فهرس الكتاب

الصفحة 4741 من 5777

تأمين مستقبل الأبناء

الأسرة والمجتمع

الأبناء

سعيد بن عبد الباري بن عوض

جدة

سعد بن أبي وقاص

1-من سنة الله تفضيل بعض الناس على بعض. 2- الحكمة في تفضيل بعض الناس على بعض. 3- السبل والوسائل الموصلة لتأمين حياة كريمة لذريتنا من بعدنا.

لقد خلق الله الأرض وقدر فيها أقواتها، وخلق الخلق وقدر لها أرزاقها، وكل ميسّر لما خلق له. وفي هذه الحياة يوجد الغني المفرط الذي رزقه الله مالًا بغير حساب، وآتاه الله من الأموال ما شاء، ذهبٌ وفضة وعقار وأنعام رزقًا من عند الله. ويوجد أيضًا الفقير المدقع الذي لا يجد ما يسد رمقه، فهو يعيش على حسنات الناس، بل ربما وجدت يومًا من مات جوعًا لشدة فقره.

وبين هذين الشخصين درجات متفاوتة ممن آتاهم الله شيئًا من هذه الدنيا أو حرمهم. وهذه إرادة الله وحكمته، يقول جل وعلا: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [الزخرف:32] .

فهذه حكمة الله، فقد فضل بعض الناس على بعض لحكمة أرادها، فيها مصالح الناس، وهي سبب لاستمرار الحياة، ولولا ذلك لفسدت الحياة ولم تعمر، ولما تسخر الناس بعضهم لبعض. ولو تساوى الناس لم يحتج أحد لأحد، ولم يعمل أحد لأحد، وذلك هو فساد الأرض ومن عليها.

وعندما يفقه المؤمن ذلك تتورث لديه قناعة وطمأنينة ورضا بما قسم الله له، لكن البلاء كل البلاء والمصائب والدمار إنما تنشأ عندما لا يرضى الإنسان بما قسمه الله له وقدَّره له، فيسعى ليحصل على ما لم يُقدَّر له من رزق أو يُكتب له، ويكون هذا السعي بوسائل محرمة؛ وكل ذلك تأمينًا لمستقبله ومستقبل أسرته كما يزعم، وما درى هذا المسكين أنّ الحرام ما كان يومًا أمانًا لأحد، بل إنما ينشئ الخوف والدمار والضياع للإنسان ومن يعوله بسبب أكل الحرام أو التعامل به، وعند الترمذي من حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله: (( إنه لا يربو لحم نبَت من سحت إلا كانت النار أولى به ) ).

أمة محمد، أيتها الأمة المباركة المرحومة، وفي ظلّ زيادة تعقيدات الحياة المعاصرة وزيادة الفتن، يزداد المرء منا خوفًا على أسرته في حال غيابه عنهم بموت أو غيره، فيزداد عندنا الشعور بأهمية تأمين حياة كريمة لذريته من بعده. وهذا أمر طبعي فطري لا يُنْكَرُ على أحد، لكن السؤال الذي يطرح نفسه في مثل هذه الحال: ما هي الحياة الكريمة التي يمكن أن نؤمنها لذريتنا من بعدنا؟ وينبني عليه سؤال آخر لا يقلّ أهمية عنه وهو: كيف يكون تأمين هذه الحياة الكريمة؟ وما هي السبل والوسائل الموصلة إلى هذا المقصود العظيم؟

أخي الكريم، وقبل أن نجيب على السؤال الأول يجب أن نعي جيدًا أننا في أيامنا هذه قد اختلّت عندنا كثير من الموازيين وانقلبت كثير من المفاهيم، حتى إن بعض الناس أصبح يرى المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، وبناء عليه فإن إجابة السؤالين السابقين عند الكثير من الناس لن تكون صحيحة، إلا إذا كانت الخلفية الفكرية لمن يحاول الإجابة مبنية على أسس شرعية من كتاب الله وسنة رسوله. وحيث إن عصرنا هو عصر الماديات البحت، عصر يربط كل شيء بالمال والمنفعة الدنيوية والمصالح الشخصية، وما عدا ذلك فلا قيمة له ولا وزن؛ فإن الإجابة على السؤالين السابقين لن تكون صحيحة عند من انصبغ بصبغة هذا العصر وانطبع بطابعه، وأما من وفقه الله فكان بعيد النظر عالي الهمة وكان ممن قد أوتي الإيمان واليقين بالله فإنه سيوفَّق لإجابة صحيحة على ذينك السؤالين.

إخوة الإيمان، وبحثًا عن إجابة السؤالين فلننظر في كتاب الله عز وجل، ولنقف قليلًا مع قصة ذكرها الله في سورة الكهف في قصة موسى مع الخضر عليهما السلام، عندما طلب الخضر من أهل القرية أن يضيّفوهما فأبوا، ثم قام الخضر عليه السلام ببناء جدار كاد أن يتهدّم في تلك القرية، فتعجّب موسى عليه السلام من فعل الخضر وقال له: لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا [الكهف:77] ، ثم لما أخبره بعد ذلك بالسبب قال: وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [الكهف:82] .

فها هو الخضر هو وموسى عليهما السلام يطلبان من أهل القرية التي نزلا بها أن يضيفوهما، فيرفض أهل القرية استضافتهما أو إعطاءهما أي شيء، فبقيا جائعين بلا طعام، ويرى الخضر عليه السلام جدارا قديما متهالكا فيقوّم ببنائه، فيتعجب موسى عليه السلام من فعل الخضر عليه السلام، ويقول له بأن هؤلاء القوم لا يستحقون بناء الجدار لهم؛ فهم لم يقوموا بضيافتنا، فيبين له الخضر عليه السلام أنه إنما أعاد بناء الجدار لأنه ليَتِيمين، وكان تحت هذا الجدار كنز مخبّأ لهما، فأراد الله أن يكبر اليتيمان حتى يستخرجا كنزهما، وإنما حفظ الله لهما هذا الكنز لأن أباهما كان رجلا صالحا.

فتأمل ـ يا عبد الله ـ في القصة تجد إجابة السؤالين:

أما الأول: وهو الحياة الكريمة التي ينشدها كثير من الناس، ما هي؟! إنها ـ عباد الله ـ تقوى الله والعمل بطاعته وإصلاح النفس ظاهرًا وباطنًا، يقول تعالى: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الانفطار:13، 14] . قال بعض أهل العلم:"النعيم للأبرار ليس في الآخرة فقط، بل هو في الدنيا والآخرة. والجحيم الذي هو للفجار في الدنيا والآخرة".

وأما السؤال الثاني: كيف يكون هذا التأمين للحياة الكريمة؟! والجواب: إنه يكون بتربية الأبناء على الخير والصلاح، وربطهم بربهم جلّ وعلا، وعدم ربط قلوبهم بالدنيا فقط. وهكذا يحفظ لنا أبناؤنا، وتحفظ ذرياتنا من بعدنا. قال ابن كثير في تفسير هذه الآية:"فيه دليل على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته، وتشمل بركة عبادته لهم في الدنيا والآخرة؛ بشفاعته فيهم ورفع درجتهم إلى أعلى درجة في الجنة لتقر عينه بهم".

واليوم ـ معاشر المؤمنين ـ أصبح الكثير من المسلمين يربي أبناءه تربية مادية دنيوية محضة، فالأبناء يغرس فيهم حب الدنيا من خلال معاملة الوالدين، فتجد أن بعض الآباء والأمهات يحرصون أشدّ الحرص على التحاق أبنائهم بالمدارس، وإتمام الدراسة والوصول إلى الجامعات، ويتعبون في سبيل ذلك أشد التعب، ويجاهدون من أجله جهادا عظيما، ويغضب الوالدان على الابن إذا لم يفلح في دراسته أو إذا رفض مواصلة الدراسة، ويبينان له أن هذا مستقبله الذي لا يمكنه العيش بدونه، ويحرص الكثير من الآباء والأمهات على أن يكون أبناؤهم من المتفوقين الأوائل، وفي المقابل تجد أن الآباء والأمهات لا يُولُون اهتماما مماثلا ـ فضلا عن أن يكون زائدًا ـ لمستقبل الأبناء الأخروي؛ فقد يكون الابن لا يصلي أو أنه يكذب ويغش أو يرتكب معاصي أخرى، فتجد أنه لا يوجد ذلك الاهتمام بالقضية، وإذا نبهوا ونصحوا هزُّوا رؤوسهم وقالوا: نسأل الله أن يهديهم. وهذا كل ما يمكن أن يفعله أب أو أم لابنهما التارك للصلاة مثلا، أما لو تعلق الأمر بالدراسة فإن الابن سوف يتعرض لشتى أنواع العقوبات من الوالدين.

إننا ـ عباد الله ـ نوقظ أبناءنا للذهاب للمدارس في كلّ صباح، في موعد محدد دائما ولا نتخلف عنه إلا لظروف قاهرة، بينما لا نفعل الشيء ذاته مع صلاة الفجر، نرحمه من الاستيقاظ للصلاة؛ لأنه مسكين متعب قد أجهد من كثرة المذاكرة، وبعدها بساعة واحدة أو أقل أحيانا نوقظه للمدرسة بلا رحمة.

إننا ـ عباد الله ـ نضرب الأمثلة لأبنائنا بقدوات في أمور الدنيا كالطبيب المشهور فلان والمهندس فلان والكاتب فلان، أما أن نضرب أمثلة لقدوات من علماء الأمة علماء الشريعة ونقول: ليتك مثل الشيخ فلان أو الداعية الفلاني فهذا ما لا يسمعه الأبناء منا إلا من رحم الله.

معاشر المؤمنين، تلك تربية كثير منا اليوم لأبنائه وذريته، وذلك مفهومنا للمستقبل والحرص على المستقبل، ما هي إلاّ نظرة دنيوية محضة، نظنّ الحياة الكريمة في الوظيفة والمال والجاه والمنصب، وتنحصر عندنا في ذلك فقط، فهل عقلنا ما نقرؤه في كتاب ربنا؟!

إنها قضية تحتاج إلى مراجعة ومحاسبة، وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه.

معاشر الآباء والأمهات، يا من يريد تحسين المعيشة لنفسه وأبنائه فيقع في الحرام بسبب ذلك، يقول تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124] . قال القرطبي في تفسيره:"ومعنى ذلك أن الله عز وجل جعل مع الدين التسليم والقناعة والتوكل عليه وعلى قسمته، فصاحبه ينفق مما رزقه الله عز وجل بسماح وسهولة ويعيش عيشا رافعا، كما قال الله تعالى: فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل:97] . والمعرض عن الدّين مستولٍ عليه الحرص الذي لا يزال يطمح به إلى الازدياد من الدنيا، مسلط عليه الشح الذي يقبض يده عن الإنفاق، فعيشه ضنك، وحاله مظلمة، كما قال بعضهم: لا يعرض أحد عن ذكر ربه إلا أظلم عليه وقته، وتشوش عليه رزقه، وكان في عيشه ضنك"انتهى كلامه رحمه الله.

فإن كنا نريد تأمين الحياة الكريمة لأنفسنا ولذرياتنا فعلينا بطاعة ربنا وذِكر ربنا، وإلا فإننا لن نجنِيَ في حال مخالفة ذلك إلا ضنَك العيش في الدّنيا والعمَى يوم القيامة، عافانا الله وإياكم من ذلك.

أيّها المؤمن، إنّه ليس بعذر عند الله أن تتعامل بالربا فتقترض على أن تردّ بزيادة بنسبة معينة لأجل أن تشتري بيتا أو قطعة أرض تأمينا لمستقبل الذرية كما تظن، وليس بعذر عند الله أن نترك الصلاة بحجة الانشغال بطلب الرزق، وليس بعذر عند الله أن نقصّر في حق والدينا فلا ننفق عليهما بحجة ادخار المال للأبناء، وليس بعذر عند الله أن نفرّط في أوامر الله ونقع فيما حرم الله بحجج مشابهة لتلك التي ذكرت فيما سبق. ألا فليعقل ذلك كل مسلم حتى يفتح الله علينا ويبسط لنا من بركاته، قال تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف:96] .

فهلموا ـ عباد الله ـ إلى الحياة الكريمة والعيش الرغيد في رحاب الطاعة وروضة الإيمان، يقول سبحانه: مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء:134] . يقول ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية:"أي: يا من ليس همه إلا الدنيا، اعلم أن عند الله ثواب الدنيا والآخرة، وإذا سألته من هذه وهذه أعطاك وأغناك وأقناك"انتهى كلامه.

اللهم أغننا بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت