فظلوا يقاتلون قتال رجل واحد، ونظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى ساحة القتال، وقد استمر واحتدم فقال: (( الآن حمي الوطيس ) )، ثم أخذ قبضة من تراب فرمى بها وجوه القوم وقال: (( شاهت الوجوه، انهزموا ورب محمد ) ) [3] .

ولم تصمد هوازن وثقيف طويلًا في الجولة الثانية، بل فروا من الميدان تاركين وراءهم نساءهم وثرواتهم.

وتعقبهم المسلمون للقضاء على شوكتهم، حتى لجأ أكثرهم إلى الطائف فتحصنوا بها.

وعند ذلك توجه النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون إلى الطائف بعد أن جمعت غنائم حنين ليتم تقسيمها بعد العودة من الطائف.

توجه صلى الله عليه وسلم إلى الطائف بعد أن التجأت إليها فلول هوازن وثقيف، وحاصرهم فيها بضع عشرة ليلة، أمر برميهم بالسهام، ونادى في عبيد الطائف أن من نزل من الحصن فهو حرّ، فخرج ثلاثة وعشرون من العبيد، فكانت من أول بركات الإسلام عليهم أن نشلهم من قيود الرق.

رغم طول الحصار إلا أن أهل الطائف كانوا قابعين في الحصن ولم يستسلموا.

فرأى النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يشق على المسلمين بطول المكث في الحصار، خاصة وأن ثقيف وهوازن قد انكسرت شوكتهم، فلا قبل لهم بمقاومة المسلمين. فرجع صلى الله عليه وسلم إلى حنين حيث الغنائم التي حازها المسلمون.

وبدأ صلى الله عليه وسلم بقسمة تلك الغنائم، فكانت قسمة غاية في العدل والحكمة؛ فقد كان صلى الله عليه وسلم حريصًا على تأليف رؤوس قريش ليكون ذلك داعيًا إلى رسوخ الإيمان في قلوبهم وقلوب أقوامهم، فأعطاهم عطاء من لا يخشى الفقر.

حتى كان الناس يزدحمون عليه يبغون المزيد حتى اضطروه إلى شجرة فانتزعت رداءه، فقال: (( أيها الناس، ردوا عليّ ردائي، فوالذي نفسي بيده لو كان لكم عندي عدد شجر تهامة نعمًا لقسمته عليكم، ثم ما ألفيتموني بخيلًا ولا جبانًا ولا كذابًا ) ) [4] .

وهكذا ظل صلى الله عليه وسلم يعطي الناس ويؤلف قلوبهم على الإسلام، وكان حديثو العهد بالإسلام أحظى من غيرهم بتلك الغنائم، وما كان ذلك لفضلهم عليهم، بل السابقة والفضل لمن حاز السبق، ولكن السابقين كانوا على قدم راسخة في الإيمان لا يتطلعون معها إلى أي نصيب من أنصبة الدنيا.

فلذلك, وكَلهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك، أما الطلقاء فهم بحاجة إلى ما يقودهم إلى ذلك الرسوخ وإزالة كل شوائب الجاهلية العالقة في نفوسهم، فكان لهم ذلك العطاء ترغيبًا وتأليفًا.

بيد أن الأنصار رضي الله عنهم تخوفوا من تلك القسمة أن تكون التفاتًا ورغبة من النبي صلى الله عليه وسلم عنهم بعد أن دان له قومه.

فتحدثوا بذلك بينهم، حتى بلغ الخبر للنبي صلى الله عليه وسلم فجمعهم وخطب فيهم بما قرت به أعينهم وأبان فضلهم على الناس.

روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم يوم حنين وقسم للمتألفين من قريش وسائر العرب ما قسم، ولم يكن في الأنصار شيء منها، قليل ولا كثير, وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى قال قائلهم: لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه. فمشى سعد بن عبادة إلى رسول الله فقال: يا رسول الله، إن هذا الحي من الأنصار وجدوا عليك في أنفسهم!! قال: فيم؟ قال: فيما كان من قسمك هذه الغنائم في قومك وفي سائر العرب ولم يكن فيهم من ذلك شيء. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( فأين أنت من ذلك يا سعد؟ ) )قال: ما أنا إلا امرؤ من قومي، فقال رسول الله: اجمع لي قومك في هذه الحظيرة، فإذا اجتمعوا فأعلمني.

فخرج (سعد) فصرخ فيهم فجمعهم في تلك الحظيرة, حتى إذا لم يبق من الأنصار أحد إلا اجتمع له أتاه، فقال: يا رسول الله، اجتمع لك هذا الحي من الأنصار حيث أمرتني أن أجمعهم.

فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام فيهم خطيبًا، (( فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: يا معشر الأنصار، ألم آتكم ضلالًا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم ؟!.

قالوا: بلى! قال رسول الله: ألا تجيبون يا معشر الأنصار؟

قالوا: وما نقول يا رسول الله؟ وبماذا نجيبك؟ المن لله ورسوله؟

قال: والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصُدِّقتم: جئتنا طريدًا فآويناك، وعائلًا فآسيناك، وخائفًا فأمنّاك، ومخذولًا فنصرناك.

فقالوا: المن لله ورسوله؟ فقال: أوجدتم في نفوسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفت بها قومًا أسلموا ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام !!.. أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاء والبعير وتذهبون برسول الله إلى رحالكم؟!..

فوالذي نفسي بيده لو أن الناس سلكوا شعبًا، وسلكت الأنصار شعبًا لسلكت شعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار )) .

فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا بالله ربًا ورسوله قسمًا. ثم انصرف وتفرقوا [5] .

وبعد قسمة غنائم حنين قدم وفد هوازن إلى النبي صلى الله عليه وسلم مسلمًا، فسألوه أن يمنّ عليهم برد السبي والأموال.

فخيّرهم بين السبي والأموال, فقالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئًا. فقال: أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وسأسأل الناس لكم، فشفع لهم عند الناس فقبلوا شفاعته، فرد الناس السبي عليهم [6] .

ثم بعد ذلك أهلّ النبي صلى الله عليه وسلم معتمرًا من الجعرانة، فأدى العمرة ثم انصرف بعد ذلك إلى المدينة، فأصبحت دارًا استقرّ بها، فلم يتخل عنها حتى بعد أن فتح الله عليه مكة.

أيها الأحبة في الله, فتأملوا مسيره إلى المدينة هذه المرّة، وأعيدوا صفحات السنين لتقارنوا بين هذا المسير، ومسيره بعد أن أخرجه قومه منها.

فلله ما أفسح المدى بين هذه الآونة الظافرة بعد أن توج الله هامته بالفتح المبين، وبين مسيره قبل ثمانية أعوام!

لقد جاء مطاردًا يبغي الأمان، غريبًا مستوحشًا يبغي الإيلاف والإيناس، فأكرم أهل المدينة مثواه، وآووه ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه، وجاهدوا معه حق الجهاد.

وها هو الآن يحث الخطا إلى المدينة بعد أن خضعت له مكة، وألقت تحت قدميه كبرياء قومها، وأضاءت أركانها بنور دعوته.

وهكذا. إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ ?للَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ?لْمُحْسِنِينَ [يوسف:90] .

[1] صحيح، سنن أبي داود: كتاب الجهاد - باب في فضل الحرس في سبيل الله، حديث (2501) ، وأخرجه أيضًا النسائي في السنن الكبرى: كتاب السير - باب فضل الحرس، حديث (8870) ، والطبراني في الكبير (5619) ، وصححه الحاكم: كتاب الجهاد (2/83-84) ، وحسّن الحافظ إسناده في فتح الباري (8/27) ، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (2183) .

[2] صحيح، أخرجه أحمد (5/218) ، والترمذي: كتاب الفتن - باب لتركبن سنن من كان قبلكم، حديث (2180) ، وقال: حديث حسن صحيح، وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة: كتاب الفتن - باب من كره الخروج في الفتنة... (8/634) ، قال الهيثمي: فيه كثير بن عبد الله، وقد ضعفه الجمهور وحسّن الترمذي حديثه، مجمع الزوائد (4/24) والحديث صححه ابن حبان (6702) والألباني في صحيح سنن الترمذي (1771) .

[3] صحيح، أخرجه مسلم: كتاب الجهاد والسير - باب في غزوة حنين، حديث (1775-1777) .

[4] صحيح، أخرجه البخاري: كتاب الجهاد والسير - باب الشجاعة في الحرب والجبن، حديث (2821) بنحوه، ومالك: كتاب الجهاد - باب ما جاء في الغلول، (2/457) ، والنسائي: كتاب الهبة - باب هبة المشاع، حديث (3688) واللفظ لهما.

[5] صحيح، مسند احمد (3/76) ، وذكر الهيثمي أن رجاله رجال الصحيح، غير محمد بن إسحاق وقد صرّح بالسماع، مجمع الزوائد (10/30) . وقلت: أصل الحديث عند مسلم في صحيحه: كتاب الزكاة - باب إعطاء المؤلفة قلوبهم.. حديث (1061) بنحوه مختصرًا.

[6] حسن، أخرجه أحمد (2/184) ، وأبو داود: كتاب الجهاد - باب في فداء الأسير بالمال، حديث (2693) والنسائي: كتاب الهبة - باب هبة المشاع، حديث (3688) ، وحسنه السيوطي في تدريب الراوي (2/164) ، والألباني في صحيح أبي داود (2343) .

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت