فهرس الكتاب

الصفحة 3403 من 5777

من صفات المربي(1)

الأسرة والمجتمع, العلم والدعوة والجهاد

الأبناء, التربية والتزكية

مازن التويجري

الرياض

جامع حي النزهة

1-أهمية التربية في حياة الأفراد والمجتمعات. 2- أهم صفات المربي: العلم بجوانبه المختلفة المتنوعة، القدرة على العطاء، القدرة على القيادة والمتابعة، القدرة على بناء العلاقات.

إنّ من يتعامل مع غير الإنسان إنما يتعامل مع آلة صمّاء لا روح فيها، وإن كانت الروح تدبّ في جسدها، فما هي إلا كائن حي يمكن السيطرة عليه وترويضه مهما كان حجمه أو قوته، فالجميع مسخّر لك أيها الإنسان، مهيأ لخدمتك، وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الجاثية:13] .

بيد أن التعامل مع هذا الإنسان ذاته يعدّ تعاملًا مع مخلوق غريب في عالم أغرب، إنه تعامل مع الروح بإقبالها وإدبارها، مع النفس بأحوالها ومشاعرها، مع الطبع البشري بعواطفه وتقلباته ومزاجيته، مع حبه وبغضه، إقدامه وإحجامه. إنه التعامل مع عطاء الإنسان أو أنانيته، مع عالميته في البذل أو بحثه عن ذاته وشخصه ومصالحه. إذًا فالتعامل مع هذا المخلوق المتقلّب العجيب وتربيته عملية مهمة صعبة في ذات الوقت، إنها إعداد للإنسان وغرس للقيم والمعاني وتطهير للنفوس من رواسب العادات السيئة وأدران أمراض القلوب والجوارح.

إن من البدهيات المقررة لدى الناس أجمع أنه لا بد لكل وظيفة وعمل يقوم به الإنسان من إعداد وتهيئة، فالمحسوسات من حولنا تحكي الواقع وتبرهن على سنة الله في هذا الكون أن لكل صنعة صانع يسبر أغوارها ويحسن التعامل معها بما رزقه الله من فهم في هذا التخصص أو ذاك. وعليه كان لا بد لمن يتصدّى لتربية الناس من صفات يتأهّل بها ليشغل تلكم الوظيفة ويقوم بها خير قيام، إنها رسالة إلى الأب في تربيته لأبنائه، إلى المعلم بين تلاميذه، إلى من تشرّفوا بحمل الرسالة واعترك في نفوسهم هم الإصلاح والدعوة إلى الخير من مؤسسات دعوية ومحاضن تربوية في حلقات لتحفيظ القرآن الكريم أو مكتبات خيرية.

الصفة الأولى: العلم وله جوانب:

أولًا: العلم الشرعي، فالتربية في الإسلام إعداد المرء لعبودية الله تبارك وتعالى، وسبيله العلم الشرعي، فكيف يستطيع الأب أو المربي أن يأمر ابنه بالطهارة والصلاة مثلًا وهو يجهل بعض ما لله عليه فيهما، أو يعجز عن الإجابة عما يطرأ من تساؤلات في ذهن المتربي؟! وقس على هذا سائر نواحي الشرع من عبادات ومعاملات.

الجانب الثاني: ثقافة المربي العامة وإدراكه لما يدور في عصره.

الجانب الثالث: العلم بطبيعة المرحلة التي يتعامل معها إن كانوا أطفالًا أو مراهقين أو كبارًا من رجال أو نساء، فالأب الذي يجهل نفسية ابنه المراهق وما هي عليه من تقلبات وحدة في المزاج وأنه انتقل من مرحلة الطفولة إلى مرحلة بعيدة عنها مغايرة لها لن ينجح في تربيته.

جاء شاب يستأذن النبي في الزنا فقال له: (( أترضاه لأمك؟! ) )قال: لا، قال: (( أترضاه لأختك؟! ) )، قال: لا، قال: (( فكذلك الناس لا يرضونه لأمهاتهم وأخواتهم ) )أو كما قال عليه السلام. لقد كان هذا السؤال من الشاب جريئًا مفزعًا غريبًا يستثير غضبَ المسؤول، والأعظم من هذا أنه يلقيه على مسمع البرّ التقي عليه الصلاة والسلام، ومع هذا لم يعنفه أو يزجره، بل أقنعه بأسلوب حكيم ولفظ يقطر لطفًا ورحمة، وما ذاك إلا لعلمه عليه الصلاة والسلام بفورة الشباب وثوران الشهوة في تلك المرحلة.

الجانب الرابع: معرفة المربي بالشخص نفسه من حيث قدراته وإمكاناته حتى لا يبخسه حقه أو يكلفه فوق طاقته، وذلك يظهر جليًا في إلزام كثير من الآباء أبناءهم دراسة العلوم الطبيعية حتى ولو كانوا لا يملكون قدرة تؤهلهم للبروز فيها، وفي المقابل تجد لديه مخزونًا إبداعيًا في تخصص آخر لم يكتشفه والده المربي.

روى أحمد والترمذي وابن ماجه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياءً عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أُبي، ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح ) ).

وكذلك دعا لابن عباس بسعة العلم، ويرسل خالد بن الوليد بسرية بعد سرية، ويشبع رغبة أبا سفيان في الوجاهة والمنصب، وهكذا كلما جهل المربي حال المتربي وقدراته وإمكاناته فسيكون تعامله معه خاطئًا ووصاياه له مجانبة للصواب أو العدل.

والمعنى فيما سبق من جوانب مهمة في العلم أن يملك المربي ما يقدمه لذلك المتربي علمًا وفهمًا للواقع وقدرة في الإجابة على تساؤلاته وسبرًا لأغوار نفسيته، وحين يفقد المربي هذا وذاك يشعر المتربون أنه ليس ثمة ما يدعوهم للارتباط بفلان من الناس، وليس عنده ما يؤهله لأن يتولى تربيتهم، فليتنبه لهذا جموع المربين من آباء ودعاة ومعلمين.

الصفة الثانية من صفات المربي: أن يملك المربي القدرة على العطاء كما يملك حسن العطاء. هناك شخصيات كبيرة فائقة التكوين، متفوقة عقليًا وذاتيًا، ولكنه لسبب ما لا يستطيع أن يعطي التجربة الواقعية لما يحمله في ذاته من مثال رائع، إذًا فليست الأهمية تكمن فيما يملك الشخص من قدرات، ولكنها أيضًا إجابة عن التساؤل: هل هو قادر على العطاء والتربية؟ ولذلك لا عجب في أن تجد أستاذًا يحمل أعلى الشهادات لا يستطيع أن يربي أو يكوّن جيلًا يحمل ولو شيئًا من علمه ومُثله وأخلاقه.

أيها الإخوة، إن البائع الذي يسعى لترويج سلعته يدرك أن مجرّد عرضها على الناس للبيع ليس كافيًا في ترويجها، فهو يحتاج لحسن عرضها والحديث عنها مع الناس بالطريقة التي تشعرهم بحاجتهم إليها. والمقصود أن المربي قد يملك القدرة على العطاء، وهذا لا يكفي بمفرده، فقد يكون عطاؤه بطريقة خاطئة منفرة، فيضيع الأثر المطلوب، وقد ينقلب إلى الضد، ولذلك قيل: قد تحبّ طفلك وتحبّ له الخير، ولكن طريقتك في تقويم الخير إليه تشككه في حبك له، وتوهمه أنك تكرهه. وخلاصة القول أن المربي الحق هو الذي يجيد استخدام الأسلوب الأمثل، في الوقت المناسب، يعرضه في قالب الحب والشفقة.

الصفة الثالثة من صفات المربي: القدرة على القيادة والمتابعة. مع العلم وحسن العطاء لا بد من قيادة الناس وإدارتهم، فالأب الذي لا يستطيع إدارة بيته والمعلم الذي لا يملك زمام فصله والداعية الذي لا يحسن استمالة الجمهور وإقناعهم بفكرته لن يستطيع أولئك أن يجروا بسفينة التربية إلى شاطئ الأمان. فالمربي الحق هو الذي يقود أفراده حسب قناعات راسخة رباهم عليها، لا بقانون العسكر وسَوْق الناس بالعصا.

والأمر الآخر بعد هذا أن يكون قادرًا على متابعة المتربي أبناء وتلاميذ وإخوانا، فالتربية عملية مستمرة لا يكفي فيها توجيه عابر مهما كان مخلصًا صوابًا، ولهذا تجد كثيرًا من المربين يظن أن دوره في التربية يقف عند حد التوجيه والتقويم، فيأمر ابنه بالصلاة ولا يتابعه عليها، وينهاه عن رفقة السوء ولا يشغله بغيرهم، وهكذا..

وليس المقصود بالتوجيه المستمر والمتابعة ـ أيها الإخوة ـ المحاسبة على كل هفوة، فذلك ينفر ولا يربي، فالمربي الحكيم يتغاضى أحيانًا أو كثيرًا عن الهفوة وهو كاره لها؛ لأنه يدرك أن استمرار التنبيه ضار كالإلحاح فيه، وهذا لا يعني الغفلة والثقة المفرطة.

الصفة الرابعة من صفات المربي: القدرة على بناء العلاقات. إن التلقي فرع عن المحبة، وبينها من الاتصال قدر كبير قد لا نتصوّره أحيانًا، وهب أن إنسانًا بلغ الغاية في التأثير وقوة المنطق ورصانة الحجة، أتراه يكون أعلم أو أنصح أو أكثر تأثيرًا من النبي ؟! ومع ذلك قال الله تعالى لنبيّه: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [التوبة:159] ، هذا مع ما آتاه الله من وسائل التأثير وشعور الناس بأن الحق معه هو مأمور بأن يلين لأصحابه، وإلا كانت النتيجة أن ينفضوا من حوله، فكيف بغيره ممن يحمل قائمة طويلة من صفات القصور والنقص؟!

والرجاء أن لا يظن الآباء أنهم بمنأى عن هذا الخطاب، فهم أولى من يسعى في بناء العلاقات مع أبنائهم، وإلا ففي المجتمع أبدال وأمثال، واللبيب تكفيه الإشارة.

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت