العلم والدعوة والجهاد, سيرة وتاريخ
القتال والجهاد, غزوات
ماجد بن عبد الرحمن الفريان
الرياض
سليمان بن مقيرن
1-وصف بعض ما أصاب المسلمين يوم أحد. 2- شؤم المعصية وأثرها في الهزيمة. 3- نصر الله لا يتخلف لمن يستحقه. 4- أهمية العمل الصالح في الإعداد. 5- مقارنة ما حل بالمسلمين اليوم في أفغانستان مع ظروف غزوة أحد. 6- الفائزون هم المجاهدون.
أما بعد: اتقو الله حق التقوى.
معاشر المسلمين، لقد كانت أمتكم هذه قبل ألف وأربعمائة سنة في مطالع خطواتها لقيادة البشرية فرباها الله بالابتلاء بالشدة في معركة أحد بعد أن ابتلاها بالرخاء في معركة بدر.
وابتلاها بالهزيمة المريرة في معركة أحد بعد أن ابتلاها بالنصر العجيب في معركة بدر.
لقد أصاب المسلمين القرحُ في معركة أحد وأصابهم القتل والهزيمة.
أصيبوا في أرواحهم وأصيبوا في أبدانهم بأذى كثير، قتل منهم سبعون صحابيًا وكسرت رباعية الرسول وشج وجهه وأرهقه المشركون وأثخن أصحابه بالجراح وقتل عمه حمزة بن عبد المطلب، وفر من فر من المسلمين، وأصيب النبي بغم عظيم أسفًا على فرار بعض أصحابه، وأصاب المسلمين غمٌ ملأ نفوسهم على ما كان منهم وعلى تركهم رسولهم الحبيب يصيبه ما أصابه، وهو ثابت دونهم، وهم عنه فارون.
وسمع النبي لأهل المدينة نحيبًا وبكاء على قتلاهم، فقال: (( ولكن حمزة لا بواكي له ) )وحزن النبي على أصحابه، وتمنى أن يكون استشهد معهم وقال: (( أما والله لوددت أني غودرت مع أصحابي نحص الجبل أي في سفحه ) )رواه أحمد بسند حسن.
وكانت صورة المقاتلين الشجعان تمر بمخيلته كثيرًا فيثني عليهم، ولما أعطى علي سيفه لفاطمة رضي الله عنها قائلًا: (هاك السيف فإنها قد شفتني) قال رسول الله: (( لئن كنت أجدت الضرب بسيفك فلقد أجاد سحل بن حنيف وأبو دجانة وثابت بن عاصم الأقلح، والحارث بن الصمة ) )أخرجه الحاكم.
بل لقد بقي النبي يتذكر قتلى أحد ويحن إليهم طيلة عمره، فعن عقبة بن عامر قال: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ بَعْدَ ثَمَانِي سِنِينَ كَالْمُوَدِّعِ لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ ثُمَّ طَلَعَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: (( إِنِّي بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فَرَطٌ، وَأَنَا عَلَيْكُمْ شَهِيدٌ، وَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْحَوْضُ، وَإِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ مَقَامِي هَذَا، وَإِنِّي لَسْتُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا أَنْ تَنَافَسُوهَا ) )قَالَ: فَكَانَتْ آخِرَ نَظْرَةٍ نَظَرْتُهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. رواه البخاري ومسلم.
وعند ابن أبي شيبة قال: (خرج عاصبًا رأسه حتى جلس على المنبر ثم كان أول ما تكلم به أنه صلى على أصحاب أحد، واستغفر لهم، فأكثر الصلاة عليهم) .
معاشر المسلمين، لقد كانت آثار معركة أحد عظيمة على النبي حتى كان يتذكرها ويتذكر رجالها طيلة عمره، بل وفي آخر أيام حياته.
وكانت الآثار أبلغ ما تكون على صحابته الكرام الذين اهتزت نفوسهم وصدمت قلوبهم لهذا الحدث العظيم الذي لم يكن متوقعًا بعد النصر العجيب في معركة بدر، حتى قال المسلمون حين أصابهم ما أصابهم (أنَّى هذا) وكيف تجري الأمور معنا هكذا ونحن المسلمون؟؟؟.
لقد كانوا يعلمون أن الله قد كتب على نفسه النصر لأوليائه، حملة رايته، وأصحاب عقيدته فكيف يصيبهم ما أصابهم؟؟؟
فأنزل الله تعالى لبيان ذلك كله وعلاجه وتقريره ستين آية من سورة آل عمران، آيات مفصلات تبين حقيقة الإيمان ومقتضياته،وارتباط النصر أو الهزيمة بجزئياته التي قد لا يحسب لها كثير من الناس بل من الدعاة حساب.
فيعرض دهشتهم لما صارت إليه الأمور، واستغرابهم لوقوع ما وقع بهم ـ وهم المسلمون ـ ومن ثم يوقفهم على الأرض الصلبة المكشوفة؛ وهو يبين لهم أن ما أصابهم كان بفعلهم، وكان الثمرة الطبيعية لتصرفهم!..
أَوَ لَمَّا أَصَـ?بَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى? هَـ?ذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ ?للَّهَ عَلَى? كُلّ شَىء قَدِيرٌ [آل عمران:165] .
إن سبب ما أصابكم هوالمعصية والمخالفة التي حدثت من بعض الجيش لأمر الرسول.
وكان شؤم المعصية شاملًا للجميع حتى النبي كسرت رباعيته وشج وجهه الكريم مما يدل على أهمية التحرز من المعاصي في انتصار المسلمين على أعدائهم.
أَوَ لَمَّا أَصَـ?بَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى? هَـ?ذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ ?للَّهَ عَلَى? كُلّ شَىء قَدِيرٌ.
إن المسلمين الذين أصيبوا في أحدٍ بما أصيبوا؛ والذين فقدوا سبعين من شهدائهم غير الجراح والآلام التي عانوها في هذا اليوم المرير؛ والذين عز عليهم أن يصيبهم ما أصابهم، وهم المسلمون، وهم يجاهدون في سبيل الله، وأعداؤهم هم المشركون أعداء الله.. المسلمون الذين أصيبوا بهذه المصيبة، كان قد سبق لهم أن أصابوا مثليها:أصابوا مثلها يوم بدر فقتلوا سبعين من صناديد قريش. وأصابوا مثلها يوم أحد في مطلع المعركة، حينما كانوا مستقيمين على أمر الله وأمر رسوله وقبل أن يضعفوا أمام إغراء الغنائم. وقبل أن تهجس في أنفسهم الخواطر التي لا ينبغي أن تهجس في ضمائر المؤمنين!.
ويذكرهم الله هذا كُلَّه، وهو يرد على دهشتهم المتسائلة، فيرجع ما حدث لهم إلى سببه المباشر القريب: قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ أنفسكم هي التي تخلخلت وفشلت وتنازعت في الأمر. وأنفسكم هي التي أخلت بشرط الله وشرط رسوله ، وأنفسكم هي التي خالجتها الأطماع والهواجس. وأنفسكم هي التي عصت أمر رسول الله وخطته للمعركة، فهذا الذي تستنكرون أن يقع لكم، وتقولون: كيف هذا؟ هو من عند أنفسكم، بانطباق سنة الله عليكم، حين عرضتم أنفسكم لها. فالإنسان حين يعرض نفسه لسنة الله لا بد أن تنطبق عليه، مسلمًا كان أو مشركًا، ولا تنخرقُ محاباة ًله.
معاشر المسلمين، ولم يقف تعقيب القرآن على هذه المعركة العظيمة عند حدود المعركة القتالية ودروسها الحية، بل تعرض بوضوح وتفصيل لأعمال إيمانية كثيرة، ذلك أن القرآن كان يعالج المسلمين على أثر معركة لم تكن معركة في ميدان القتال وحده، إنما كانت معركة في القلوب أيضًا ومن ثم عرج على الرِّبا فنهى عنه، وعرج على الإنفاق في السراء والضراء فحض عليه، وعرج على طاعة الله ورسوله فجعلها مناط الرحمة، وعرج على كظم الغيظ والعفو عن الناس، وعلى الإحسان والتطهر من الخطيئة بالاستغفار، والتوبة وعدم الإصرار، فجعلها مناط الرضوان.
كما عرج على رحمة الله المتمثلة في رحمة الرسول ولين قلبه، وعلى مبدأ الشورى وتقريره في أحرج الأوقات، وعلى الأمانة التي تمنع الغلول، وعلى البذل والتحذير من البخل في نهاية ما نزل في التعقيب على هذه الغزوة من آيات.
عرج على كل هذه الأعمال الصالحة لأن العمل يعتبر مادة مهمة لإعداد الإيمان في نفوس المسلمين، ولم تكن هذه التوجيهات الشاملة بمعزل عن المعركة، فالنفس لا تنتصر في المعركة الحربية إلا حين تنتصر في المعارك الشعورية والأخلاقية، حين تنتصر على نفسها ومعاصيها، فإذا تطهرت الأمة من الذنوب والتصقت بالله ورجعت إلى كنفه كان ذلك من عدَّتها في المعركة ولم ينعزل ذلك عن الميدان.
معاشر المسلمين، وإذا كانت معصيةً واحدة هي المخالفة الجزئية لخطة المعركة ـ كما وقع من الرماة في معركة أحد ـ وتطلع بعض النفوس إلى الغنائم المادية، وتولي بعض الأفراد حين حمى الوطيس ـ نذائرَ شؤم وأسبابَ هزيمة وخسارة لذلك الجيل الطاهر، جيل النبي وصحابته الكرام، فكيف تنتصر أمة الإسلام اليوم وهي تلقي كتاب ربها وراءها ظهريًا، وتعبد الدرهم والدينار، ولا يخطر على بالها جهاد قط حتى لو أُخذت مقدساتها وأخذت أراضيها واستنصرها إخوانها، وتستحل الربا والغلول، وتفعل ما تعرضت له هذه الآيات وما لم تتعرض له، ثم تستبطئ نصر الله الذي وعد به المؤمنين، وتحسب نفسها مؤمنة حق الإيمان لأنها تصدق بقلوبها وتقر بلسانها.
إن مقارنة يسيرة بين حال الأمة في يومها وبين حالها يوم هزمت في معركة أحد وجعلت الهزيمة بسبب معصيتها ومخالفتها لرسولها توحي بأن الأمة اليوم لم تكمل أسباب النصر والتمكين التي وردت في كتاب الله تعالى وإنما هي في غفلة معرضة، لم ترفع بالدين رأسًا في كثير من بقاعها وأصقاعها وفي كثير من أحوالها وأهوالها.
نتذكر هزيمة المسلمين في معركة أحد في شهر شوال، ونبصر اليوم في نفس الشهر هزائم الأمة المنكرة هزائمها في ميدان النفوس والعقائد عندما استنفرت فلم تنفر، واستنصرت فلم تنصر، ودعيت إلى الله فلم تلق بالًا وشغلت بالدرهم والدينار وتقليد الكافرين وموالاتهم، وهذه والله هي الهزيمة المنكرة.
أما المجاهدون الذين نذروا للدين أنفسم فلم ينهزموا والذين قتلوا منهم لم يموتوا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا ءاتَـ?هُمُ ?للَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِ?لَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مّنَ ?للَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ ?للَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ?لْمُؤْمِنِينَ [آل عمران:169، 171] ، لقد حرق أصحاب الأخدود في الأخاديد فكان ذلك فوزًا كبيرًا لأنه نتيجة جهاد وصبر على الثبات على دينهم الحق، فقال الله عنهم: إِنَّ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ?لصَّـ?لِحَـ?تِ لَهُمْ جَنَّـ?تٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ?لأَنْهَـ?رُ ذَلِكَ ?لْفَوْزُ ?لْكَبِيرُ [البروج:11] .
نعم يا إخوة الإسلام، إن المنهزم هو الذي هزم في دينه وعقيدته وولائه وبرائه، أما الذي انتصر في دينه وعقيدته وولائه وبرائه فهو الفائز فوزًا كبيرًا ولو قتل وسحق ومحق، لأن الفوز هو فوز الآخرة, لا فوز الدنيا والله المستعان.
اللهم انصر من نصر الدين واخذل من خذل عبادك المؤمنين.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم..
لم ترد.