فقه
البيوع
صالح بن عبد العزيز التويجري
بريدة
جامع الرواف
1-شر البقاع. 2- ضرورة الكسب. 3- تعريف الحيلة ومرادفاتها. 4- الحيل المشروعة. 5- الحيل الممنوعة. 6- وعيد المحتالين. 7- التورية والتعريض. 8- التحذير مما يقع من التحايل في المشارع التجارية والاستثمارية.
أما بعد: يقول المصطفى: (( يا معشر التجار، إن الشيطان والإثم يحضران البيع، فشوبوا بيعكم بالصدقة ) )أخرجه الترمذي، ويقول: (( لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق، ولا آخر من يخرج منها، فإنها معركة الشيطان، وبها ينصب رايته ) )رواه مسلم.
لا بد للناس من مساس الحياة المادية، وكسب اليد درع يقي الابتذال، ولولا الكفاف أو الاستعفاف لتمندل قوم بآخرين. فهل يكون المال مطلوبًا لغيره أم لذاته؟ ومن عاش حاش، ومن خبر ظفر، وليس المقياس تعداد النقود، ولكن هي سُلَّم لصعود القيَم لمن فهم. وما أكثر الطرق وليست كلّها تؤدي إلى مكّة، ومن اقتفَى الحِيَل عايَن الفقر.
عباد الله، والحيلة هي الحذق في تدبير الأمور وتقليب الفكر؛ ليهتدي إلى المقصود، وأكثر استعمالها في تعاطي الخُبْث، وقد تستعمل في الحكمة، ويستعملها الفقهاء في العمل الذي يتحوّل به فاعله من حال إلى حال، ثم غلب استعمالها عرفًا على سلوك الطرق الخفيّة التي يتوصّل بها إلى حصول الغرض، بحيث لا يُتَفطَّن لها إلا بنوع من الذكاء والفطنة. قاله ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين (5/188) . وقال الشاطبي رحمه الله:"فإن حقيقتها المشهورة تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي، وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر، فمآل العمل فيها خرم قواعد الشريعة في الواقع".
ومن الألفاظ ذات الصلة بها: الخداع والغرر والكيد والمكر، فالخداع وأصله إخفاء الشيء أو الفساد بإظهار مما يبطن خلافه جلبًا لنفع أو دفعًا لضر، ويفارق الحيلة في أنه لا يحتاج إلى نظَر وفكر. كذلك الغرر، وهو إيهام الإنسان على فعلِ ما يضرُّه. والكيد، وهو إيقاع المكروه بالغير على وجه المَكر والخديعة. والمكر، وهو صرف الغير عما يقصده بحيلة، ومنه المحمود والمذموم، وهو أخصُّ من الحيلة.
عباد الله، والحيل منها ما هو مشروع، ومنها ما هو محرم، فالحيل المشروعة هي التي تُتّخذ للتخلص من المآثم للتوصل إلى الحلال، أو إلى الحقوق، أو إلى دفع الباطل، هي الحيل التي لا تهدم أصلًا مشروعًا، ولا تناقض مصلحة شرعية، إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا [النساء:98] ، إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:106] . والحيل المحرمة هي التي يُتوصَّل بها إلى محرّم، أو إبطال الحقوق، أو لتمويه الباطل وإدخال الشبه فيه، وهي الحيل التي تهدِم أصلا شرعيًا، أو تناقض مصلحة شرعية. فالحيل المحرمة تقوم على المخادعة والتلبيس والتدليس، وعلى اتخاذ الوسائل غير المشروعة للوصول إلى الحرام.
وقد لعن رسول الله المحلّل والمحلَّل له؛ لأن فيه استحلال الزنا باسم النكاح، وقال: (( قاتل الله اليهود؛ حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها ) ). وعاقب الله أصحاب السبت أن مسخهم قردة خاسئين بسبب تحايلهم وعدوانهم، وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:65، 66] . وما أخبر به سبحانه عن أهل الجنة الذين ذكر قصتَهم في سورة القلم، وهم قوم كان للمساكين حق في أموالهم، إذا جذّوا نهارًا جاء المساكين ليلتقطوا ما يتساقط من الثمر، فأرادوا أن يقطعوا في الليل حتى يسقط حقّ المساكين، فعاقبهم الله بأن أرسل على جنتهم آفة سماوية، فأصبحت كالصريم هشيمًا يبسًا، فحُرِموا خير جنَّتهم لما تحايلوا على إسقاط حقّ المساكين، فكان ذلك عبرة لكل محتال يريد إبطال حق من حقوق الله أو حقوق عباده.
عباد الله، وهناك فرق بين الحيلة والتورية؛ إذ التورية والتعريض أن تطلقَ لفظا ظاهرًا في معنى وتريد به معنى آخر يتناوله ذلك اللفظ؛ لكنه خلاف ظاهره. ولا يتوسّع فيها، بل لا تجوز حتى يكون اللفظ محتملًا لها، وأن لا تستعمل في الظلم.
أيها الناس، التحايل المحرّم صفة مذمومة ممقوتة، ولها أثر سلبي في لبس الحقائق وتضليل الناس وخلق النزاعات، تورث سخطهم ومقتهم، وتدلّ على دناءة النفس، وتَحرِم بركة المال والعمر، كما تَحرِم إجابة الدعاء، وفي الحديث: (( المؤمن غِرٌّ كريم، والفاجر خِبٌّ لئيم ) )أخرجه الترمذي وأبو داود وحسنه الألباني.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
عباد الله، إن من الحيل المذمومة الحيل لكسب السمعة واستغلال أسماءِ الناس وأصواتهم، والحيل لترويج سلعة معيّنة بأسلوب إعلامي مزوَّر، أو تمرير مشروع إفساديّ بطريقة التغرير بالسفهاء والدهماء والمراهقين.
ومن الناس من يستنزل همتَه ليستخدم المؤثرات على الآخرين، كاستغلال ثقتهم بالمتديِّنين للتسويق والتوثيق والتلميع، اعتمادًا على حسن الظنّ بهم أو رغبة في تشويه سمعتهم، أو بأصحاب الخبرة أو العلاقات أو النجاحات الوهمية، فيجعل ذلك فرصة لجمع الأموال والعمل بها تحت غطاء لا يظهره لأصحاب المال، ولربما لم يتورّع عن طرق الكسب المشبوهة المختلف في حكمها، ولو علم الناس لاعترضوا، كلُّ ذلك تحت غطاء عفوية الناس في التعامل مع بعض الأمور، أو بكارة المشروع، أو الطمع بالربح السريع. ثم هو يطرق معهم أبواب الحيل الممنوعة شرعًا إذا ما وقع في خسارة أو مصيبة التهمت حقوقهم احتيالا للصيد واحتيالا للتخلص، وبذلك تضيع الحقوق، وتكثر النزاعات، وتُتقاذف التهم، والله تعالى يقول: وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:188] .
عباد الله، هناك فرق بين الثقة والأمانة وبين فهم قانون العمل، سواء التجاري أو السياسي أو الاجتماعي. فأحيانًا يقع الناس دون تمحيص بسبب طمعهم، ثم إذا وقعت الفاجعة رجعوا يلومون من استغلَّ طمعهم أو غفلتهم. ومثل ذلك الإسقاط على الفتوى حين يدخل الناس في عقود ومبايعات من غير سؤال، فإذا حدث خلاف المتوقّع لديهم بحثوا عن المخارج من خلال القدح في المفتي أو عدم وجود مرجعية أو رقابة نظامية أو غيرها، كمشجب يعلّقون عليها أخطاءهم، وماذا عن مقولة:"القانون لا يحمي المغفلين"؟! فمن يحمي حقهم إذن؟!
بهذه العبارة البارِدة درج البعض على التعامل بسلبية مع كل من وقع عليه غَبن أو غشّ أو تدليس في إحدى معاملاته المالية، بحيث أصبحت عرفًا يخذل من حاول الشكوى أو اللجوء إلى القضاء، واستمرأها السوقةُ والأكلةُ حِكمة مسلَّمة، استغلّتها بدهاء شركات الربح السريع ومهرة التسويق، ومن ذلك مع الأسف بعض الشركات العقارية، فكان نتيجة ذلك مساهمات عقارية معلّقة منذ سنين طوال، وذريعة لبقاء أموال المساهمين تحت سمع وبصر القانون.
إن هذه العبارة المتداولة في عرف الناس ليس لها أصل في الشرع، بل دلّ على خلافها تمامًا، حيث ورد في الحديث الشريف أن منقذ بن عمرو وكان رجلًا قد أصابته آمة في رأسه، فكسرت لسانه، وكان يتّجر فيغبن، فأتى النبي فذكر له ذلك، فقال: (( إذا أنت بايعتَ فقل: لا خلابة، ثم أنت في كلّ سلعة ابتعتها بالخيار ثلاث ليال، فإن رضيتَ فأمسك، وإن سخطتَ فارددها على صاحبها ) )أخرجه ابن ماجه والحاكم وغيرهما.
ولقد سبق فقهاء المسلمين العالم بأسره في تأكيد الضمانات التي تحمي حقوقَ الطرفين، حتى وإن صدرت من أحدهما علامات الغفلة وأمارات الجهل بالتعاقد، ومن هذه الضمانات خيار المجلس والشرط وبيع المسترسل، وهو المشتري الجاهل يتعاقد مع من يشتهر بالسوق أنه صاحِب دِين وأمانة، فيطمئن له ويتعاقد معه، وهو جاهل بسعر السلعة، فيعلم البائع بذلك فيستغلّه، ويرفع عليه القيمة فوق سعرها الحقيقيّ في السوق، أو أن يستغلّ البائع ضعفَ المشتري الذي لا يحسن المماكسة في أمور البيع والشراء فيغبنه.
لقد تضمنت الشريعة الإسلامية الرحمة مقرونَة بالحكمة، وهي تقف مع الحق أينما وجد، فكيف بمن ظهر ضعفه وبان خلله؟! من باب أولى أن تقف نصوص الشرع ومن يطبقها من الفقهاء والقانونيين بجانب هؤلاء الذين لا يحسنون البيع والشراء، ولا يعرفون كيف يحمون أموالهم من أصحاب النفوس الضعيفة. إذا كان هؤلاء قد داخلتهم بعض الغفلة أيكون للمتلاعبين الحق في أكل ما يريدون من أموال بلا حسيب ولا رقيب؟! وهل تقوم الغرف التجارية بدورها في تدريب الناس فقه التعامل وآدابه وتشرف على العقود؟! وهل يكون للمحامين سبق في إعداد نشرات توعوية تردم هوّة الانفتاح التجاري بلا وعي وتخفّف معاناة القضاة وتدرأ الشماتة وتحفظ الحقوق؟!
وصلوا وسلّموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا.
اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا محمد، وعلى آله الأطهار وصحابته الأخيار.
اللهم ارزقنا اتباعه ظاهرًا وباطنًا، اللهم توفنا على ملته، واحشرنا في زمرته، وأدخلنا في شفاعته، واسقنا من حوضه، واجمعنا به في جنات النعيم، مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين...