العلم والدعوة والجهاد
محاسن الشريعة
عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري
المدينة المنورة
قباء
1-المعاني اللغوية لكلمة الإسلام ودِلالتها على هذا الدين 2- الإسلام في المجتمع يضمن السلام
3-الشرك اضطراب وظلم عظيم 4- الإسلام والطاعة سبب لرخاء المجتمع 5- الكفر
والمعصية سبب الذنوب والمهالك
أما بعد:
فمازلنا نكتشف معاني كلمة الإسلام التي هي علم على هذا الدين الذي أنزله الله على سائر الرسل وعلى خاتمهم وإمامهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
مازلنا نكتشف معاني هذه الكلمة ومن عجيب أسرارها أنها في أصل معناها واشتقاقها اللغوي في اللغة العربية تحمل في طياتها معنى الإسلام. فالإسلام سلم وسلام كما أن الإيمان أمن وأمان هكذا في أصل المعني اللغوي وكذلك في المعني الاصطلاحي الشرعي. فقد جاء الإسلام بالسلم والسلام وجاء الإيمان بالأمن والأمان. فمن حقق الجانب الرئيسي من معني هذين الاسمين أي حقق الاستسلام والتسليم إذ إن الإسلام استسلام لله, والإيمان تسليم لله فمن حقق الاستسلام والتسليم لله وحده لا شريك له يتحقق له السلام والأمن.
أول ما يغشى السلام والأمن نفس الإنسان ثم بتضافر أفراد المجتمع وتكاتفهم على تطبيق معني الإسلام والسلام يسود معني الإسلام والسلام والأمن سائر المجتمع فإذا بكل فرد من أفراده سلام في نفسه وسلام على غيره, أمن في نفسه ومصدر أمن على غيره. الأمن الفكري والأمن الديني والأمن الاجتماعي والأمن الاقتصادي والأمن السياسي والأمن العسكري الأمن وحدة واحدة مترابطة بسائر حلقاته هذه فإذا ما اختلت حلقة منها أو سقطت جرت معها سائر الحلقات.
بتحقيق معنى الإسلام بتطبيق المعنى الحقيقي للإسلام يسود السلام سائر المجتمع لأن كل فرد من أفراد المجتمع الإسلامي السليم كل فرد حين إذ يتمثل قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ) ) [1] ، يتمثل قول المصطفي صلى الله عليه وسلم: (( لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه ) ) [2] ، ولهذا سمى الله تعالى في كتابه الكريم سمى الإسلام سلما فقال سبحانه: يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة [البقرة:208] . ادخلوا في الإسلام كافة وهذا من أوجه إعجاز القرآن الكريم التي يعجز البيان عن شرحها وتحليلها. ارتباط السلم هنا ارتباط وصف السلم هنا بالدخول في الإسلام كافة والمعنى أنه بقدر ما ينقص من تطبيقك لكافة الإسلام، بسائر الإسلام تخسر من السلم بقدر ذلك.
إذا تذكرت مع ذلك قوله سبحانه: إن الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون [الأنعام:82] . تأمل ارتباط الأمن هنا بالإيمان ولكن أي إيمان الإيمان الذي لم يخالطه ظلم وأفدح الظلم الشرك فمع الشرك لا إيمان فلا أمن ولا أمان.
أما ما دون الشرك من أنواع الظلم فقد يبقى معها إيمان ولكنه إيمان ناقص وبقدر ما ينقص من هذا الإيمان ينقص من الأمن والأمان بيان هذا في ثنايا كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بيانه إما على درجة العموم أو على وجه التفصيل ومن ذلك قوله سبحانه ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون [الأعراف:96] . آمنوا: الإيمان هنا هو جانب الاعتقاد ،و اتقوا: هذا هو جانب السلوك إيمان وتقوى هذا هو الإسلام كله. فالإيمان يمثل جانب الاعتقاد والتقوى هي التي تضبط السلوك وتحكم الحياة فإذا ما تحقق الإيمان وتحققت التقوى ماذا يحصل حين إذ انظر إلى تصوير القرآن الكريم وروعة بيانه لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض كأنما هي كانت أبواب مغلقة فتفتح بهذين المفتاحين الإيمان والتقوى فتنهمر حين إذ البركة وتهطل الرحمة بهذين المفتاحين العظيمين, الإيمان ويمثل الجانب الاعتقادي الفكري والتقوى وتمثل السلوك لأنها هي التي تضبط سلوك أفراد الأمة وتحكم حياتهم. أما في حالة العصيان إذا تفشت المعاصي وانتشر الفساد أي بمعنى آخر ضعف معنى الاستسلام وضعف معنى التسليم ضعف تمثيلنا وتحقيقنا لمعنى الإسلام ومعنى الإيمان فحينئذ تغلق أبواب البركة تغلق أبواب الرحمة بابا بعد باب بابا إثر باب لأن المقصود بالعقوبات حين إذ هو تنبيه العباد لعلهم يرجعون فإذا لم يرجعوا إذا استفحل الفساد وعم الخراب وطم وعاند العباد تأتي حينئذ العقوبات الشاملة والعياذ بالله إذا اختلت القاعدة الفكرية إذا اختلت العقائد يترتب على ذلك دائما اختلال السلوك فتنتشر المعاصي ويستخف الناس بحدود الله عز وجل فحينئذ يؤاخذهم رب العزة والجلال بفسادهم ويعاقبهم ببعض أعمالهم ولكن كذبوا هذا هو جانب اختلال العقائد الذي يقابل الإيمان ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون [الأعراف:96] . أي يقترفون ويعملون هذا هو جانب السلوك جانب التقوى إذا اختلت واقترفوا المعاصي واستخفوا بحدود الله عز وجل يؤاخذهم رب العزة والجلال بفسادهم ويعاقبهم ببعض أعمالهم لعلهم يرجعون قال الله تعالى: ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون [الروم:41] .
[1] البخاري كتاب الإيمان (10) .
[2] البخاري كتاب الأدب (5670) .
أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هديه صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار واعلموا أن الجماعة هي التمسك بالكتاب والسنة وبمنهج الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.
يا ابن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه وكن كما شئت فكما تدين تدان ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال عز من قائل: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما [الأحزاب:56] . وقال صلى الله عليه وسلم: (( من صلى على واحدة صلى الله بها عليه عشرا ) ) [1] ، اللهم صل وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبى بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبي السبطين علي وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.
[1] صحيح مسلم (408) .