فهرس الكتاب

الصفحة 1068 من 5777

الترف والفسق طريق الدمار

الرقاق والأخلاق والآداب

الكبائر والمعاصي

إسماعيل الخطيب

تطوان

الحسن الثاني

1-هلاك الأمم بظهور المعاصي وعدم تغييرها. 2- المنكر بين فعل المترفين وتقليد الضعفاء.

3-نماذج من تبذير أغنياء المسلمين.

أما بعد:

فيقول ربنا سبحانه: وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراْ [الإسرء:1] .

عباد الله: خلق الله العباد لعبادته وطاعته وأسبغ عليهم النعم، ليشكروه عليها، وأرسل إليهم الرسل، وطلب الله من عباده إيثار الطاعة على المعصية، وأخبرهم أنه لا يُهلك أمة بعذاب إلا بعد الرسالة إليهم والإنذار، قال تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا. وهلاك الجميع إنما يكون إذا ظهرت المعاصي ولم تغير، في صحيح مسلم عن زينب بنت جحش أنها سألت رسول الله فقالت له: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: (( نعم، إذا كثر الخبث ) ).

والخبث كل فعل قبيح نهى الدين عنه، والآية تبين أنه إذا قدر الله لقرية أنها هالكة لأنها فعلت ما تستحق به الهلاك، وظهر فيها أهل الترف وكثروا، والترف هو الترفه والتوسع في النعمة هذا التوسع الذي يلهى صاحبه عن الآخرة والاستعداد لها، قال تعالى: واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين فالذين عصوا وفسقوا اشتغلوا بالمال والملذات، وآثروا ذلك على الآخرة، مع العلم أن الله أمرهم كما أمر الناس جميعًا بفعل الطاعات واجتناب المعاصي. إلى ذلك يشير قوله تعالى: أمرنا مترفيها أي أمرناهم بالأعمال الصالحة لكنهم خالفوا ذلك وأقدموا على الفسق، والفسق هو الخروج عن أحكام الشرع، والفاسق هو الذي أقر بالشرع ثم خالف جميع أحكامه أو بعضها.

والمترفون هم طبقة الكبراء النّاعمين الذين جمعوا المال في الغالب من حرام، وصاروا يتفننون في استجلاب وسائل الترفيه واللهو والعبث، لا يفرقون بين الحرام والحلال أو الطيب والخبيث كما لا يبالون بارتكاب الفواحش ونشرها بين الناس، وهكذا ترى الضعفاء يُقلدونهم في انحرافهم وفسقهم، فتشيع الفاحشة في الأمة، ويتحلل الناس من الدين وما يدعو إليه من قيم، فيصابون بالاسترخاء وفقدان الحيوية والقوة، كما هو واقع اليوم، فأغلب الناس لا همّ لهم إلا ملذات البطن والفرج، فالمشاريع الناجحة هي التي لها علاقة بالمأكل والمشارب، أو الملاهي من مراقص وخمارات ودور للبغاء، وها أنت ترى أن الفساد عمّ جميع الطبقات الاجتماعية.

فالعري والإباحية وانعدام الأخلاق والتعامل بالربا والرشوة، والسرقة والغش، وغير ذلك من الموبقات، منتشرة بين الأغنياء والفقراء، وأهل المدن وسكان البوادي على حد سواء، وبذلك أصبح الإسلام غريبًا بين المنتسبين إليه، فإلى الله المشتكى، إنه سميع بصير.

عباد الله: يقول تعالى: وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرًا بصيرًا لقد مضت سنة الله، أنه كلما انتشرت الذنوب في أمة عاقبها كما عاقب السابقين، وها هو عقاب الله نازل والناس في غفلة، ها هم الأعداء يتحكمون في بلاد المسلمين. ها هم المسلمون يقتل بعضهم بعضًا بعد أن اختلفوا وتفرقوا، وها أنت ترى أن بلاد المسلمين هي أغنى البلاد، ومع ذلك فإن شعوبها فقيرة مريضة، والملايين منهم يهجرون أرضهم بحثًا عن الرزق بينما تجد المترفين المفسدين يبذرون الأموال على شهواتهم وملذاتهم، ولقد جاء في إحصاء أخير أنه في أسبوع واحد أنفق العرب في لندن ما يساوي ميزانية دولة، كما أن الأغنياء المترفين من دول الخليج انفقوا خلال سنة في أوربا ما يساوي خمسة مليارات دولار. على ماذا؟ على الزنا والخمور والقمار، ومختلف الجرائم، ولا نذهب بعيدًا، فمن أغنياء بلدنا - وما أكثرهم - من يشتري بيتًا شاطئيًا بنصف مليار ونيفق عليه سنويًا الملايين بينما شباب هذا البلد يرمى بنفسه في أمواج البوغاز طلبا للقمة العيش، وصدق ربنا: إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين فمفاسد التبذير لا حد لها.

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت