فهرس الكتاب

الصفحة 5575 من 5777

أبواب المغفرة

الرقاق والأخلاق والآداب

التوبة

حسان بن إبراهيم السيف

غير محددة

غير محدد

1-الافتقار إلى الله تعالى. 2- الله غفور ودود. 3- دعاء الله ورجاؤه. 4- فضل الاستغفار. 5- فضل التوحيد.

أيها الأحبة، إن في القلب شعثًا لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله في خلوته، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفة الله وصدق معاملته، وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار منه إليه، وفيه نيران حسرات لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه ومعانقة الصبر على ذلك إلى لقائه، وفيه فاقة لا يسدّها إلا محبّة الله والإنابة إليه ودوام ذكرِه وصدق الإخلاص له، ولو أعطِي العبد الدنيا وما فيها لم تسدّ تلك الفاقة منه أبدًا.

فليتك تَحلو والْحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب

وليت الذي بينِي وبينك عامر وبيني وبين العالَمين خراب

إذا صحّ منك الود فالكل هين فكلّ الذي فوق التراب تراب

قال ابن سعدي رحمه في تفسير قوله تعالى: وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ:"هو الغفور الذي يغفر الذنوب جميعها لمن تاب، ويعفو عن السيئات لمن استغفره وأناب، وهو الودود الذي يحبه أحبابه محبة لا يشبهها شيء، فكما أنه لا يشبهه شيء في صفات الجلال والجمال فمحبته في قلوب خواص خلقه لا يشبهها شيء من أنواع المحاب".

ولهذا كانت محبته أصل العبودية، وهو تعالى الودود الوادُّ لأحبابه، والمودّة هي المحبة الصافية، وفي هذا سرّ لطيف حيث قرنَ الودود بالغفور ليدل ذلك على أن أهلَ الذنوب إذا تابوا إلى الله وأنابوا غفَر لهم ذنوبهم وأحبَّهم، فلله الحمد والثناء وصفو الوداد، ما أعظمَ برَّه وأكثر خيرَه وأغزرَ إحسانه وأوسعَ امتنانَه، وسعت رحمته كلَّ شيء، وعمّ بفضله كلَّ حيّ.

أيها المسلمون، عن أنس بن مالك رضي عنه قال سمعت رسول الله يقول: (( قال الله تعالى: يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرتُ لك على ما كان منك ولا أبالي. يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك. يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة ) )رواه الترمذي وقال:"حديث حسن صحيح".

هذه ثلاثة من أبواب المغفرة فتحها من يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار:

أولها قوله عز وجل: (( يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي ) )، وأعظم ما يسأل العبد ربه أن يسأله مغفرة ذنوبه؛ ولذا لما سألت عائشة رضي الله عنها رسول الله قالت: يا رسول الله، أرأيت إن علمت أيّ ليلة ليلة القدر ماذا أقول فيها؟ فقال: (( قولي: اللهم إنك عفوّ تحبّ العفوَ فاعف عني ) ). وقال أبو مسلم الخولاني: ما عرضت لي دعوة فذكرت النارَ إلا صرفتها إلى الاستعاذة منها، ومن رحمة الله تعالى بعبده أن العبد يدعوه بحاجه من الدنيا فيصرفها عنه ويعوّضه خيرًا منها؛ إما أن يصرف عنه بذلك سوءًا، أو يدّخرها له في الآخرة، أو يغفر له بها ذنبا، فعن أبي سعيد عن النبي قال: (( ما من مسلم يدعو بدعوة ليس له فيها إثم أو قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يغفر له بها ذنبًا قد سلف ) )، قالوا: إذا نكثر؟ قال: (( الله أكثر ) )رواه الطبراني.

ومن أعظم أسباب المغفرة أن العبد إذا أذنب ذنبا أن يعلم أنه لا يغفر الذنوب إلا الله ولا يأخذ بها غيره، فلا يرجو مغفرته من غير ربه، عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا قال: (( يأتي الله بالمؤمن يوم القامة فيقربه حتى يجعله في حجابه من جميع الخلق، فيقول له: اقرأ، فيعرّفه ذنوبه ذنبًا ذنبا، يقول: أتعرف أتعرف؟ فيقول: نعم نعم، حتى يظن العبد أنه قد هلك، فيقول الله تعالى: لا بأس عليك يا عبدي، أنت في ستري من جميع خلقي، ليس بيني وبينك اليوم أحد يطّلع على ذنوبك غيري، إني سترتها عليك في الدنيا وغفرتها لك بحرف واحد من جميع ما أتيتني به، قال: ما هو يا رب؟ قال: كنت لا ترجو العفو من أحد غيري ) ).

يا ربِّ إن عظمت ذنوبي كثرة فلقد علِمت بأنّ عفوك أعظم

إن كان لا يرجوك إلا مُحسن فمن ذا الذي يدعو ويرجو المجرم؟!

ما لي إليك وسيلة إلا الرجا وجَميل عفوك ثم أني مسلم

عباد الله، الباب الثاني من أبواب المغفرة قوله جل وعلا: (( يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرتُ لك... ) )، وقد امتدح الله عز وجل عباده المتقين بقوله: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ ولم يصروا على مافعلوا وهم يعلمون. وهذا الاستغفار هو المقرون بالعزم على ترك الذنب وعدم الإصرار عليه، قال ابن عباس رضي الله عنهما: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له، والمستغفر من ذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه) ، فإذا أقلع العبد عن الذنب وعزم على عدم العود إليه واستغفر الله عز وجل غفر الله له؛ ولهذا في حديث أبي بكر الصديق عن النبي قال: (( ما أصرّ من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة ) )خرجه أبو داود والترمذي.

وأفضل أنواع الاستغفار أن يبدأ العبد بالثناء على ربه، ثم يثني بالاعتراف بذنبه، ثم يسأل الله المغفرة، كما في حديث شداد بن أوس عن النبي قال: (( سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ) )خرجه البخاري.

اللهم أنت ربنا لا إله إلا أنت، خلقتنا ونحن عبيدك، ونحن على عهدك ووعدك ما استطعنا، نعوذ بك من شر ما صنعنا، نبوء لك بنعمتك علينا، ونبوء بذنوبنا، فاغفر لنا فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

وبعد: عباد الله، أعظم أبواب مغفرة الذنوب هو ما ختم الله عز وجل به أسباب المغفرة بقوله: (( يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة ) ). التوحيد أعظم أسباب مغفرة الذنوب، إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: 48] . فمن حقق كلمة التوحيد في قلبه وصدّق ذلك بقوله وفعله أخرجت منه كلَّ ما سوى الله محبّة وتعظيما وإجلالا ومهابة وخشية ورجاء وتوكّلا، وحينئذ تحرق ذنوبه وخطاياه كلّها ولو كانت مثل زبد البحر، فإن هذا التوحيد هو الإكسير الأعظم، فلو وضع منه ذرّة على جبال الذنوب والخطايا لقلبها حسنات، قال: (( إن الله سيخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا، كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول:لا يا رب، فيقول الله جل وعلا: أفلك عذر؟ فيقول: لا يا رب، فيقول الله جل وعلا: بلى، إنّ لك عندنا حسنة، فإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فيقول الله جل وعلا لعبده: احضر وزنك، فيقول العبد: يا رب، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟! فيقول الله جل وعلا: إنك لا تظلم، قال فتوضع السجلات في كفّة والبطاقة في كفّة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء ) ).

اللهم إنا قد أطعنا في أعظم ما أمرتنا به وهو عبادتك وحدك، وانتهينا عن أعظم ما نهيتنا عنه وهو أن نعبد معك غيرك، اللهم فاغفر لنا ما بين ذلك، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.

عباد الله، صلوا وسلموا على الرحمة المهداة والنعمة المسداة محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه، فإن الله وملائكته يصلّون على النبي...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت