العلم والدعوة والجهاد
العلم الشرعي
عبد العزيز الغراوي
الدار البيضاء
غير محدد
1-إنّ أول آية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم آمرةٌ بالتعلّم والقراءة والتربية 2- مكانة
العلم في الإسلام وفضله وفضل أهله لم تكن في دين قبله 3- الحث على إدخال الأبناء في
المدارس الشرعية لِما لذلك من الآثار الحسنة لهم ولمجتمعاتهم في الدنيا والأخرى 4- تجرّد
طالب العلم نيّته لله لا للجاه ولا للمال ولا للرياء والسمعة والمِراء والمجادلة
أيها الإخوة والأخوات: إن طبيعة الإسلام تفرض على الأمة التي تعتنقه أن تكون أمة متعلمة ترتفع فيها نسبة المتعلّمين وتهبط أو تنعدم نسبة الجاهلين، ذلك لأن حقائق هذا الدين من أصول وفروع ليست طقوسًا تُنقل بالوراثة أو تعاويذ تشيع بالإيحاء وتنتشر بالإيهام.
كلا إنها حقائق تستخرج من كتاب الله الكتاب الحكيم ومن سنة واعية , من سنة الرسول الكريم ولقد كان أول مانزل من القرآن الكريم على رسولنا محمد اقرأ باسم ربك الذي خلق ولم يقل الله سبحانه وتعالى: إقرأ بإسم الله ذلك, لأنه جل وعلا أراد منذ البدء أن يشير إلى أن هذا الدستور الإلهي النازل من السماء إنما هو تربية، إنه نزل باسم المربي، ومادامت هذه التربية إلهية المصدر, فهي إذن محكمةٌ الإحكامَ كلَّه كاملة في جميع جوانبها.
عباد الله كانت (( اقرأ ) )دعوة آمرةً إلى الثقافة, إلى العلم, إلى الفكر, إلى البحث المستفيض في السماء وفي الأرض وفي الجبال والبحار، وفي كل ماخلق الله تعالى من كائنات صغيرة كانت أم كبيرة, كانت أول صيحة تسمو بقدر القلم، وتفيض بقيمة العلم, وتعلن الحرب على الأميّة الغافلة, وتجعل اللّبِنَة الأولى في بناء كل رجل عظيم أن يقرأ وأن يَعلَم، ولم يسبقِ الإسلامَ دينٌ وقف من العلم كموقف الإسلام من الدعوة إليه والإشادة بفضله, والنصوص في هذا الباب كثيرة قال تعالى: ن والقلم وما يسطرون وقال جل وعلا: والطور وكتاب مسطور في رَقٍ منشور.
ومن المعلوم أن أداة العلم قلم يكتب ومداد يُوضح، ومادة يكتب عليها، وقد أقسم الله بهذه الأدوات كلها، ومن أمعن النظر في كتاب الله الكريم وجد أن الله سبحانه إنما يقسم بكثير من مخلوقاته تنويهًا بشأنها ولفتًا لأنظار الناس إليها.
أيها المسلمون: إن الميزة الأولى التي ينفرد بها الإنسان هي استعداده للعلم, ومن أجلها استحق الخلافة في الأرض والسيطرة عليها، واستحق أن تخضع له أكرم مخلوقات الله, وهم الملائكة, فأمرهم الله بالسجود لآدم بعد أن أظهر عليهم ميزته بالعلم, بعدما كانوا تعجبوا كيف يجعل الله في الأرض خليفة ممن شأنُه سفك الدماء والإفساد في الأرض ومما جاء في الحديث الشريف عن فضل العلم قول الرسول: (( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم يتنفع به أو ولد صالح يدعو له ) )1.
أيها الإخوة المؤمنون: ومن الإشادة بالعلم الإشادة بالعلماء، ففي القرآن الكريم والسنة المطهرة من الإشادة بفضلهم مايلفت الأنظار إلى سمو مكانة العلماء في نظر الإسلام قال تعالى: يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات وقال سبحانه: إنما يخشى الله من عباده العلماء وفي الحديث الشريف قال رسول الله: (( العلماء ورثة الأنبياء ) )2 ، وقال: (( إنما بعثت معلمًا ) ).
ولاشك أن المعلمين والمربين داخلين تحت مسمى العلماء وإلا ما طلب منهم تعليم غيرهم مما حصلوا عليه من علوم ومعارف في مجالات مختلفة من شؤون الحياة ومطالبها ومنافعها، كما يلحق بهؤلاء الأطباء والمهندسون والخبراء وغيرهم إذا اقترنت علومهم ومعارفهم بالإيمان بالله والإحسان إلى الناس، لأن الإسلام يدعوا إلى كل علم يرفع الجهل وينفع المرء في دينه ودنياه، لهذا جاء الأمر بتعلم العلم واعتبر فريضة واجبة فقال رسول الله: (( طلب العلم فريضة على كل مسلم ) )3 ، وقد حث الإسلام أبناءه على الرحلة في طلب العلم فقد صح عن الرسول: (( من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة ) )4.
أيها المسلمون: إذا كانت هذه منزلة العلم والعلماء فطلاب العلم الشرعي وعلماؤه هم أكثر الناس حظًا للحصول على هذا الأجر إذا هم طلبوا العلم إبتغاء مرضات الله، لأن الله أراد بهم الخيرة فجعلهم أئمة الهدى ودعاة الخير وخلفاء الأنبياء في الدعوة إلى الله.
عباد الله أيها المؤمنون: لابد لنا من دفع مجموعة من أبنائنا إلى طلب العلم الشرعي ليتفقهوا في دين الله تعالى, لأن من يُرد الله به خيرًا يفقهه في الدين إذا تركنا هذا الباب وقع الإثم على الجميع, فاتقوا الله تعالى واطلبوا العلم الشرعي, فإن هذا العلم رفعة في الدنيا والآخرة، واطلبوا العلم يكن لكم لِسان صِدق في الآخرين، فإن آثار العلم تبقى بعد فناء أهله, فالعلماء الربانيون لم تزل آثارهم محمودة وطريقتهم مأثورة وسعيهم مشكورًا وذكرهم مرفوعًا, إن ذكروا في المجالس امتلأت المجالس بالثناء عليهم والدعاء لهم, وإن ذكروا في الأعمال الصالحة والآداب العالية كانوا قدوة الناس فيها، فتعلموا العلم عباد الله لتنالوا بركته وتجنوا ثماره تعلَّموا العلم للعلم لتعملوا به لا لتجادلوا به وتُماروا به, فإن من طلب العلم ليماري به السفهاء أو يجاري به العلماء فقد عرض نفسه لعقوبة الله ونزل بها إلى الهدف الأسفل، لا تطلبوا العلم للمال فإن العلم أشرف من أن يكون وسيلة إلى المال, وإن المال أحق أن يكون وسيلة للعلم لأن المال يفني والعلم يبقى ورضي الله عن مصعب بن الزبير الذي قال لابنه: (( يا بني تعلم العلم فإنه إن يك لك مال كان لك العلم جمالًا وإن لم يكن لك مال كان لك العلم مالًا ) )ولله در من قال:
ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم على الهدى لمن استهدى أدلاّء
وقدر كل أمرئ ماكان يجنيه والجاهلون لأهل العلم أعداء
وقال:
تعلم فليس المرء يولد عالمًا وليس أخو علم كمن هو جاهل
وإن كبير القوم لاعلم عنده صغير إذا التفت عليه المحافل
1 -رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
2 -رواه أحمد وأبو داود.
3 -رواه البيهقي.
4 -رواه مسلم وأبو داود والترمذي.
لم ترد.