فهرس الكتاب

الصفحة 697 من 5777

حال الناس عند أزمة الخليج

الرقاق والأخلاق والآداب

آثار الذنوب والمعاصي

عبد الحميد بن جعفر داغستاني

مكة المكرمة

ابن حسن

1-مظاهر ضعف اليقين في الأمة أمام هذا الحدث. 2- سبب المشكلة عصياننا لله. 3- حلها

أن نطهر أنفسنا أفراد ومجتمعات من محارم الله. 4- ما حدث بلاء وابتلاء من الله يوجب

الضراعة إليه. 5- الابتلاء يكون بالشدة ويكون بالرخاء وسعة الأرزاق.

أما بعد:

فاتقوا الله يا عباده الذين آمنوا: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون [الحشر:18] .

أصاب الناس يا عباد الله الهلع والذعر مما تلاحق من أحداث، ولهذا الهلع ولذلك الذعر مظاهر، ومن هذه المظاهر تسارع الناس إلى التخلص من عملتهم المحلية وشراء الدولار عملة أعداء الله التي ارتبطنا بها، فنجم عن ذلك ارتفاع في سعر عملتهم وانخفاض في سعر عملتنا، ومن ذلك تسارع الناس إلى شراء أكداس مكدسة وأكياس مكيسة من السكر والأرز والقمح والدقيق وبقية المواد التموينية ، وتلاحق الناس على محال الأجهزة الكهربائية ليشتري كل منهم مذياعا يستمع فيه أخبار المنطقة وما يجري فيها حتى لقد رأينا في المجلس الواحد أكثر من شخص، مع كل واحد مذياع، وكل يسمع محطة غير محطة صاحبه، فذاك يسمع مثلا مونت كارلو المحطة الصليبية التنصيرية ، وهذا يسمع إذاعة لندن المحطة اليهودية الصهيونية، وانتشر بين الناس نشرات تحذيرية من إلقاء الغازات الكيميائية القاتلة بألفاظ مرعبة وبتأييس من رحمة الله حتى كان من عبارات بعضها: (إذا كنت خارج المنزل فليس بوسعك أن تفعل شيئا) أي أنك ستموت وقام الناس يفكرون بشراء الكمامات وإحكام إغلاق المنافذ والشبابيك، بل إن بعضهم غادر البلاد هربا وآخرون تركوا بيوتهم ومحالهم وممتلكاتهم وانتقلوا إلى أمكنة بعيدة عن الحوادث.

ولما دخلت القوات الأمريكية اطمأن الناس وتباشروا ، وهدأت نفوس كثير منهم وتشاءم آخرون من احتمال حدوث حرب مدمرة تهلك الحرث والنسل وتبيد خضراء الأرض، وتباهى غير أولئك بما حوت الترسانة الأمريكة من الأسلحة، تباهوا لما لا يملكون ، وتفاخروا بما لا يحوزون، وقام الصغار والكبار والرجال والنساء يتحدثون عن صفحات سوداء لحزب البعث مطوية وعن جرائم كانت لحاكم العراق مخفية، وصور بالأمس القريب بطل الأمة العربية والآخذ بزمامها نحو النصر..

يا عباد الله هذه الصور نراها متكررة، وهناك غير ما ذكر، والمخرج من هذا النفق المظلم الذي دخلت فيه هذه الأمة يكون بمعرفة الأسباب التي أدت إلى هذه النتائج ومن ثم العلاج.

المشكلة يا معاشر المؤمنين هي مشكلتنا مع الله تعالى أولا: ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس [ الروم:41] . وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرًا [الإسراء:16] . وقال سبحانه وتعالى: وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابًا شديدًا وعذبناها عذابًا نكرًا [الطلاق:8] . وقال أيضا: وضرب الله مثلًا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعو ن [النحل:112] .

نصر الله والتمكين مرتبط ومقترن بتطبيق شرع الله ظاهرا وباطنا قولا وعملا حقيقة لا ادعاء: ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلوة وآتوا الزكوة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور [الحج:40-41] .

فهل أقمنا الصلاة حقا، إقامة تنهانا عن الفحشاء والمنكر؟ وهل أدينا الزكاة أم عطلناها وحولناها إلى مجاملات ودعايات ومسابقات؟ هل طهرنا أسماعنا من الغناء وأعيننا من النظر المحرم ؟ هل طهرنا معاملاتنا من الربا ؟ والربا حرب من الله ورسوله هل شاع خلق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بيننا والرسول يقول: (( اؤمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم ) ) (3) .

عباد الله إن الله تعالى لا يقدر إلا خيرا، وحاشاه أن يقدر شرا محضا، فليس هذا من حكمته وله وحده الحكمة البالغة، وما من شر يقع إلا وفيه خير، وما يوقع الله على عباده من البلاء ليعتبروا وليرتدعوا ولتضرعوا.

فهل وقفنا مع كتاب ربنا ونظرنا فيه واستمعنا إليه في هذه الأيام أم اتخذناه ظهريا؟ على الأقل هل استمعنا إليه كما نستمع للإذاعات الخارجية؟ هل قرأناه على الأقل كما نقرأ الصحف والمجلات في هذه الأيام؟ أخشى أن يكون الجواب: لا.

من رحمة الله بعباده أنه يصيبهم ببعض البلاء ليرتدعوا ويرجعوا، فإذا لم يحصل ذلك منهم دمرهم وجعلهم عبرة لغيرهم.

تعالوا معي ولنفتح كتاب الله على قوله: ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العلمين [الأنعام:41-45] .

القلب الذي لا ترده الشدة إلى الله قلب تحجر فلم تعد فيه نداوة تعصرها الشدة، ومات فلم تعد الشدة تثير فيه الإحساس.

والرخاء ابتلاء كابتلاء الشدة وهو مرتبة أشد وأعلى من مرتبة الشدة، والله يبتلي عباده بهذا وذاك، والتعبير القرآني: فتحنا عليهم أبواب كل شيء [الأنعام:44] يصور الأرزاق والخيرات والمتاع والسلطان المتدفقة كالسيول بلا حواجز وهي مقبلة عليهم بلا عناء ولا كد ولا حتى محاولة.

فإذا ما غرت الناس الخيرات والأرزاق واستغرقوا فيها بلا شكر ولا فكر ولا ذكر وخلت قلوبهم من ذكر المنعم ومن خشيته وتقواه جاءهم العذاب وداهمهم العقاب وباغتهم الاستئصال ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

(3) أخرجه بن ماجه في سننه: كتاب الفتن ، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 2/1327.

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت