فهرس الكتاب

الصفحة 5086 من 5777

الشتاء والناس

الأسرة والمجتمع, فقه, موضوعات عامة

الترفيه والرياضة, الطهارة, قضايا المجتمع

عبد الله بن سعيد آل يعن الله

خميس مشيط

غير محدد

1-شدة البرد هو نفسٌ من أنفاس نار جهنم. 2- بعض أحكام المسح على الجوربين. 3- اغتنام ليالي الشتاء. 4- البرد وحال إخواننا الفقراء. 5- مخالفات ومنكرات تقع أثناء النزهة والرحلات. 6- التنزه البريء وضوابطه.

أما بعد: لنتقِ الله عز وجل، ولنتبصر في هذه الأيام والليالي، فإنها مراحل نقطعها إلى الدار الآخرة، حتى ننتهي إلى آخر سفرنا، وإن كل يوم يمر بنا بل كل ساعة بل كل لحظة تبعدنا من الدنيا وتقربنا من الآخرة، وإن هذه الأيام والليالي خزائن لأعمالنا، ومحفوظة لنا شاهدة علينا بما عملنا فيها من خير أو شر.

أيها المسلمون، نعيش الآن في فصل الشتاء، نحسُّ بنفثات برْدِه، نستنشق نسمات هوائه اللاذع، نتأمّل في كيفية تدرّج برودته على بني البشر، يجعلنا نتأمل ونتفكر في آياته التي تترى، حِكم لا تعدّ ولا تحصى.

وما يشعر به الناس من شدّة البرد باختلاف مناطقهم ومناخهم هو نفسٌ من أنفاس نار جهنم، ومصداق ذلك في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عندما قال: قال رسول الله: (( اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب، أكل بعضي بعضًا، فجعل لها نفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فشدة ما تجدون من البرد من زمهريرها، وشدّة ما تجدون من الحرّ من سمومها ) )رواه البخاري ومسلم.

وهذا يذكر الإنسان في كل فترة من عامه كيف أحواله مع ذهاب أيامه وأعوامه وهو في غفلة عن الموت، قد انغمس في شهوات الدنيا وملذاتها.

مضى الدهر والأيام والذنب حاصل وجاء رسول الموت والقلب غافل

نعيمك في الدنيا غرور وحسرة وعيشك فِي الدنيا محال وباطل

أيها المؤمنون، في فصل الشتاء يلبس أكثر الناس الجوارب، ولم يهتم بعضهم بأحكام لبسها، بل قد يغيب ذلك عن أذهان بعض أبناء المسلمين، وبعضهم يستجلب الرخَص في تمديد فترة المسح؛ بسب اجتماع الضرورة والمشقة مع هوى النفس على حسب اجتهاده الفردي.

وهذا الأمر اهتمّ به شرعنا المطهر، فأجاز المسح على الجوارب، وحدَّ أوقات معينة للمسح عليها، فجعل للمقيم يومًا وليلة أي: أربعًا وعشرين ساعة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن أي: اثنتان وسبعون ساعة، وتبدأ المدة من أول مسح بعد اللبس على الصحيح من أقوال أهل العلم. ثم يمسح بيده على مقدمة الجورب فقط من دون أن يمسح على أسفله.

وينبغي علينا ـ أيها الناس ـ إذا هيئنا لأبنائنا وأهلينا الجوارب وألبسناهم إياها أن نرشدهم مع ذلك إلى هدي المصطفى فيما ينبغي التعامل معها من أحكام وآداب؛ لأن المشاهد في المدارس من بعض الطلاب أنهم لا يهتمون بأحكام المسح على الجوارب.

ومما ينبغي التنبيه عليه أيضا هو أن لا تطول مُدة لبس الجورب على الإنسان من أجل أن يحمي المصلين من الرائحة الكريهة. فلنهتم بهذا الأمر ولنسبغ الوضوء على أعضائنا مهما اشتدّ البرد، ونسفر عن أكمامنا عند غسل اليدين سفرًا كاملًا، ولا نترك شيئًا من الذراع بلا غسل؛ لأن هذا الدين يرشدنا إلى التمسك بأحكامه وآدابه في طهارتنا، لماذا؟ من أجل أن تكون صلاتنا بين يدي الله صحيحة.

يا من يسمع ويعقل، فصل الشتاء هو أمنية أهل السلف؛ لأنه كما قال ابن عمر: (أمنية العابدين) ، وقد قال ابن مسعود: (مرحبًا بالشتاء، تتنزل فيه البركة، ويطول فيه الليل للقيام، ويقصر فيه النهار للصيام) . هذه أخبار من قبلنا مع فصل الشتاء، أما أخبار بعضنا ـ والله المستعان ـ فقد أطفأنا نور إيماننا بهجر قيام الليالي وترك صيام الأيام.

فيا إخوتاه، لنترك التوسع في المباحات، ونجدّ في طلب مرضاة الرحمن في ليالي الشتاء الطوال وفي غيرها، وندرب أرواحنا مع القيام والصيام، فالرسول يقول كما في الحديث الذي صححه الألباني: (( الصوم في الشتاء الغنيمةُ الباردة ) ). إيه وربي، إنها الغنيمة، فأين المشمرون المخلصون؟!

ويُحْيِي الشتاء فينا ـ أيها المسلمون ـ اتباع إرشاد الرسول بعدم إبقاء النار وما سواها مشتعلة حال النوم؛ لما في ذلك من خطر الاحتراق أو الاختناق، فقد جاء في البخاري ومسلم أن النبي قال: (( إن هذه النار إنما هي عدو لكم، فإذا نمتم فأطفئوها عنكم ) ). وإرشاد الإعلام والمختصين أصله إرشاد من إرشادات الحبيب صلوات ربي وسلامه عليه.

وهنا بشرى لمن أصابته الحمى بتكفير الخطايا والذنوب، وكثيرا ما يصاب بها الناس في هذه الأيام، وهذا توجيه نبوي من رسول الهدى لأم السائب حينما قال لها: (( ما لك يا أمَّ السائب؟ ) )قالت: الحمى لا بارك الله فيها، فقال: (( لا تسبي الحمى؛ فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب خبث الحديد ) )رواه مسلم.

وحينما نأخذ بالاستعداد لتهيئة بيوتنا بالمدافئ والملابس الشتوية وأجود أنواع الفرش فإن من جيراننا وأقاربنا وإخواننا المسلمين مَن يجلسون جلستهم العائلية بلا مدافئ، وترتعد أجسادهم في جنح الليالي من شدة البرد، ويذهب أطفالهم إلى مدارسهم من غير الكساء الذي يلبسه أبناؤنا وإخواننا، فيخترق البرد عظامهم، وليس ذلك إلا من قلة ذات اليد وقلة المحسنين الذين كانوا يتابعونهم في رمضان ثم غفلوا عنهم.ونحن المسلمين كالجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

فلله الحمد والمنة، لله الشكر والحمد، لله الحمد والمنة، لله الشكر والحمد، لله الحمد والمنة، لله الشكر والحمد.

وهذه ـ والله ـ نعمة جليلة ومنحة جسيمة لا يشعر بها إلا من ذاق لسع البرد وسهر الليالي من شدة الصقيع والجوع، قال تعالى: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مّن جُلُودِ الأنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مّمَّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ [النحل: 80، 81] .

نحن نعيش الآن في نعمة لا تقدر بثمن، فنلبس ونغير في كل عام، ونقتني كل واقٍ يقينا من شدة البرد، فننام ملتحفين، ونخرج إلى مساجدنا مثل ذلك، ويعيش بعضنا وكأنه في وسط الصيف، ليس ذلك إلا من نعمة الخالق سبحانه عز وجل، فلنحبَّ للناس ما نحبُّه لأنفسنا، فإذا مرت عليك ـ أيها المسلم ـ ليلة شاتية وذقت فيها البرد القارص ففررت إلى مكان دافئ وغصت بين أحضان فراش وفير اعلم حينها أن هناك من يشاركك الشعور بالبرد ولكن لا يجد وسائل الدفء، هناك من يفترش الأرض ويلتحف السماء لا يجد له من دون الأرض مفرشا، ولا يجد له من البرد غطاء. فالأموال متيسرة عند الكثير، والثياب والألبسة الزائدة عند الكثير منَّا لم تلبس، ولم تنفق للمحتاجين، بل هي أسيرة في المستودعات أو في سلة المهملات، ووالله إن إخوانا لنا في شتى بلدان العالم قد مزق البرد أوصالهم وأسال دموعهم وجمد جلودهم وأذاقهم الحزن الأليم، واجتمع مع ذلك فقد الأهل والوطن وعدم المأوى والكساء، فيقول أحدهم:

أتدري كيف قابلنِي الشتاء وكيف تكون فيه القرفصاء

وكيف البرد يفعل بالثنايا إذا اصطكت وجاوبَها الفضاء

فإن حل الشتاء فأدفئونِي فإن الشيخ آفته الشتاء

أتدري كيف جارك يا ابن أمي يهدده من الفقر العناء

وكيف يداه ترتجفان بؤسًا وتصدمه المذلة والشقاء

يصب الزمهرير عليه ثلجًا فتجمد في الشرايين الدماء

هذا الآدمي بغير دار فهل يرضيك أن يزعجه الشتاء

يَجوب الأرض من حي لحي ولا أرض تقيه ولا سماء

معاذ الله أن ترضى بهذا وطفل الْجيل يصرعه الشتاء

أتلقاني وبي عوز وضيق ولا تحنو؟ فما هذا الْجفاء

أخي بالله لا تَجرح شعوري ألا يكفيك ما جرح الشتاء

فلَهم منا الدعاء الخالص، وليس لهم إلا الذي خلقهم، فهو ولي المستضعفين وناصر المكروبين.

قلت ما سمعتم، وأستغفر الله العلي العظيم لي ولكم.

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

وبعد: إن أناسا لهم ثقل في هذه الحياة قد أفرطوا في ضياع أوقاتهم، واسترسلوا في حاجة النفس إلى الترويح، فضيعوا الأوقات، وأصابهم فتور عن الطاعات، والمعروف في فصل الشتاء أن الليالي طويلة، وبعض من لم يقدِّر الأوقات لم يحيوا هذه الليالي ولم يستفيدوا من طولها؛ سواء كان ذلك في القيام أو طلب العلم أو ما يكون له مصلحة نافعة على نفسه وأمته، فلو استغل الناس وقت ما بعد العشاء خصوصا لجنوا ثمرات عديدة في طول هذه الليالي.

والملاحظ من بعض فئات المجتمع أنهم يتوسعون في التنزه والخروج بحجة الدفء والترويح، وعلى سبيل المثال تجد أن بعض الناس يذهبون إلى البراري أو إلى الأماكن الدافئة في الأسبوع مرات عديدة؛ بحجة الترويح والدفء، فتضيع عشرات الساعات من غير فائدة يستطيع أن يجنيها الإنسان في بيته ومكتبته، والأمر الأعجب أن تفوت بعضهم صلاة الفجر بسبب الترويح والدفء.

وأنا لست معارضا لمثل ذلك، لكن الاعتدال مطلوب، فلا يسوغ أن تقضى كل الأوقات في أماكن التنزه والدفء، وتذهب الأوقات هدرا، وهذا الكلام ليس إلا لكل من لديه احترام للوقت.

إذا كان يؤذيك حر المصيف ويبس الخريف وبرد الشتا

ويلهيك حسن زمان الربيع فأخذك للعلم قل لي: متى؟

وأما ذهاب العوائل أيضا للتنزه والدفء فهذا جميل وأمر تريده الأسرة من مسؤولها، لكن بعض الأسر خرجت عن إطار الضوابط التي ينبغي أن لا يغفلوا عنها، فعند الشواطئ وفي المجمعات السكنية وفي البراري يغفل بعض الآباء عن أهاليهم، فيقل الحياء، ويذهب الوقار, ويختلط الحابل بالنابل، وتنطمس المروءة، وتتبلد الأحاسيس، وتعقد العلاقات السيئة بسبب الدفء والتنزه، وهذا لا يرضاه أي إنسان، لكن الواقع يشهد بذلك.

فعلى شاطئ البحر وفي بعض البراري نجد بأن خيام العوائل ملتصقة ببعضها، ونجد التحركات الكثيرة غير المنضبطة من بعض النساء، كما تحدث الطوام العظام والمصائب الكبار حين ينزل النساء إلى البحر أو يخرجون للمشي بحجة ظلام الليل، ولا يعلمون بأنه أصبح بالأيادي ما يلتقط الصور ويقرب البعيد وغير ذلك كثير. وأما في بعض المجمعات السكنية فقد ضاعت غيرة بعض الرجال، وذهب أدب وحياء بعض النساء، نسأل الله العافية. والحل ـ أيها المسلمون ـ أن يرسم ربّ الأسرة ما يسعد أسرته وما ينجيها من لغط الزمان بفطنته وحذاقته.

ومما يزيد الأسى أن تجد بعض الشباب يلهون ويعبثون، ففي الطريق سرعة جنونية، وعلى شاطئ البحر صخبٌ ومعاصي، وعلى تلال الرمال تجمعات شبابية على ما لا يصدقه العقل، وفي الجلسات مفاتيح للدخان والمسكرات وعجبٌ وعشق وإشارات إنذار تحدق على شبابنا. ومما يفطر الأكباد أنك تجد شبابا في المرحلة المتوسطة أو الثانوية بين شباب يكبرونهم بعشرات السنين ليس همهم إلا الإفساد وتعليمهم نواقيس الخطر والإضلال.

ومما يُحِدُّ من هذه الظواهر التي يعاشرها الناس في هذه الأيام:

أولًا: أن يلبي الآباء حاجات أبنائهم وأهليهم من غير إفراط ولا تفريط، مع مراعاة اختيار الأمكنة التي تحفظ دين الأسرة.

ثانيًا: زراعة الوعي من الآباء والمعلمين والدعاة لدى شباب الإسلام بأثر الصحبة السيئة والأخطار التي يجنيها الصاحب السيئ حاضرًا ومستقبلًا.

ثالثًا: فقه إنكار بعض المنكرات التي تحيط بمجتمعاتنا الشبابية والعائلية وضرورة ذلك.

رابعًا: التواصل مع الهيئات وإدارة مكافحة المخدرات؛ للتغلب على مروجي الحبوب والخمور على الشواطئ وتلال الرمال.

خامسًا: التواصل الدعوي مع الشباب الذين يجلسون على البحر وعلى تلال الرمال، فوالله أإننا نسمع ونشاهد القبول والارتياح لأهل الدعوة والنصح، وكم من شاب كانت انطلاقته بسبب جلسة إيمانية على ساحل البحر أو على ارتفاع تلّ. وأبشركم بأن الأمة فيها خير كثير، وأن ما يصيب بعض أفرادها هو النزر اليسير، وواجبنا هو التوجيه والتنبيه.

روحُ التَّفاؤُلِ فِي الحياةِ سبيلُنا وَلَوِ المهالِكُ أحدَقَتْ ومخاطِرُ

والظُّلمُ ليلٌ لا مَحالَةَ زَائِلٌ فالنُّورُ من حُلَكِ الليالي صَائِرُ

مهما ادلَهَمَّتْ دَاجياتٌ وانْتَشَت فالحَقُّ صَوتٌ لا مَحالةَ هَادِرُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت