الرقاق والأخلاق والآداب
مساوئ الأخلاق
عاصم بن لقمان يونس الحكيم
جدة
جامع جعفر الطيار
فضل التأني والأناة. 2- الاستعجال طبع في الناس. 3-الاستعجال في الدعاء. 4- مضار العجلة. 5-العجلة في الطاعات. 6- العجلة في المباحات.
جاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأشج بن عبد القيس: (( إن فيك لخصلتين يحبهما الله تعالى: الحلم والأناة ) ).
عباد الله: إن الأناة والتأني من الأمور التي يحبها الله تعالى ، فيشرع في حق المسلم أن يتخلق بها وأن يتجنب ما يضادها، فالأناة التثبت في الأمور وترك العجلة، ولقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر والتأني وعدم الاستعجال، فقال تعالى: فَ?صْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ?لْعَزْمِ مِنَ ?لرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ [الأحقاف:35] .
والعجلة في الأمور مفسدة لها في الغالب، إلا أن هذا الاستعجال طبع في الناس كما قال عز وجل: خُلِقَ ?لإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ [الأنبياء:37] . وقال أيضا: وَكَانَ ?لإِنْسَـ?نُ عَجُولًا [الإسراء:11] . فيستعجل الأمور ولا يتأنى في معرفة أماكن الخير، وقد قيل: إن مع المستعجل الزلل.
فهذا نبي الله آدم عليه السلام، استعجل الخلود في الجنة فأكل من الشجرة المحرمة، فكان أن أُهبط هو وذريته إلى الأرض، قال تعالى: ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزمًا ، ولقد قرر علماء المسلمين قاعدة عظيمة فقالوا: من تعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه، ولذلك عندما تعجل سيدنا موسى عليه السلام في سؤال الخضر مستنكرًا عليه، لأنه لم يجد القدرة في نفسه السكوت على ما يرى، انتهت الرحلة العجيبة بفراق موسى الخضر عليهما السلام، ولقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم: (( رحمة الله علينا وعلى موسى، لو صبر لرأى من صاحبه العجب ) )، وكذا سيدنا يوسف عليه السلام، استعجل الخروج من السجن فأدبه الله بطول المكث فيه، قال عليه الصلاة والسلام: (( عجبت لصبر أخي يوسف وكرمه، والله يغفر له حيث أُرسل إليه لِيُسْتَفْتَى في الرؤيا، ولو كنت أنا لم أفعل حتى أُخرج، وعجبت لصبره وكرمه والله يغفر له، أُتِي لِيُخرج فلم يخرج حتى أخبرهم بعذره، ولو كنت أنا لبادرت الباب، لولا الكلمة لما لبث في السجن حيث يبتغي الفرج من عند غير الله ) ).
والعجلة تمنع من استجابة الدعاء، وأكثر الناس اليوم يستعجلون الإجابة، فإذا تأخرت تركوا الدعاء، يقول نبينا صلى الله عليه وسلم: (( يستجاب لأحدكم ما لم يَعْجَل، بقول دعوت فلم يُستجب لي ) )، ومنهم من لا يستعجل الإجابة ولكنه يجهل آداب الدعاء فلا يستجاب له، عن فضالة بن عبيد رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قال سمع رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم رجلًا يدعو في صلاته لم يمجد اللَّه تعالى ولم يصل على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: (( عجل هذا ) )ثم دعاه فقال له أو لغيره: (( إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه سبحانه والثناء عليه، ثم يصلي على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم، ثم يدعو بعد بما شاء ) ).
ومن مضار العجلة أنها قد تؤدي بصاحبها إلى ترك واجب أو فعل محرم، رَجَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ مَكّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، حَتّى إِذَا كُنّا بِمَاءٍ بِالطّرِيقِ. تَعَجّلَ قَوْمٌ عِنْدَ الْعَصْرِ. فَتَوَضّأُوا وَهُمْ عِجَالٌ. فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ. وَأَعْقَابُهُمْ تَلُوحُ لَمْ يَمَسّهَا الْمَاءُ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: (( وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النّارِ، أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ ) ).
وليست العجلة كلها مذمومة عباد الله، فلقد أمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم بالاستعجال في أمور، فقال صلى الله عليه وسلم: (( ما تزال أمتي بخير ما عجلوا الإفطار ) )، وقال عليه الصلاة السلام: (( السفر قطعة من العذاب. يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه. فإذا قضى أحدكم نهمته من وجهه، فليعجل إلى أهله ) ).
فأمور الدنيا والمباحات ينبغي على المسلم أن يتريث فيها وأن لا يستعجل، وقد قيل: ما خاب من استشار وما ندم من استخار، بينما أمور الآخرة والعبادات والطاعات، لا يُسن تأخيرها، قال عليه الصلاة والسلام: (( التؤدة في كل شيء خير، إلا في عمل الآخرة ) )، أقول قولي هذا وأستغفر الله.
الحمد لله ولصلاة والسلام على رسول الله وبعد، لقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم متأنيًا متثبتًا في أموره كلها، إذ يقول: (( التأني من الله والعجلة من الشيطان ) )، فينبغي على المسلم أن لا يستعجل في أمر قد يندم عليه بعد لحظات، فكم من كلمة متعجلة خرجت من فم زوج طائش هدمت بيتًا كانت السعادة عنوانه، ثم هو يطرق الأبواب ليجد من يفتيه ويعيدها إليه، وكم من صبي تحمس بكلام أصحابه وتشجيعهم له فسابق الموت بسيارته فكان الموت أسرع منه، وكم من شاب استعجل تحصيل لذاته عن طريق الحرام، فوقع في فاحشة الزنى أو اللواط فكانت عاقبة أمره خسرًا، وكان ذلك بداية غرقه في مستنقع الرذيلة والأمراض والعياذ بالله، وكم من أب استعجل في زواج ابنته دون تثبت وسؤال عن حال المتقدم لها، فكانت النتيجة أنه رمى بفلذة كبده إلى بهيمة لا يعرف الصلاة ولا الطاعة، ولا يقيم للحياة الزوجية وزنًا، يسهر الليالي خارج المنزل مع رفاق السوء، قد سام ابنته سوء العذاب فهي تبحث عن طريقة تفارق بها ذلك المسخ، ولو كان الثمن أن تحمل اسم المطلقة بقية عمرها، وكم من مغرور بقوته وعافيته أوقعه الشيطان في شراكه، فتورط في شجار أو عراك فنتج عنه إصابةٌ بعاهة أو جراحة أو ربما موت، كان ثمنها أن يعاني هو وأهله من ويلاتها أمدًا طويلًا.
فاتقوا الله عباد الله وتأنوا فيما يجب التأني فيه، وتعجلوا فيما يجب التعجل فيه، تعجلوا بالتوبة ولا تأخروها طرفة عين، تعجلوا بالحج يا من لم تحجوا الفريضة، تعجلوا بالتبكير إلى المسجد في الجمعة والجماعات لإدراك الصف الأول، أنفقوا مما رزقكم الله ولا تُأخروا صدقة أو طاعة لله، وبادروا بالأعمال قبل نزول الموت، فإن الواحد منا لا يدري متى يكون أجله، نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم.