الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب
الموت والحشر, اليوم الآخر
محمد بن إبراهيم حسان
المنصورة
غير محدد
1-الصراط وكيفية مرور الناس عليه 2- الأمانة والرّحِم على جانبي الصراط
3-الحث على صلة الرحم 4- آخر الناس مرورًا على الصراط 5- النجاة من زلة الصراط
أحبتى في الله:
نحن اليوم بتوفيق الله جل وعلا على موعد مع اللقاء التاسع عشر من لقاءت هذه السلسلة العلمية الهامة وكنا قد أنهينا الحديث الماضى مع مشهد الميزان وقلنا إن الحساب لتقرير الأعمال وإن الوزن لإظهار مقدارها ليكون الجزاء بحسبها.
فإذا وزنت الأعمال، وتقرر الجزاء، ما بقى إلا أن يلقى كل واحد مصيره فيأمر الملك جل وعلا أن ينصب الصراط على متن جهنم ليمر عليه الموحدون المتقون المؤمنون الصادقون إلى جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وليمر عليه المشركون والمجرمون الكافرون الجاحدون إلى نار تلظى لا يصلاها إلا الأشقى.
لذا فموضوعنا مع حضراتكم اليوم بإذن الله تعالى هو مشهد الصراط بعد الميزان.
وكعادتنا حتى لا ينسحب بساط الوقت سريعا من بين أيدينا فسوف نركز الحديث مع حضراتكم في هذا الموضوع الخطير في العناصر التالية:
أولًا: الصراط جسر جهنم وأحوال الناس عليه.
ثانيًا: الأمانة والرحم على جانبى الجسر.
ثالثًا: من هو آخر رجل يمر على الصراط؟
رابعًا: كيف النجاة؟
فأعيرونى القلوب والأسماع والوجدان أيها الأحبة الكرام، فإن الموضوع جد خطير، والله أسأل أن ينجنى وإياكم يوم الحساب ويوم الميزان ويوم الصراط إنه ولى ذلك والقادر عليه.
أولًا: الصراط جسر جهنم وأحوال الناس عليه
أحبتى في الله:
الصراط لغة: هو الطريق الواضح المستقيم البين، ومنه قول جرير:
أمير المؤمنين على الصراط إذا اعوج المورد مستقيم
والصراط شرعًا: المراد به هنا جسر أدق من الشعر، وأحد من السيف كما قال أبو سعيد الخدرى في صحيح مسلم: (( الصراط جسر أدق من الشعر وأحد من السيف يضربه الله جل وعلا على ظهر جهنم ليمر عليه المؤمنون إلى جنات النعيم والمشركون إلى جهنم وبئس المصير، فهو قنطرة بين الجنة والنار ) ).
قال تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا [ مريم: 71 ] .
قال الإمام أبو العز الحنفى في شرح العقيدة الطحاوية ( [1] ) : اختلف المفسرون في المراد بالورود المذكور في قوله تعالى وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا [ مريم: 71 ] .
وكان الرأى الأظهر والأقوى أنه المرور على الصراط قال تعالى:
ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [ مريم: 72 ] .
وفى الصحيح قال رسول الله: (( والذى نفسى بيده لا يلج النار أحد بايع تحت الشجرة ) )قالت حفصة: فقلت يا رسول الله، أليس الله يقول: وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا قال: (( ألم تسمعيه قال: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا ) ).
والتحقيق العلمى للجمع بين أقوال أهل العلم في معنى الورود هو أن الورود على النار نوعان:
الأول:
ورود بمعنى الدخول، وهذا للكافرين والمشركين، كما قال الله في شأن فرعون: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ [ هود: 98 ] .
الثانى:
بمعنى المرور على الصراط وهذا لا يكون إلا لأهل الأنوار من المتقين الموحدين ممن قال فيهم رب العالمين: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [ مريم: 73 ] .
فأعرنى قلبك وسمعك فها هو الصادق المصدوق الذى لا ينطق عن الهوى يبين لنا بأسلوبه النبوى البليغ الموجز الرائع الجامع لبيان الكلم هذا المشهد المهيب مشهد المرور على الصراط، بل إن شئت فقل يجسد لنا هذا المشهد الذى يخلع الفؤاد، فعن أبي هريرة أن الناس قالوا: يارسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال النبى: (( هل تضارون في القمر ليلة البدر؟ ) )قالوا: لا، يا رسول الله.فقال النبى: (( هل تضارون في الشمس ليس لها سحاب؟ ) )قالوا: لا، يا رسول الله. فقال النبى: (( فإنكم ترونه كذلك ) ) ( [2] ) .
يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول: من كان يعبد شيئًا فليتبعه، فمنهم من يتبع الشمس، ومنهم من يتبع القمر، ومنهم من يتبع الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله فيقول: أنا ربكم، فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله يقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا؟ فيدعوهم، ويضرب الصراط بين ظهرانى جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجيز الصراط، ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل، وكلام الرسل يومئذ: اللهم سلم..سلم، وفى جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم شوك السعدان؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله تعالى، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم من يوبق بعمله، ومنهم من يخردل، ثم ينجو، حتى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار وفى رواية: فمنهم المؤمن بقى بعمله، ومنهم المجازى حتى ينجى حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد، وأراد ان يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من كان يعبد الله فيخرجونهم، ويعرفونهم بآثار السجود، وحرم الله النار أن تأكل أثر السجود فيخرجون من النار - فكل ابن ادم تأكله النار إلا أثر السجود - فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد، لكن هل تدبرت ما سمعت من حديث رسول الله r من كان يعبد الشمس يتبع الشمس ومن كان يعبد القمر يتبع القمر - وتبقى أمة الحبيب r فيها منافقوها.
فينطلق المنافقون مع أهل الإيمان فيقولون مع المؤمنين: أنت ربنا...يظنون أنهم يخدعون الله!!!
ترى ماذا يحدث؟!!
هنا يلقى الله على أهل الموقف ظلمة حالكة السواد لا يستطيع أحد في أرض الموقف أن يخطو خطوة واحدة إلا بنور.
كما في صحيح مسلم من حديث عائشة قالت: يارسول الله أين يكون الناس حين تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار؟ فقال المصطفى (( يا عائشة هم في الظلمة دون الجسر ) )وفى لفظ مسلم (( هم على الصراط ) )قال ابن مسعود- كما في مسند أحمد ورواه الحاكم وابن حبان وابن أبى حاتم وصححه الألبانى-: (( فمنهم من يكون نوره كالجبل، ومنهم من يكون نوره كالنخلة، ومنهم من يكون نوره كالرجل القائم، ومنهم من يكون نوره على إبهامه يتقد مرة وينطفأ مرة وهذا أقلهم نورًا، ومنهم من تحوطه الظلمة من كل ناحية ) ) ( [3] ) .
أخى في الله تدبر جيدًا هذه الآيات:
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التحريم:8] .
وقال تعالى: يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [ الحديد: 12 ] .
وإذا ما أراد المنافقون أن يقتربوا من الصراط سلب الله نورهم أو كما قال الضحاك: طفئ نور المنافقين فيتميز أهل النفاق من أهل الإيمان لذا إذا رأى أهل الإيمان نور المنافقين طفأ على الصراط، وجل المؤمنون وأشفقوا وهذا معنى قوله تعالى يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ التحريم: 8 ] .
حينئذ يرى أهل النفاق في الظلمات الحالكة أهل الأنوار من أهل الإيمان والتوحيد ينطلقون على الصراط - كما سأبين لاحقا - فينادى أهل الظلمات من أهل النفاق على أهل الأنوار من أهل الإيمان والتوحيد يا أهل الأنوار انظرونا نقتبس من نوركم لا تتركونا في هذه الظلمات الحالكة السوداء فانتظروا لنمشى في رحاب أنواركم.
قيل ارجعوا ورائكم فالتمسوا نورًا هذا من جنس الخداع للمنافقين كما خادعوا الله في الدنيا.
في هذه اللحظات قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ