الإيمان
حقيقة الإيمان, خصال الإيمان
عبد الرحمن بن الصادق القايدي
جدة
جامع الأنصار
1-الغاية من الخلق. 2- مفهوم خاطئ للعبادة. 3- المفهوم الصحيح للعبادة. 4- شمول مفهوم العبادة. 5- تنوع سبل الخير.
أيها الإخوة المؤمنون، لقد بين الله تعالى الغاية التي من أجلها خلقنا فقال تعالى: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف: 59] ، وقال: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ [النحل: 36] ، ويأمر سبحانه وتعالى رسوله بعبادته حتى الموت فيقول: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر: 99] ، فما هي هذه العبادة التي خلقنا من أجلها وأمرنا في نصوص كثيرة بفعلها؟
قد يظنّ بعض الناس أن هذه العبادة لا تتعدّى نطاق ركعات يصلّيها الفرد وأيّام يصومها أو فريضة حج يؤديها أو زكاة مالٍ يخرجها فقط، وهذا الفهم قاصر وفاسد لمفهوم العبادة، والذي نجح الأعداء عن طريق الغزو الفكري وتغيير المفاهيم بأن يبثوه بين صفوف المسلمين، هذه الفكرة المحرفة للعبادة وأن تقتصر العبادة على المساجد وما في المساجد من ذكر أو مواعظه وإذا خرج من المسجد انتهت العبادة ورجع إلى غيه وفسوقه.
أيها الإخوة الأحبة، إن للعبادة مفهومًا آخر أعمّ وأشمل من الصلاة والصيام، إنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، لقد أفسح الإسلام مجال العبادة ووسع دائرتها بحيث شملت أعمالًا كثيرة لم يكن يخطر ببال الناس أن يجعلها الدين عبادة وقربه لله.
إن كلّ عمل اجتماعي نافع يعده الإسلام عبادة من أفضل العبادات ما دام قصد فاعلة الخير ومصلحة إخوانه المسلمين، كل عمل يمسح به الإنسان دمعة محزون أو يخفف به كربة مكروب أو يضمد به جراح منكوب أو يتبرع له ببعضٍ من دمه أو يسدّ به رمق محروم أو يعين به مظلومًا أو يقضي به دين غارم مثقل أو يهدي حائرًا أو يعلم جاهلًا أو يدفع به شرًا عن مخلوق أو أذى عن طريق أو يسوق إحسانًا لحيوان كل ذلك يعتبر عبادة مقربة إلى الله إذا صحت النية وكان موافقًا لكتاب الله وسنة نبيه ، فبالإضافة إلى أركان الإسلام الخمسة وأهميتها فإن بر الوالدين وصلة الأرحام وتربية الأولاد والوفاء بالعهود إلى آخر مجامع الأخلاق والأعمال ومحاسنها هي كلها من العبادة لا بعضها فقط، والأحاديث والنصوص في بيان هذا كثيرة، أكثر من أن نحصيها في هذا المقام، ويروي لنا النبي مشهدًا من المشاهد البديعة يوم القيامة في صورة حوار بين الله وعباده ليوضح لنا أهمية هذا النوع من العبادة فقال: (( إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني، قال: يا ربِّ، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ يا ابن آدم، استطعمتك فلم تطعمني، قال: يا رب، كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يا ابن آدم، استسقيتك فلم تسقني، قال: يا رب، كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟! قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما إنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي ) )رواه مسلم. ومن الملاحظ أن زيارة المريض وإطعام الطعام وسقيا الماء من الأمور الاجتماعية التي يحثّ عليها الإسلام كثيرًا، وهي من أفضل العبادات.
إن الإسلام لا يستحب هذه الأعمال فقط، بل دائمًا يدعو إليها ويأمر بها، فعن أبي ذر الغفاري قال: سألت رسول الله: ماذا ينجي العبد من النار؟ قال: (( الإيمان بالله ) )، قلت: يا نبي الله، مع الإيمان عمل؟ قال: (( أن ترضخ مما خولك الله ) )ـ يعني تعطي مما ملكك الله ـ قلت: يا نبي الله، فإن كان فقيرًا لا يجد ما يرضخ؟ قال: (( يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ) )، قلت: فإن كان لا يستطيع أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ قال: (( فليعن الأخرق ) )ـ وهو الجاهل الذي لا يحسن صنعة، يعينه على تعلم صنيعة ـ قلت: يا رسول الله، أرأيت إن كان لا يحسن أن يصنع؟ قال: (( فليعن مظلومًا ) )، قلت: يا نبي الله، أرأيت إن كان ضعيفًا لا يستطيع أن يعين مظلومًا؟ قال: (( ما تريد أن تترك لصاحبك خيرا، ليمسك أذاه عن الناس ) )، قلت: يا رسول الله، أرأيت إن فعل هذا يدخل الجنة؟ قال: (( ما من مؤمن يطلب خصلة من هذه الخصال إلا أخذت بيده حتى تدخله الجنة ) )رواه البيهقي.
ومن هذا الحديث نعلم أن الإسلام لم يخصّ طائفة من الناس بالعبادة، بل الجميع له عبيد، فلم يجعل العبادة مالية فقط فينفرد بها الأغنياء، ولا بدنيه فيختص بها الأقوياء، ولا ثقافية علمية فيختص بها العلماء والفقهاء، ولا قتالية فيختص بها المقاتلون والمجاهدون، بل جعلها سبحانه عامة لكل إنسان يستطيع أن يؤدّيها حسب قدرته وطاقته.
فتصور ـ أخي المسلم ـ أن مسحك على رأس اليتيم عبادة تأخذ بها أجورًا كثيرة، وصلتك رحمك وبرك بوالديك عبادة، وقضاء حوائج العباد عبادة، فمعنى ذلك أن كل حركة لصالح إنسان أو حيوان مهما كان تعتبر عبادة ما دامت لله ومن أجل الله وتتمشى مع أوامر الله. فالإنسان الحريص على طاعة ربه والباحث عن الأمور والأعمال الصالحة يستطيع مثلًا بعد أن يصلي العصر أن يعود مريضًا أو يزور صديقًا أو قريبًا أو يتبع جنازة ويعود إلى منزله قبل المغرب وقد كتب له جميع وقته الذي قضاه عبادة مع أنه ما عمل من العبادات المعروفة سوى صلاة العصر.
إن هذه سعادة كبرى وتجارة عظمى غفل عنها كثير من الناس وحرموا نفعها في أيامنا هذه إلا من وفقه الله وأدرك أهمية العمل الاجتماعي، وقد قال رسول الله فيما رواه الشيخان: (( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) ). وهذا التعاطف وهذا التراحم والتوادّ بين المسلمين من أهم أنواع العبادة، ولو عمل به الناس لما وجدنا هذه المشاكل وهذا التنافر بين الأقارب والإخوان في كل مكان.
مما سبق ذكره وتوضيحه يظهر لنا شمول وعموم معنى العبادة، وأن الأعمال العادية كذلك يمكن أن تتحول إلى عبادة، ولكن بتحوير وتحويل بسيط في النية، فمثلًا الذي يأكل الطعام يقوم بأمر عاديّ يوميّ، ولكن لو حوّل النية وجعل تناول الطعام لتقوية نفسه للعبادة وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون أكله وهضمه للطعام عبادة، والذي يعمل لكسب معاشة يقوم بعبادة بشرط أن يكون العمل مشروعًا لا محرمًا ويحسن النية وأن يؤدي العمل بإتقان وإحسان، يقول الحبيب: (( إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه ) )رواه البيهقي في شعب الإيمان، وذلك بشرط التزام حدود الله فلا يظلم ولا يخون ولا يغشّ، ويجمع جميع هذه الشروط كلمتان وهي إخلاص النية واتباع الكتاب والسنة.
نفعني الله وإياكم بالقرآن والسنة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العلي العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله الكريم الوهاب، الرحيم التواب، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، يحب التوابين والمتطهرين، ويغفر للمنيبين والمستغفرين، ويقيل عثرات العاثرين، ويقبل اعتذار المعتذرين، فله الحمد كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما ينبغي لكرم وجهه سبحانه وتعالى، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه تسليمًا كثيرًا.
أيها المسلمون، إن دروب الخير كثيرة، وحوائج الناس متنوعة، يستطيع كل إنسان أن يستفيد منها بعبادة تقربه إلى الله، ولا تحتاج منه لجهد كبير كإطعام جائع وكسوة عاري وعيادة مريض وإعانة عاجز، تطرد عن أخيك همًا وتزيل عنه غمًا وتواسي أرملة وتشكر على إحسان وتغفر الإساءة، كل ذلك تكافل في المنافع وتضامن، فإن كنت لا تملك هذا ولا هذا فادفع بكلمة طيبة، وإلا فكفّ أذاك عن الناس، فتكون قد عبدت الله بما شرع وأمر.
أيها الأحبة في الله، إن الإنسان ليأتي زوجته ويقضي منها وطره ويكون له أجر بشرط استحضار النية فينوي رضا ربه وإعفاف نفسه وغض بصره وتحصيل الذرية الصالحة التي يكون منها العالم العامل والمجاهد في سبيل الله والسائر برضوان الله والأنثى التي تصبح أمًا فيما بعد تنجب العالم والمجاهد والأم كذلك ويكثر بهذا أمة النبي الخاتم الذي يقول: (( وفي بضع أحدكم صدقة ) )، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟! قال: (( أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ وكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر ) )رواه مسلم.
يتضح لنا بعد هذا كله خطأ المقولة التي يتداولها بعض الناس وهي قولهم: (ساعة لربك وساعة لقلبك) ، فالوقت عند هذا القائل قسمان،: قسم يصلي فيه ويصوم وقسم آخر ينسى ربه والعياذ بالله فيه وقد يعصيه مدعيًا بأن الحياة كذا، وهذه جريمة كبرى يجب الإقلاع عنها، فإن الأوقات كلها لله بشرط حسن النية والاتباع لكتاب الله وسنة نبيه ، فلقد أعطى الإسلام الأجر والثواب حتى على الجماع والاستمتاع الحلال وعلى ترويض الفرس واللعب مع الزوجة، وقد كان أبناء الصحابة يتصارعون أمام النبي ويرمون النبل أمامه وبين يديه، يفهم من ذلك أن العبادة ليست صلاة وصيام وزكاة فقط، بل كل ما يفعل من أجل إخوانك المسلمين وهو موافق لشرع الله يعتبر عبادة مأجورا فاعلها.
ثم صلوا وسلموا على صفوة خلق الله كما أمركم بذلك رب العالمين حيث قال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56] .
لبيك اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين من الكفرة والملحدين، اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان...