الرقاق والأخلاق والآداب
مساوئ الأخلاق, مكارم الأخلاق
عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
الرياض
جامع الإمام تركي بن عبد الله
1-الأمر بالتواضع. 2- التواضع لله تعالى. 3- التواضع للمؤمنين. 4- التواضع للكبار. 5- التواضع للوالدين. 6- حاجة الدعاة ورجال الحسبة والعلماء إلى التواضع. 7- التحذير من الكبر.
أمّا بعد: فيا أيّها الناس، اتقوا الله تعالى حقَّ التقوى.
عبادَ الله، في صحيح مسلم رحمه الله عن عياض بن حمار رضي الله عنه أنّ رسول الله قال: (( إنّ الله أوحى إليّ أن تواضعوا، حتى لا يفخرَ أحدٌ على أحد، ولا يبغيَ أحد على أحد ) ) [1] .
أيّها المسلمون، كلمتان عظيمتان مِن جوامع كلِمِه ، يرشد بها أمّتَه إلى الطريق المستقيم والمنهج القويم في تعامل بعضهم مع بعض، (( إنّ الله أوحى إليَّ أن تواضعوا، حتى لا يفخرَ أحد على أحد، ولا يبغيَ أحدٌ على أحد ) ).
أيّها المسلمون، التواضعُ خلقٌ شريف يمنحه الله من يشاء من عباده، فيجعل في قلبه التواضع، وهذا التواضعُ عزٌّ للمسلم، وشرفٌ له، ورفعٌ لقدره في الدنيا والآخرة. وبضدِّه الكبرُ والبغي على الناس، ذلٌّ وهوان في الدنيا والآخرة. والتواضعُ نعمةٌ يتفضّل الله بها على من يشاء من عبادِه.
وأعظمُ التواضع تواضعُك لربّك جل وعلا، وذاك بأن تستيقنَ وتستحضرَ عظيمَ نِعَم الله عليك، وعظيمَ فضله وآلائه وإحسانه إليك، فهو الذي خلقك، وهو الذي ربّاك بالنعم، وهو الذي منحك السمع والبصرَ والفؤاد، وهو الذي خلقك في أحسَن تقويم، وهو الذي غمرَك بنعمِه ظاهرةً وباطنة، وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ ?للَّهِ [النحل:53] ، عَلَّمَ ?لإِنسَـ?نَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق:5] ، وَ?للَّهُ أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أُمَّهَـ?تِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ ?لْسَّمْعَ وَ?لأبْصَـ?رَ وَ?لأفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل:78] . فإذا عرف العبدُ عظيمَ نِعَم الله عليه وعظيمَ آلائه تواضَع لعظمةِ ربّه، واستكان لربِّه، وذلّ لربِّه، تواضُعًا يدعو إلى العمَل الصالِح والاستقامةِ على الخير، إنّه يتفكّر في نِعَم الله، فلا يطغَى، ولا يعجَب بنفسِه، ولا يتكبَّر على ربِّه، ما به من إيمان وعملٍ صالح فبتوفيقِ الله، وَلَـ?كِنَّ ?للَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ?لإيمَـ?نَ وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ?لْكُفْرَ وَ?لْفُسُوقَ وَ?لْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ ?لراشِدُونَ [الحجرات:7] ، وقال: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَىَّ إِسْلَـ?مَكُمْ بَلِ ?للَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَـ?نِ إِنُ كُنتُمْ صَـ?دِقِينَ [الحجرات:17] ، وقال جل وعلا: وَلَوْلاَ فَضْلُ ?للَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ ?لشَّيْطَـ?نَ إِلاَّ قَلِيلًا [النساء:83] .
فالإيمان والعملُ الصالح والاستقامة عليه مِنّة من الله على عباده، لَقَدْ مَنَّ ?للَّهُ عَلَى ?لْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءايَـ?تِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ ?لْكِتَـ?بَ وَ?لْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَـ?لٍ مُّبِينٍ [آل عمران:164] .
إذًا فكلُّ الفضل والنِّعَم ظاهرةً وباطنةً من الله تفضُّلًا وإحسانًا، إذًا فالمسلم يتواضَع لربِّه بقبولِ أمره، والبُعد عن نهيه، والسمعِ والطاعة له ولرسوله ، ولذا وصَف النبيّ ضدَّ ذلك بالكبر، فوصف الكبرَ بقوله: (( الكبرُ بطر الحقِّ وغَمط الناس ) ) [2] ، فَلا يردُّ الحقَّ إلا متكبِّر، ولا يغمط الناسَ حقوقَهم إلا متكبِّر، أما القابل للحقّ والراضي به والمستجيبُ لله ورسوله فذاك المتواضعُ حقًّا.
وقد توعّد الله المعرضين عن دينه بأعظم وعيد، توعَّد الله من تكبّر عن دعائه بأعظم وعيد، وَقَالَ رَبُّكُمْ ?دْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ?لَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ د?خِرِينَ [غافر:60] .
أيّها المؤمن، يا من منحَه الله الإيمان والعمل الصالح، تواضَع لربِّك، وإيّاك أن تعجَبَ بعملِك وتظنّ أنّ ذلك بسبب قدرتِك، لا، بل هي بفضلِ الله عليك، وأعمالك الصالحةُ سببٌ، والكلُّ بتدبير الحيّ القيّوم، ولهذا يقول لمّا سئِل عن دخول الجنة: أيدخلها الإنسان بعَمَله؟ قال: (( لن يدخلَ أحدُكم الجنّةَ بعمله ) )، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (( ولا أنا، إلاّ أن يتغمّدنيَ الله برحمةٍ منه ) ) [3] .
فيا أيّها المؤمن، استقِم على الطاعة، واعرف أنّ هذا فضلٌ من الله عليك، فإيّاك أن تعجَبَ بعمَلك، أو أن تُدْليَ على الله بعملك، فلولا فضل الله عليك ما اهتديتَ، ولولا فضل الله عليك ما انشرَح صدرك بقبول الحقّ، ولولا فضل الله عليك ما قمتَ بما قمتَ به من الواجبات، كم ضلَّ قومٌ لديهم قوًى سمعٌ وبصر وفؤاد، ولكن لما حِيل بينهم وبين التوفيق لم تنفعهم تلك الحواسّ، قال جل وعلا: وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَـ?رًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى? عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَـ?رُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مّن شَىْء إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بِئَايَـ?تِ ?للَّهِ وَحَاقَ بِهم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ [الأحقاف:26] ، وأخبر عن أهل النّار أنّهم يقولون يوم القيامة: لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِى أَصْحَـ?بِ ?لسَّعِيرِ [الملك:10] .
فالله الذي منحك الإيمانَ، ومنحك الثباتَ عليه، فاشكر اللهَ على هذه النّعمة، وسَله أن يثبّتَك على الهدى، وأن لا يزيغَ قلبَك بعد إذ هداك، وارحَم أهلَ الانحراف عن الهُدى رحمةً تقتضِي دعوتَهم إلى الخَير ونصيحتَهم وتبيينَ الحقّ لهم، عسى الله أن يفتح على قلوبهم ويهديهم صراطه المستقيم.
أيّها المسلم، ومِن التواضُع أن تتواضعَ لإخوانِك المؤمنين قال جلّ وعلا: وَ?خْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ ?تَّبَعَكَ مِنَ ?لْمُؤْمِنِينَ [الشعراء:215] ، وقال جلّ وعلا لنبيِّه: وَ?صْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ?لَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِ?لْغَدَاةِ وَ?لْعَشِىّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ ?لْحَيَو?ةِ ?لدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَ?تَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف:28] ، وقال له أيضًا: عَبَسَ وَتَوَلَّى? أَن جَاءهُ ?لأَعْمَى? وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى? أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ?لذّكْرَى? أَمَّا مَنِ ?سْتَغْنَى? فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى? وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى? وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى? وَهُوَ يَخْشَى? فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى? [عبس:1-10] ، هكذا أرشد الله نبيَّه أن يتواضعَ لأهل الإيمان وأهل التقى تواضُعَ محبّة وإناسٍ بهم وانشراح صدرٍ لهم، ومحبّتهم ومواساتهم والوقوف معهم، وَإِذَا جَاءكَ ?لَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِئَايَـ?تِنَا فَقُلْ سَلَـ?مٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى? نَفْسِهِ ?لرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [الأنعام:54] ، وقال جل وعلا: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِى ?للَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى ?لْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ?لْكَـ?فِرِينَ [المائدة:54] ، فهم مَع المؤمنين تواضُع ومحبّة ومودّةٌ وموالاة، قال جلّ وعلا في وصفِ أصحاب نبيّه: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ?للَّهِ وَ?لَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى ?لْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ [الفتح:29] ، هكذا المؤمن مع إخوانه المؤمنين، هذا التواضُع يدعوهُ إلى نصيحتهم ومحبّتهم والبعدِ عن غِشِّهم وخيانتهم، وأن يكونَ موقفه معهم موقفَ المحِبِّ الناصح الباذل للخير البعيدِ عن الشرّ، فيأمنون شرَّه، ويأمنون غوائلَه، ويأمنون خبثَه، ويأمنون غِشَّه، ويأمنون خيانتَه، ويؤمِّلُون فيه بعدَ الله الخيرَ والهدى، وفي الحديث: (( لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبّ لنفسه ) ) [4] .
أيّها الشاب المسلم، تواضَع لمن هو أكبرُ منك سنًّا، تواضُعًا يقتضي إكرامه وإجلالَه، وأن لا تؤذيَه، وأن لا ترفع صوتك عليه، وأن تذكرَ له كبرَ سنّه وعمرَه في الإسلام، في الحديث يقول: (( إنّ من إجلال الله إكرامَ ذي الشيبةِ من المسلمين وحاملِ القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه ) ) [5] ، فإكرامُك ذا الشيبة من المسلمين دليلٌ على تواضعك، إكرامك له دليل على نفسِك الطيّبة، إكرامُك له دليل على أصالتِك في الخير. فإيّاك أن يخدعَك شبابُك، فلا تبالي بالأكبر سنًّا ولا تنظر له إلا نظرَ احتقارٍ وازدراء، هذا كلّه نقصٌ في الإيمان. أمّا التواضع في المسلم فيجلّ الكبير ويحترمه، ويرى له فضلًا وسابقة، هكذا أرْشد النبيّ أمته ورباهم على هذا الخلق الكريم، وفي الحديث: (( ليلِني منكم أولو الأحلام والنهى ) ) [6] ، يعني أن يكونوا قريبًا من الإمام في الصلاة.
أيّها المسلم، إنّ أعظمَ [الحقوق] عليك بعدَ حقّ الله حقُّ الوالدين، فقد أمرك الله بالتواضع لهما والذلِّ لهما في الطاعة، قال جل وعلا: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ?لْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَ?خْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ?لذُّلّ مِنَ ?لرَّحْمَةِ وَقُل رَّبّ ?رْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا [الإسراء:23، 24] ، اخفِض لهما جناحَ الذلِّ من الرحمةِ، أي: تواضَع لهما تواضعًا مقرونًا برحمَة، ومقرونًا بعَطف، كلماتٌ طيّبة، وخطاب لطيف، وتعامل يشفّ عن رحمةٍ وإحسان وتقدير للمواقف وتذكُّر للجميل السابق والمعروف الماضي، هكذا يكون المسلم، وَ?خْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ?لذُّلّ مِنَ ?لرَّحْمَةِ [الإسراء:24] ، فلا ترفَع الصوت عليهما، ولا تقسو عليهما في الخطاب، ولا تعاقبهما عن زللٍ، وإنما التواضعُ لهما والمحبّة والشّفقة، والخِدمة والحنان والتلطُّف في الأقوال والأعمال، هكذا يكون المسلم.
وَ?خْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ?لذُّلّ مِنَ ?لرَّحْمَةِ وَقُل رَّبّ ?رْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا ، مع هذا التواضُع ومع هذا العمل يدعو الله أن يرحمَهما ويحسنَ إليهما، فلسان حاله يقول: يا ربّ لم أستطع القيامَ بحق الأبوين، يا ربّ لم أقدر على أن أوفيهما حقَّهما مع البرّ والإحسان، يسأل الله لهما المزيدَ من الخير والرّحمة، هكذا يكون المسلم مع أبَويه، هكذا المسلم الحقيقيّ الذي يرجو الله ويخاف عقابَه، وقد جعل الله برَّهما سببًا لصلاح القلب وبركةِ الرزق وتواصُل البرِّ في الأبناء والأحفاد، فضلُ الله، وفي الأثر: (( برّّوا بآبائكم تبرّكم أبناؤكم ) ) [7] .
ومِن التواضع المطلوب للدّعاة إلى الله، فالدّعاة إلى الإسلام والدّعاة إلى شرع الله يجب أن يكونَ عندهم التواضع التامّ، هذا التواضعُ يظهَر في حُسن عرضهم لمحاسن الإسلام وأخلاق الإسلام، ويعلَموا أنّ الدعوةَ إلى الله عملٌ من أشرف الأعمال، بل هو خُلُق النبيّ وأنبياء الله السابقين فليكن الداعي إلى الله على جانبٍ من الحِلم والصّفح والعَفو واللُّطف في الأقوال: ?دْعُ إِلِى? سَبِيلِ رَبّكَ بِ?لْحِكْمَةِ وَ?لْمَوْعِظَةِ ?لْحَسَنَةِ وَجَـ?دِلْهُم بِ?لَّتِى هِىَ أَحْسَنُ [النحل:125] .
لا يقصِد بدعوتِه شماتةً بآخرين، ولا إذلالًا لهم وتكبّرًا عليهم، وإنما هدفُه إنقاذهم من الضلالة، إنقاذهم من مخالفة شرع الله وهدايتُهم إلى الطريق المستقيم، ولذا كان نبيّنا رأسَ المتواضعين في الدعوة إلى الله بحِلمه وصَفحه وتواضُعه الجَمّ، ملَك القلوبَ بأعماله وأخلاقه ، يقول الله له: فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ ?للَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ ?لْقَلْبِ لانْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَ?عْفُ عَنْهُمْ وَ?سْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى ?لاْمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ?للَّهِ [آل عمران:159] ، فكان أحلمَ الخلق وأكرمَ الخلق وأعظمَهم تواضعًا، من رأى مُحيَّاه أحبَّه وعرف أنّ وجهه وجهُ خير وهدًى صلوات الله وسلامه عليه أبدًا دائمًا إلى يوم الدين.
فالدّعاة إلى الإسلام إن يكن عندهم تواضعٌ أقبل الناس إليهم، وأصغوا إلى مقالتهم، واستمعوا لما يعرضونه، وإن يكن تكبّرٌ وأنَفَة فإنّ ذلك يصرف الناسَ عنهم وعن قبول دعوتهم.
أيّها الآمرون بالمعروف والنّاهون عن المنكر، إنّ التواضعَ مطلوبٌ منكم، فأنتم أمَرَة بخير ونُهاة عن شرّ، فاحذروا أن يكون هدفكم إذلالَ الناس أو إهانتهم، أو أن يكونَ الآمر بالمعروف يقصد بأمره غيرَ المقصَد الحسَن. فمروا بالمعروف، وانهَوا عن المنكر على وفق شرع الله، وليكن التواضع رائدًا لكم في أحوالكم كلِّها، ليكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منطلقًا من رحمةٍ بالمسلمين وإحسان إليهم وشفَقة عليهم ومحبّة إنقاذِهم من النار، فلا تشمِتوا بهم، ولا تستهزئوا، ولا تحتقِروا، ولا تخاطِبوا إلاّ بكلِّ خِطاب فيه رِقّة ولين، والله يقول لنبيّيه في مخاطبتِهما لأعظم عدوّه: فَقُولاَ لَهُ قَوْلًا لَّيّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى? [طه:44] .
أيّها العلماء، ويا أيّها المنتسِبون إلى العلم، ليكن العلم سببًا للتواضع، وسببًا لخفض الجناح، فإنّ العلم إذا دعا إلى التواضُع صار عِلمًا نافعًا، وإن دعا العلم إلى الكِبر والإعجابِ بالنفس والانخداع بها صار ـ والعياذ بالله ـ عِلمًا سيّئًا، ولم يكن علمًا نافعًا. فالعلم النافع يدعو إلى التواضع، ويدعو العالمَ إلى أن يكونَ متواضِعًا، ليمدّ الناسَ بالخير، ويوجّههم للطريق المستقيم، تواضعًا يقبَل الحقَّ ممّن جاء به ولو خولِف في رأيِه أو خولِف في قوله فلا يهمّه ذلك، هدفُه إصابة الحقّ والعمَل به، فلا يستنكِف أن يقالَ له: أخطأتَ أو أن يقال: خالفتَ الصواب؛ لأنّ هذا ينافي التواضع المطلوبَ من المنتسبِ إلى العلم والهدى.
فليكن التواضُع رائدًا فيما بيننا، هكذا ربّى الإسلام المسلمين، ربّاهم محمّد على هذه الأخلاق الكريمةِ والأعمال الطيّبة، وصدق الله إذ يقول لنبيّه: وَإِنَّكَ لَعَلَى? خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإيّاكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.
[1] صحيح مسلم: كتاب الجنة (2865) .
[2] أخرجه مسلم في كتاب الإيمان (91) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
[3] أخرجه البخاري في كتاب المرضى (5673) ، ومسلم في كتاب صفة القيامة (2816) عن أبي هريرة رضي الله عنه. وفي الباب عن عائشة وجابر وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم.
[4] أخرجه البخاري في كتاب الإيمان (13) ، ومسلم في كتاب الإيمان (45) عن أنس بن مالك رضي الله عنه.
[5] أخرجه أبو داود في الأدب (4843) ، ومن طريقه البيهقي في الكبرى (8/163) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وحسنه النووي في رياض الصالحين (173) ، وابن حجر في التلخيص الحبير (2/118) ، والألباني في صحيح الترغيب (98) . وقد أخرجه البخاري في الأدب المفرد (357) ، وابن أبي شيبة (6/421) عن أبي موسى موقوفا، قال ابن عبد البر في التمهيد (17/430) :"وقد روي مرفوعا من وجوه فيها لين".
[6] أخرجه مسلم في الصلاة (432) عن أبي مسعود البدري وعن ابن مسعود رضي الله عنهما، وهما حديثان، وقد عُدّا في طبعة محمد فؤاد عبد الباقي حديثا واحدا.
[7] روي مرفوعا ولا يصح، انظر: السلسلة الضعيفة (2039، 2043) .
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه كما يحبّ ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أمّا بعد: فيا أيّها الناس، اتقوا الله تعالى حقَّ التقوى.
يقول: (( ما نقَصت صدقة مِن مال، وما ازداد عبدٌ بعفوٍ إلاّ عِزًّا، وما تواضع عبدٌ لله إلا رفعه الله ) ) [1] .
إيّاك والكبرَ أخي المسلم، إيّاك أن يغرّك مالك، أو يغرّك جاهُك أو منصبك، أو يغرّك عِلمك أو أيّ أمر مِن الأمور، أن تتكبّر على إخوانك أو تحتقرَ إخوانَك المسلمين وتراهم أقلَّ منك منزِلة، فلا ترى لهم قدرًا ولا قيمة.
يقول: (( المسلم أخو المسلم؛ لا يظلمه ولا يكذِبه ولا يحقره، التقوَى ها هنا ـ وأشار إلى صدره ـ ، بحسب امرِئ من الشرّ أن يحقِرَ أخاه المسلم، كلُّ المسلم على المسلم حرام، دمُه وماله وعِرضه ) ) [2] .
إنّ الشيطانَ يزيّن لابن آدم الكِبر، ويجعل التواضعَ ذلًا وهوانًا، فيغرِيه بالكبر حتّى يطغى، قال الله: كَلاَّ إِنَّ ?لإِنسَـ?نَ لَيَطْغَى? أَن رَّءاهُ ?سْتَغْنَى? [العلق:6، 7] ، ربّما تكبّر على رحِمه لكونِهم فقراءَ أو جهّالًا، ويرى منزلتَه فوق منزلتهم، ويرى أنّهم لا قيمةَ لهم لكونهم لم يبلغوا منزلته مالًا وجاها ونحو ذلك.
إنّ عدوَّ الله ربّما يزيّن للمسلم احتقارَ المسلمين عمومًا، فيرى من لم يبلغ مبلغَه أنه شخصٌ لا قيمةَ له ولا وزنَ له في الحياة، هكذا يصوّر الشيطانُ لضعفاء الإيمان. أمّا المسلم الذي يعلم أنّ الأمر بيد الله، وأنه يعِزّ من يشاء ويذلّ من يشاء ويدبّر الأمور بما شاء، لا مانِع لما أعطى ولا معطيَ لما منع، فهو يتواضع لربّه، ويتواضع لإخوانه المسلمين في المعروف، هكذا المسلم.
أسأل الله أن يوفّقَني وإيّاكم لصالح العمل.
واعلموا ـ رحمكم الله ـ أنَّ أحسنَ الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمّد ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإنّ يد الله على الجماعة، ومن شذّ شذّ في النار.
وصلّوا ـ رحمكم الله ـ على عبد الله ورسوله محمّد كما أمركم بذلك ربّكم، قال تعالى: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .
اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على عبدك ورسولك محمّد، وارضَ اللهمّ عن خلفائه الراشدين...
[1] أخرجه مسلم في البر (2588) عن أبي هريرة رضي الله عنه نحوه.
[2] أخرجه مسلم في البر (2564) عن أبي هريرة رضي الله عنه نحوه.