فهرس الكتاب

الصفحة 3852 من 5777

وما نرسل بالآيات إلا تخويفا

موضوعات عامة

مخلوقات الله

مراد وعمارة

باب الوادي

التقوى

1-الحكمة من الآيات الكونية. 2- الواجب عند حدوث الآيات. 3- أصناف الناس عند حدوث الآيات. 4- وقفات مع الإعصار الذي ضرب الجزائر. 5- استقبال رمضان.

قال تعالى: وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا [الإسراء:59] .

سبحان الله، ولا إله إلاَّ الله، والله أكبر.

عباد الله، قد غمرتنا آية من آيات الله العزيز الحكيم، الدالة على عظمته وجلاله وقدرته وحكمته ورحمته.

ومن شأن الآيات أنَّها للصالحين رحمة وبرهانٌ، يزدادون بها إيمانًا، وتزداد قلوبهم بها ثباتًا ويقينًا، وتملؤها خوفًا من الله عزَّ وجل وطمعًا في رحمته، وهي للكافرين وأهل الغفلة تخويفٌ وإقامةٌ للحجَّة وقطعٌ للمناظرة والمحاجَّة.

سمع ابن مسعود بخسف، فقال: (كنَّا أصحاب محمَّد نعدُّ الآيات بركة، وأنتم تعدُّونها تخويفًا) رواه البخاري والترمذي والسياق للدارمي، ذلك أنَّ الله تعالى أخبرنا في كتبه التي أنزل وعلى ألسن رسله الذين أرسل بأنَّ هذه الدار لا شكَّ فانية، وأنَّ الساعة لا ريب آتية، وكلُّ آت قريب، كيفَ وقد أذنت بالقرب منذ بُعث النبيُّ ؟! فهل من متذكِّر؟! هل من متَّعظ؟!

إنَّ قيام الساعة يكون بزلزال الأرض وانتثار الكواكب وخسوف القمر وغير ذلك من الآيات، فكان من رحمة الله تعالى وحكمته أن يرسل بالآيات الدالة على قرب ذلك اليوم المذكِّرة به من زلازل وكسوف وهدَّات السماء والرياح العاصفة والإعصارت الهائلة ما فيه عبرة وذكرى لأهل الإيمان، وأمَّا الغافلون فمهما مرَّت بهم الآيات فلن يبصروها ولن ينتفعوا بها، فيا ويح من مرَّت به هذه الآية فبات في غمرة السهو، ولم يفزع كما فزعتم إلى الصلاة والذكر.

وقد تجلَّت لنا آية من آيات الله، وإنَّها لحدث عظيم مخيف، فما لنا لا نخشع؟! وما بال أقوام إلى الدعاء والصلاة لا تفزع؟!

فالواجب عند حدوث الآيات المبادرة إلى التوبة النصوح والاشتغال بالصلاة والذكر والدعاء والصدقة، فهذا شأن الذين آمنوا واتَّقوا، وأمَّا الغافلون والجاهلون فهم ينشغلون عن الصلاة والصدقة والذكر والتوبة بالنظر إلى حجم ما خلّفته الآية من الخسائر والبحث في شأنها، وتجريد النظر إليها، والذهول بها عمَّا تقتضيه، وكذلك يكون أمرهم عند كلِّ آية تحدث، وعند خروج الدجال، وعند ظهور الآيات الكبرى المنذرة بقيام الساعة. أعاذنا الله من الفتن.

أيُّها المسلمون، من رحمة الله بالعباد أن يرسل من حين إلى آخر ببعض الآيات الدالة على عظمته وربوبيَّته وجلاله، ليثوب الناس إليه بعد طول فتور، وليخافهُ المذنبون بعد غفلة وغرور، وليُقْلع أهل الشرِّ عن جميع الشرور.

قال قتادة: إن الله تعالى يخوف الناس بما شاء من الآيات لعلهم يعتبرون ويذكرون ويرجعون، ذُكر لنا أن الكوفة رجفت على عهد ابن مسعود رضي الله عنه فقال: (يا أيها الناس، إن ربَّكم يستعتبكم فأعتبوه) ، وهكذا روي أن المدينة زلزلت على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرات فقال عمر: (أحدثتم. والله، لئن عادت لأفعلن ولأفعلن) .

فالحكمة من إرسال الله بالآيات تخويف العباد لعلَّهم يرجعون، والناس عند حدوث الآيات أصناف ثلاثة، كما بينته في خطبة مضت:

فمنهم الجاحدون المكذبون كما جحد فرعون وقومه بالآيات التي جاء بها موسى عليه السلام، وفي هؤلاء قال الله تعالى: وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا [الأنعام:25] ، وقال: وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ [الأعراف:132] .

ومنهم الطبائعيون المعرضون كما قال تعالى: وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ [يس:46] وقال: وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ [القمر:2] ، وهذا كما أعرضت ثمود ـ وهم قوم النبي صالح ـ لمَّا رأوا السماء تلبَّدت وظنّوا أنَّه مجرَّد سحاب عابر ممطر فقالوا: عارض ممطرنا، وإذا هو عذابٌ أرسله الله عليهم، فلم يشعروا به حتَّى أصابهم. ومن أشبه الناس بهؤلاء اليوم الذين إذا رأوا مثل هذه الآيات قالوا: إنَّها مجرَّد ظاهرة طبيعيَّة.

وأمَّا المؤمنون الموقنون فهؤلاء هم الذين ينتفعون تمام المنفعة بهذه الآيات، فتحملهم على الخوف والمبادرة إلى التضرع والدعاء والسجود.

وقد كان النبيُّ إذا هبَّت الريح الشديدة عرف ذلك في وجهه؛ لأنَّ وراء الآيات سرًّا.

فما سرُّ ما وقع في بلادنا؟! علماء الفلك والطبائعيون لا يملكون جوابًا على هذا السؤال.

وغاية ما عندهم هو تفسير طبيعةِ ما يجري وكيفيَّة وقوعه فقط، بشروح قائمة على المعاينة والنظر تارة، وعلى مجرَّد الظنِّ والتخمين تارة أخرى.

ولكن لماذا يحدث ذلك؟ وبأمر من؟ فهذا ما تعجز علومهم عن الجواب عنه، وإنَّما يُعرف ذلك من جهة الوحي لأنَّه من الغيب الذي لا يعلمه إلاَّ الله، وقد علمنا من جهة الوحي سرَّ ذلك فاسمعوا.

قال تعالى في سبب بيان الآيات وإرسالها: وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا [الإسراء:59] ، وقال: كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [البقرة:73] ، وقال: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [البقرة:187] ، وقال: وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [البقرة:221] ، وقال: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران:103] ، وقال: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [الأعراف:89] ، فبيَّن سبحانه أنَّه تعالى يرسل بالآيات ومنها الزلازل والصواعق والرياح الشديدة والمعجزات وعجائب المخلوقات كالشمس والقمر وكسوفهما، لأجل أن يعقلها العاقلون فيهتدوا بهديه، ويتَّقوه، ويتذكَّروا، وليخافه الخائفون، ويشكره الشاكرون.

والخلاصة إنَّ هذه الآيات يجب أن تحدث فينا الخوف من الله تعالى، وتتبدَّى ثمرة ذلك في التوبة وتجديد العهد مع الله تعالى وإصلاح الحال.

ولنا فيما حدث وقفات نجلّي فيها بعض الحقائق بعد حين، والحمد لله رب العالمين.

أيُّها المسلمون، إنَّ ما أصابنا يستوجب أن نقف عنده وقفات:

الوقفة الأولى: هل الذي وقع بلاء أم عقاب؟ فقد أرسل الله على عاد الريح وعلى قوم نوح الطوفان وعلى ثمود الأمطار والسيول الجارفة، وتلك عقوبة الله لكلِّ من طغى وأسرف، وأصاب الله عباده المؤمنين بالهزيمة في أحد وهم صفوة خلقه يومئذ، ولم تكن تلك عقوبة، وإنّما كانت امتحانًا يمتحنهم الله به ويستعتبهم، فهل هذا الذي وقع فينا عقوبة أم بلاء وامتحان؟!

إنَّ ضابط التمييز بين ما هو عقوبة وبين ما هو بلاء وامتحان هو أن ننظر إلى أنفسنا وحالنا مع ربِّنا في ديننا: هل نحن على سبيل الهدى والنجاة أم على سبل الهوى والهلاك؟

فالمصائب يصيب الله بها العباد، لكنَّها ليست في حقهم سواء، فمنهم من تكون في حقه عقوبة زيادة على ما ينتظره في يوم المعاد من العذاب الأليم، وهذا شأن ملل الكفر وأمم الضلالة الذين قصَّ الله علينا خبرهم كقوم نوح وعاد وثمود، ومنهم من تكون في حقه عقوبة معجَّلة لتكفير سيئاته وذنوبه، وهذا شأن من يريد الله به خيرًا فيطهره في الدنيا قبل الآخرة، ومنهم من تكون في حقِّه بلاء وامتحانًا يستعتبهم الله بها، ليرفع منهم من يشاء في الجنة بالدرجات العلا.

الوقفة الثانية: موقف المؤمن من البلاء قبل حدوثه عدم الدعاء بالعقوبة والعذاب وعدم تمنى نزول البلاء، فإذا حصل البلاء فيجب الصبر وعدم الجزع وعدم تسخُّط القدر.

وقد سمعت من كان يعتدي في الدعاء قبل الاستسقاء ويدعو بنزول المصائب والكوارث!!!

الوقفة الثالثة: يسأل بعض الناس: لماذا حدث هذا؟ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران:165] . فإنَّما هي السيئات والمظالم، وهذا قد شرحناه لكم مرات وكرات.

الوقفة الرابعة: مخالفة الشرع في أمور المعاش كمخالفة الشرع في أمور الدين، فمن اقتحم الأسباب الطبيعية للهلاك وُكِّل إليها، ولم يمنع من تحقُّق الهلاك ووقوعه أنَّه يريد بها احتساب الأجر عند الله، أو التوكُل على الله في حصول العافية ودوامها، فكيف إذا تم ذلك بالمخالفة الواضحة للشرع؟!

ألم ينهنا رسول الله عن التعريس في الأودية؟! فكيف بمن جعلها محلَّ إقامته وتجارته؟! ألم ينهنا النبيِّ عن المكث أو المشي ببطء أمام الجدار المائل الذي يخشى أن ينقض؟! فكيف بمن عصى واستقرَّ في بيوت جدرانها على وشك السقوط طمعًا في عرض الدنيا أن يستفيد من سكن؟! هذا وللأودية مجاري في الأرض معلومة، فمن صيَّرها طرقات دون تحويل لمجرى الوادي فقد مهَّد السبيل لهلاك المارّة، فليتحمَّل كلٌّ مسؤوليَّته في هذا.

الوقفة الخامسة: كيف يتقبل الناس البلاء؟ فمن الناس من يزيده البلاء كفرًا وطغيانا، ولقد بلغني أنَّ من الناس من قال استهزاء: سألنا الله مطرًا نافعًا فأنزل علينا مطرًا مهلكا، من قال هذا فسواء أكان جادًّا أو مازحًا فلقد كفر بالله العظيم وارتدّ عن الدين، وتلزمه التوبة والعودة إلى الإسلام من جديد. ولست أحبُّ أن أدنِّس المقام بذكر ما تفوَّه به بعض المردة السفهاء في بعض الصحف المفرنكة الغريبة عن مشاعر أمّة الإسلام وتوجهاتها والشاذة عن الجماعة مِن كفرٍ صراح يستوجب ضرب الرقاب، ولكن لا نجد من يصلبهم، فإنَّ الحدود إنَّما يقيمها ولاة الأمور لا آحاد الرعية.

الوقفة السادسة: مهما كان الأمر فلا ينسينا الذي حدث أن نتهيَّأ لشهر رمضان، نتهيَّأ له بالتوبة النصوح وبالأعمال الصالحات التي يختص بها هذا الشهر كما يختص بتعظيم أجورها، ومن ذلكم عبادة الصيام والقيام وتلاوة القرآن وسماعه، والإكثار من ذكر الله بالتسبيح والتكبير والتهليل والتحميد والصلاة على النبيِّ.

الوقفة السابعة: في رمضان المعظّم يجتمع شمل الأسرة المسلمة على مائدة الإفطار اجتماعا ينتظم عقده ويظهر جماله على هذه المائدة، وفي هذا الوقت المحدد، ولا يكون ذلك غالبا إلا في هذا الشهر الكريم المبارك.

أيها الإخوة، إنَّ حقًّا على من اجتمع شمله وانتظم عقد أهله في هذه الأيام المباركة أن يحمد الله ويشكره، ويعرف لربه فضله ونعمته.

ولكن ـ أيها الأحبة ـ كيف يكون الشكر على وجهه؟ وكيف يقوم العبد بالحمد على حقيقته؟

هذه النعمة التي تعيشها مع أسرتك وإخوانك ورفاقك في أمن وأمان وعز وهناء ـ بارك الله فيك وفي أهلك، وحفظ عليك شملك ـ هل فكرت في إخوان لك حلّت بهم ظروف، ووقعت بهم نكبات، ودالت عليهم الأيام، فعاشوا تحت وطأة البؤس وهموم الحاجة وعوامل التشريد؟!

إنَّ جلوسك مع أحبابك وذويك في هناء وسعادة ـ أدام الله سعادتك ـ ينبغي أن يبعث فيك تفقُّد أصناف من البؤساء وألوان من التعساء.

فيهم فقراء لا مورد لهم، ونسوة لا عائل لهن، وأيتام لا آباء لهم، ومشرَّدون لا سكنى لهم، يتامى فقدوا أحضان من يرعاهم، عاجزون عن أن يصلوا إلى قوتهم بأيديهم، أطفال يتضوّرون جوعا، وآباء يقطعون حسرات، وأمهات مكلومات تحجّر الدمع في أعينهن.

من ذا يسمع هذه الأنباء فلا يذوب قلبه حزنا؟!

كيف يصلح الحال وأنت ترى في الناس من يقف موقف المتفرج، يسمع الأنين ولا يكترث، ومن يرى الدمع فلا يلتفت، بل يأبى بعضهم إلا أن يجرعهم غصصا من الذل والهوان، فيستغلُّ هذه الأوضاع ليحتكر الطعام والشموع والخبز وما يضطر إليه الناس فيبيعه بأغلى الأثمان!! لا جرم أنَّه يستحق المقاطعة زجرًا له ولأمثاله.

أين الصالحون المحسنون الصائمون القائمون الذين بين جوانحهم أفئدة رقيقة ونفوس إلى الخير سباقة، يؤمنون حقا بأخوة الإسلام وحق الجوار ووشائج القربى؟! وهل يرحم الله من عباده إلا الرحماء؟!

معاشر المسلمين، إنَّ الله أخرج لنا آية تدل على شدَّة غضبه، وهو سبحانه يستعتبنا بها، وإنَّ من أعظم الأسباب التي تطفئ غضب الرب الصدقة، فالصدقة وإغاثة الملهوف وتفريج كربات المغموم من الأعمال والعبادات التي يحبها الله وتطفئ غضبه، وها أمامكم عوائل وأطفال أيتام ونساء ثكالى وأرامل وشيوخ ومرضى، فليسعف كل ذي سعة بحسب ما وسع الله عليه من العافية والصحة والمتاع، تفقَّدوا ذوي الكربات والحاجات وأسعفوهم بما تيسَّر لديكم من ضرورة العيش والعافية.

أقول ما سمعتم، والله يغفر لي ولكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت