الأسرة والمجتمع, موضوعات عامة
جرائم وحوادث, قضايا المجتمع
عبد الله بن أحمد لعريط
القل
المسجد العتيق
1-شكر نعمة المراكب. 2- أثر المسكرات والمخدرات في حوادث السير. 3- خطورة الغش والتزوير في رخص السير. 4- أهمية صيانة المراكب والعناية بها. 5- التحذير من عدم احترام قوانين المرور. 6- ضرورة إصلاح الطرقات وتجهيزها بالإشارات واللوحات للسير السليم.
أيها الإخوة الأحبة، رأينا في الخطبة السابقة أنّ من عظيم النعم التي أنعم بها الله علينا نعمة المركب، وتطرقنا إلى الأسباب التي تحفظ علينا نعمة المركب، ومن جملتها التأسي بالنبي ، فهو خير من أدى شكر أنعم الله تعالى عليه، ومن جملة ما كان يفعله أثناء همّه بالركوب أنه كان يذكر الله تعالى ويوصي بذلك، فيبدأ ركوبه ذاكرا لله تعالى، فيقول: (( بسم الله ) )، ثم يحمد الله تعالى ويكبره ويسبّحه ويهلّله، ثم يستغفر الله عز وجل. وكان النبي يحثّ على ملازمة التقوى، والتي هي مجانبة الذنوب والمعاصي سببِ المحن والفتن؛ لأن في ذلك حفظا وسلامة للعبد من زيغ الشيطان الذي له الحيل والمكائد لصرف العبد عن ذكر ربّه وصرفه عن شكر هذه النعمة الجليلة.
ومن جملة هذه المعاصي والذنوب تعاطي الخمر والمخدرات، هذه المسكرات التي حرّمها الباري سبحانه وتعالى هي من الأسباب الكبيرة التي تسبّب حوادثَ المرور، ولقد بيّنت الدراسات التي أجريت في هذا الميدان أن كثيرا من السائقين الذين تعرّضوا لهذه الحوادث كانوا في حالة من السكر.
وفي الحقيقة أن هذا البلاء الذي نزل بساحتنا من جملة أسبابه تخلِّينا عن تعاليم ديننا وعدم تمكين الشريعة السمحة في حياتنا، وهذه من جملة النتائج التي ظهرت والمصائب التي نزلت، فلو طبّق الحدّ كما أمر الله تعالى وكانت هنالك رقابة تراقب السائقين وعدالة مُهابة تحكم على الشريف كما تحكم على الضعيف لما عمّت هذه الفوضى، حتى أصبحت هذه الوسيلة وسيلة لا فرق بينها وبين وسائل البطش والقتل.
إذن فالمسؤوليّة الكبيرة تقع على عاتق أولياء الأمور أولا، فعلى أولياء الأمر القائمين على أمنِ الطرقات أن يضعوا قوانين صارمة تمنع تعاطي الكحول والمخدرات لكل من يستعمل سيارته، سواء كان لوحده أو معه غيره، فكم من سائق كان في حالة سكر كان سببا في انحراف سيارات غيره، فأهلك غيره وربما نجا هو.
ووصية لك أخي السائق، عليك بالحذر، فليس معنى أنك خبير في السياقة أنك غير معرض للحوادث، فربما تكون أنت في المسار الصحيح فخرجت عليك سيارة صاحبُها في حالة سكر فأوقعك في الخطر.
إخوة الإيمان، إن الخمر والمخدرات هي من عظيم ما ابتلي به الناس في هذا الزمان، فليس من المعقول أن يتعاطى الإنسان المسكرات ثم يمتطي هذه السيارة التي يحمِل على متنها الكثير من خلق الله تعالى، ثم يسير بهم على تلك الحالة التي لا تحمد عقباها.
وإن من الحيل لدى البعض ممن يتعاطون المخدرات أنهم يستعملونها في السجائر، فيوهمون غيرَهم أنهم يدخنون التبغ، ولكن في حقيقة الأمر أنهم يتعاطون المخدرات؛ مما يؤثر سلبا على الركاب وخاصة السائق، فقد يتأثر بها نتيجة استنشاقها، وتفلت زمام الأمور من بين يديه، وتحدث الحادثة. فنوصي السائق بمنع التدخين داخل سيارته حتى يحفظ سلامة نفسه وسلامة من معه من الركاب، خاصة وأن التدخين لا يقلّ خطورة عن المخدرات.
أمة الإسلام، كم من سائق تعرّض لحادث مرور فمات وهو سكران، فأقبل على ربه بهذه الحالة، وآخر وجِد في سيارته شريط يغني الغناء الماجن والعياذ بالله. مسلمون يقبلون على ربهم وهم في سكرَتهم يعمهون، إنه الإعراض عن ذكر الله تعالى والصد عن سبيله والتخلي عن هدي نبيه ، فظهر من جراء ذلك الفساد في البر والبحر، وأذاقنا الله بصدّنا عن سبيله هذا العذاب الأليم.
فاحذروا ـ إخواني ـ من سوء العاقبة، وتمسكوا بسنة نبيكم، وعضوا عليها بالنواجذ؛ لتلقوا الله تعالى وهو عنكم راض، وتذكروا سوء العاقبة التي مُنِي بها هؤلاء ممن نسوا الله فأنساهم أنفسهم.
كذلك من جملة هذه المعاصي الغشّ والخديعة في رخصة السياقة، فمن الأسباب الخطيرة التي انجرّ من ورائها هذا الفساد ظاهرة شراء رخصة السياقة، أو قدوم البعض على دفع رشوة لمعلمي السياقة مقابل منحهم هذه الرخصة دون التعلّم في المراكز المخصصة لهذا الأمر، فمن الناحية الشرعية يعتبر من المنكرات التي نهى عنها الباري سبحانه وتعالى؛ لأن شراء هذه الرخصة تعتبر شهادة على صاحبها بأنه أهل للسياقة، وهو غير مؤهل لذلك، فهي شهادة زور بالنسبة للطرفين، وقد شدّد النبي الوعيد في حق من شهد شهادة زور، وجعلها من أكبر الكبائر؛ نظرا لما يترتب عليها من إضاعة لحقوق الآخرين، والأمر يشتد لمّا يتعلق بالأرواح كما نراه جليا في زماننا.
فيا معلمي السياقة، إنّ إقدامكم على بَيع هذه الرخص أو تساهلكم مع الممتحنين في هذا الأمر أو تهاونكم في أداء مهامكم على الوجه الذي يريده الله تعالى يعتبر جرما كبيرا وفسادا في الأرض، فساد من حيث المال الذي تتحصّلون عليه، فهو أكل للمال بالباطل، وقد نهى الله عنه، قال جل وعلا: وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: 188] ، وفساد من حيث الأرواح التي تزهَق بسبب تهاونكم وابتعادكم عن سواء السبيل، فاتقوا الله تعالى في أرواح المؤمنين، واعلموا أنكم ستسألون عن هذه الأرواح التي تحصَد يوميا، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته.
ويا من تقدمون على شراء رخصة السياقة، إن المال الذي يدفَع من أجل الحصول على هذه الرخصة هو رشوة، والرشوة ملعون صاحبها، والملعون معرض دوما لغضب الله تعالى وعذابه، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ. رواه الترمذي وقال:"حَسَنٌ صَحِيحٌ". وكم من راشي بنى حياته على هذه الكبيرة فابتلي بالسوء والأدواء، وكان عاقبته الهلاك، وخسر ربما حياته أو جزءا من بدنه من جراء صدّه عن سبيل الله تعالى وانتهاكه لحرماته.
فاتقوا الله تعالى، واحفظوا أنفسكم من سخط الله الذي لا تخفى عليه خافية، واخشوا مثل هذه العواقب الوخيمة.
وينبغي أيضا الاعتناء بوسيلة الركوب، فعَنْ سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ بِبَعِيرٍ قَدْ لَحِقَ ظَهْرُهُ بِبَطْنِهِ فَقَالَ: (( اتَّقُوا اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهَائِمِ الْمُعْجَمَةِ، فَارْكَبُوهَا صَالِحَةً، وَكُلُوهَا صَالِحَةً ) )رواه أبو داود بإسناد صحيح.
فمن الواجب المراقبة الدائمة لهذه السيارات والاعتناء بها؛ لأن من بين أسباب هذه الحوادث كونَ هذه المراكب لا تخضع للعناية المستمرة، وبالتالي تتعرض الأجهزة للعطب، فتشكل خطرا على راكبيها، فربما تعطلت في مكان خطير كالمنعرجات، فتحدث الكارثة. فكلمة: (( فاركبوها صالحة ) )تدل على ضرورة الاعتناء بكلّ مركوب وإصلاحه حتى يسلم مستعملو هذه المراكب، فكم من طائرة تعطّل فيها عمل أحد الأجهزة وهي في الهواء فحدثت الكارثة، وكم من باخرة حدث لها عطب في عرض مياه البحار فأودت بحياة المئات من الخلائق. فمن تمام شكر الله تعالى على هذه النعمة أن يقوم الإنسان بحفظها والاعتناء بها وإصلاحها وتفقّدها حتى تحفظ سلامة الأرواح.
ومن أسباب الحوادث عدم احترام إشارات المرور، قال الله تعالى: وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل: 15، 16] ، أي: جعل في الأرض سبلا وأظهرها وبينها ليهتدي بها الناس في أسفارهم إلى مقاصدهم، وَعَلامَاتٍ: إشارات وهي معالم الطرق.
واليوم قد سهّل الله لنا بأن هدَانا لهذا العمل بوضع هذه الإشارات في الطرقات، فمنها ما يهتدي بها المسافر لبلوغ مقاصده، ومنها ما يهتدي بها السائق ليتوجه الوجهة الصحيحة والسليمة التي تحفظ بها الأنفس، وبالتالي فالذي يخالف هذه العلامات الهادية للمقاصد والحافظة للأنفس يعتبر آثما معتديا معرّضا حياته وحياة غيره للهلاك، وسوف يحاسبه الله تعالى إن صدر منه ذلك. فليمتثل السائق لهذه الإشارات حفاظا على الأرواح، وليراقب الله تعالى الذي لا تخفى عليه خافية.
وهنا أمر ينبغي التنبيه إليه، وهو أن كثيرا من السائقين نراهم يلتزمون بقوانين المرور حين تكون الرقابة، ولا يلتزمون بهذه القوانين حين تنعدم الرقابة، وكم من حوادث حدثت نتيجة عدم احترام هذه القوانين المنظّمة للسير، ولقد أوصانا النبي بضرورة مراقبة الله تعالى في الصغيرة والكبيرة، وبين أن العبادة لا تكمل ولا تتم إلا بالمراقبة، ففي حديث الأمين جبريل عليه السلام لما سأل النبي عن الإسلام والإيمان، فسأله عن الإحسان قَالَ: مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: (( أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ ) )رواه البخاري ومسلم. والعبادة بمفهومها الشمولي هي التي تضبط حياة الناس في المجالين الديني والدنيوي، فمن الواجب الالتزام بما ينظّم لنا حياتنا ويحفظ لنا أنفسنا، حيثما كان الإنسان وحيثما وجد، فإذا انعدمت رقابة العباد فرقابة ربّ العباد حاضرة لا تغيب، أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المجادلة: 7] .
ومن الضرورات الملحّة إصلاح الطرقات، فمعظم السائقين يشتكون من فساد الطرقات، كوجود الحفر وكذلك عدم وجود حواجز في المنعرجات الخطيرة وضيق الطرق مما يجعل السائق معرّضًا للخطر، فكم من سائق هرب من الحفر فحاد عن سواء السبيل، والشيء الخطير الذي انجرّ عنه حوادث كثيرة هو هذه الطرق الضيقة التي يستعملها حتى أصحاب الشاحنات كبيرة الحجم؛ مما يسبّب في كثير من الأحيان تعطّل السير، فيحاول بعض السائقين الخروج عن يمين مساره بقصد سبق هذه الشاحنات، فتخرج من الجهة المقابلة سيارة أخرى فتحدث الفاجعة.
كذلك مما يلاحظ عدم وجود إشارات المرور في بعض الأماكن الخطيرة؛ مما يجعل السائق لا ينتبه ولا يحذر من الخطر المجهول.
فعلى أولي الأمر أن يعطوا أهمية بالغة للنقل وعناية تامة بالطرقات، وذلك بضرورة إصلاحها وتوسيعها ووضع الإشارات في أماكنها التي يهتدي بها السائقون، كذلك ضرورة استعمال الحواجز خاصة في المنعرجات، وهي حواجز تحمي في غالب الأحيان السيارة عند تعرضها للحادث، كذلك ضرورة إلزام رجال أمن الطرقات على الانتشار الواسع حتى تكون المراقبة فعالة.
قال الله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأنفال: 53] ، فوسائل الركوب هي نعمة من أنعم الله تعالى علينا، ومتى تنقلب النعمة إلى نقمة؟ إذا غيّرها الإنسان عن مراد الله فيها، فالباري سبحانه وتعالى أمدنا بها للغاية التي بينها في قوله: وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [النحل: 7] ، فمراد الله تعالى هو رفع الضيق والحرج وتيسير المعيشة لخلقه، فإذا انقلبت هذه النعمة إلى نقمة فعلينا أن نراجع أنفسنا ونتساءل: هل أدينا شكر الله تعالى على نعمه كما أمر، أم سخرنا هذه النعم فيما يستوجب سخطه تعالى وعذابه وحِدنا بها عن سواء السبيل؟
فلنتق الله تعالى، ولتعمل كل جهة مختصة في هذا الميدان على العناية والسهر على أمن الطرقات وتشديد الرقابة والصرامة في تطبيق القوانين التي تحفظ للناس أرواحهم، وضرورة مراقبة مراكز التكوين في هذا الميدان، فلا يمكن أن نتساهل أبدا في زهق الأنفس التي حرم الله. وعلى المسؤولين على الإعلام أن يفتحوا الأبواب للباحثين في هذا الميدان لتكثيف الوعظ والإرشاد.
والله نسأل للجميع العفو والعافية في الدنيا والآخرة، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
وصلّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين...
لم ترد.