فهرس الكتاب

الصفحة 2735 من 5777

الكسب الطيب والكسب الخبيث

الأسرة والمجتمع, الرقاق والأخلاق والآداب, فقه

البيوع, الكبائر والمعاصي, قضايا المجتمع

عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ

الرياض

جامع الإمام تركي بن عبد الله

1-الله تعالى خلق الخلق وتكفل برزقهم جميعًا. 2- من عرف أن الرزق بيد الله تعالى توكل عليه في طلبه وحده. 3- الحكمة في تفضيل بعض الخلق على بعض في الرزق. 4- أهمية القناعة للعبد المسلم. 5- اتخاذ الأسباب المباحة المشروعة في طلب الرزق مأمور به. 6- على المسلم الحذر من أنواع المكاسب الخبيثة. 7- من أنواع الكسب الطيب. 8- من أنواع الكسب الخبيث. 9- أسباب تحصيل البركة في الرزق. 10- الحذر من التناجي بالإثم والعدوان. 11- الحذر والتحذير ممن يظهرون خلاف ما يبطنون من النوايا السيئة.

أما بعد: فيا أيها الناس, اتقوا الله تعالى حق التقوى.

عباد الله، يقول الله جل جلاله: وَمَا خَلَقْتُ ?لْجِنَّ وَ?لإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مّن رّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ ?للَّهَ هُوَ ?لرَّزَّاقُ ذُو ?لْقُوَّةِ ?لْمَتِينُ [الذاريات:56-58] ، فأخبرنا تعالى أنه الرزاق لعباده، المتكفل برزقهم، فرزق العباد جميعًا بيد ربهم تعالى وتقدس، لا بحولهم ولا بقوتهم، فهو جل وعلا خلق الخلق وتكفل بأرزاقهم: وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي ?لأرْضِ إِلاَّ عَلَى ?للَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ [هود:6] ، وَكَأَيّن مّن دَابَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا ?للَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ [العنكبوت:60] .

وقد أمرنا تعالى أن نطلب الرزق منه، فَ?بْتَغُواْ عِندَ ?للَّهِ ?لرّزْقَ وَ?عْبُدُوهُ وَ?شْكُرُواْ لَهُ [العنكبوت:17] .

والعبد يعلّق بالله أمله، وثقته فيما عند الله أعظم من ثقته فيما بيده، فهو لا يؤمل في المخلوق، مهما علت منزلته، وعظمت قدرته، لا يعلق أمله بأحد من الخلق, وإنما يعلق أمله بربه، ويعلم أنه لا مانع لما أعطى الله، ولا معطي لما منع الله.

ولذا في الأثر عن ابن عباس: (إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله، وأن تحمدهم على رزق الله، وأن تذمهم على ما لم يعطك الله، إن رزق الله لا يجره حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره) [1] .

فما قدّر الله لك من الرزق فإنه حاصل لك، وما صرفه عنك فلن تناله، والخلق لو اجتمعوا على أن يوصلوا إليك نفعًا ما أراد الله حصوله لك لم يمكن ذلك، ولو أرادوا أن يضروك بشيء ما قدر الله ذلك فلن يستطيعوا لذلك سبيلًا.

أيها المسلم، تفكر في حكمة الله أن جعل البعض أغنياء والبعض فقراء، وما بين ذلك، وَ?للَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى? بَعْضٍ في ?لْرّزْقِ [النحل:71] ، قُلْ إِنَّ رَبّى يَبْسُطُ ?لرّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ [سبأ:36] .

وهذا من كمال حكمته جل وعلا، فهو العليم بمصالح عباده، المقدر لهم كيفما شاء بكمال حكمته, وكمال رحمته, وكمال عدله، فأي أمر صرف عنك فاعلم أن لله حكمة في ذلك، وأي شيء قدر لك فاعلم أن لله حكمة في ذلك.

أخي المسلم، فكن راضيًا بما قسم الله لك، ولا تكن جزعًا، ولاطامعًا فيما أيدي الناس، وإنما تكون ثقتك بربك جل وعلا، وقناعتك بما أعطاك الله.

أخي المسلم، والله حكيم عليم في توسيع الرزق وتضييقه على بعض العباد، وفي الأثر: (( إن من عبادي من لو أغنيته لأفسدت عليه دينه، وإن من عبادي من لو أفقرته لأفسدت عليه دينه ) ) [2] .

قال جل وعلا: وَلَوْ بَسَطَ ?للَّهُ ?لرّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ في ?لأَرْضِ وَلَـ?كِن يُنَزّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاء [الشورى:27] .

أخي المسلم، ليس المهم أن يكثر المال، ويرتفع الغنى، المهم أن يجعل الله في قلبك قناعة ورضا بِقَسْم الله, وأن تطمئن نفسك بذلك، فكم من مال أشغل أهله عن ما يجب عليهم، وصدهم حتى مصالح أنفسهم ومصالح أولادهم، وكم من مال أشقى أهله، فحملهم على الطغيان والأشر والبطر، وأفقدهم قوة الإيمان, وجعلهم يشتغلون بالحطام الفاني عما فيه خيرهم وصلاحهم في دينهم ودنياهم.

أيها المسلم، تأمل قول النبي: (( ليس الغنى عن كثرة العَرَض إنما الغنى غنى النفس ) ) [3] .

فمن أغنى الله قلبه, ورزقه الطمأنينة والرضا بما قسم الله له, وبذل الأسباب النافعة فإنه يعيش مطمئنًا قرير العين مرتاح البال, ومن فقد ذلك عاش في همّ وغم ولو اجتمعت له الدنيا بأسرها.

أخي المسلم، لا تلهينك الدنيا بزخارفها، ولا تشغلنك ملذاتها، وكن ـ يا أخي المسلم ـ متبصرًا في أمرك، ناظرًا إلى من هو دونك في الرزق والعافية، فإن نظرك إلى من هو دونك، يعطيك قناعة بقسْم الله، وإن نظرت إلى من هو أعلى منك ازدريت نعمة الله عليك، كما أخبر بذلك النبي [4] .

أخي المسلم، ليكن عندك ميزان صدق تعرف به الحلال من الحرام، وتميز به الخبيث من الطيب، فلا يهولنك الحرام وإن كثر، قُل لاَّ يستوي ?لْخَبِيثُ وَ?لطَّيّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ?لْخَبِيثِ [المائدة:100] .

أخي المسلم، الله جل وعلا أمرك بطلب الرزق, وأمرك بالأخذ بالأسباب التي تحصل لك المقصود، فَ?مْشُواْ فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رّزْقِهِ وَإِلَيْهِ ?لنُّشُورُ [الملك:15] .

ويقول جل وعلا: وَءاخَرُونَ يَضْرِبُونَ في ?لأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ?للَّهِ وَءاخَرُونَ يُقَـ?تِلُونَ في سَبِيلِ ?للَّهِ [المزمل:20] .

فقرن بين الأمرين، بين الضاربين ابتغاء فضل الله، وبين الساعين في الجهاد في سبيل الله، فطلب الرزق وابتغاؤه والأخذ بالأسباب أمر مطلوب شرعًا، ولكنّ المسلم أسباب طلب الرزق عنده بالطرق التي أباحها الشرع له، أما الأسباب المحرمة فإنه يبتعد كل البعد عنها، المسلم يطلب الرزق لكن بالطرق المأذونة شرعًا، ويبتعد عن الطرق المحرمة شرعًا.

أخي المسلم، من المكاسب المحرمة مكاسب الربا، فالمؤمن يتقي الربا بكل أحواله، ولا يغرنه أن يكون الربا فيه المكاسب العظيمة، فهو يتقي الله قبل كل شيء, ويتذكر قول الله: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?تَّقُواْ ?للَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ ?لرّبَو?اْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ ?للَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة:278، 279] .

أيها المسلم، المسلم يتقي المكاسب الخبيثة كأكل أموال الناس بالباطل من غش وتدليس وخداع وأخذ مال بغير حق من سرقة بحقوق واجبة عليه مماطلة بالحق الواجب عليه أداؤه، ولذا يقول الله: وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْو?لَكُمْ بَيْنَكُم بِ?لْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى ?لْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مّنْ أَمْوَالِ ?لنَّاسِ بِ?لإثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:188] .

ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْو?لَكُمْ بَيْنَكُمْ بِ?لْبَـ?طِلِ [النساء:29] ، ومن أكل الباطل أخذ الرشوة، وقد لعن رسول الله الراشي والمرتشي باذلها وآخذها [5] .

ومن أكل الحرام والمكاسب الخبيثة الاتجار بالمحرمات التي حرمها الشارع, من خمور ومخدرات وغير ذلك من كل ما حرم الشارع التعامل به، فالمسلم يتقي التجارة المحرمة، ويبتعد كل البعد عنها لتكون مكاسبه طيبة، (( إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى: ي?أَيُّهَا ?لرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ?لطَّيّبَـ?تِ [المؤمنون:51] ، وقال: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا رَزَقْنَـ?كُمْ [البقرة:172] . ثم ذكر رسول الله الرجل يطيل السفر أشعث أغبر رافع يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام, وملبسه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك ) ) [6] .

فاتق الله في مكاسبك, وابتعد عن كل مكسب خبيث، واسلك الطرق التي أذن الله لك فيها، واطلب الرزق من الأبواب التي شرع الله لك.

ولهذا المكاسب الطيبة تتمثل في أمور, فمنها: عمل الرجل بيده، ولذا قال: (( أفضل الكسب عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور ) ) [7] ، وَأَحَلَّ ?للَّهُ ?لْبَيْعَ وَحَرَّمَ ?لرّبَو?اْ [البقرة:275] .

فعمل الإنسان وما يحصل له من خيرات من عمله بيده هو أفضل المكاسب وأعلاها، ثم البيع المبرور الذي صدق فيه البائع فلم يكذب ولم يكتم.

ثم أيها المسلم، عملك بيدك خير لك من سؤال الناس أعطوك أم منعوك.

ومن المكاسب الخبيثة أيضًا: السؤال من غير حاجة فلا تزال المسألة بالعبد حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم [8] .

فيا أخي المسلم، اسلك الطرق المشروعة والطرق النافعة والبعد عن المكاسب الخبيثة, واطلب الرزق من أبوابه, وكن قانعًا بما كتب الله لك راضيا بذلك، واحذر أن تكون كلاًًّ وعالة على غيرك، وقد يسر الله لك الأمر, وهيئ لك من قوة البدن والفكر ما تطلب به الرزق, فإن طلب الرزق عزة وكرامة، وسلوك الطريق المشروع عون لك على كل خير.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب, فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

[1] لم أقف عليه من حديث ابن عباس، وأخرجه مرفوعًا من حديث أبي سعيد الخدري البيهقي في شعب الإيمان (1/221) وأعلّه بمحمد بن مروان السدي، وأبو نعيم في الحلية (5/106) وقال: غريب, وضعفه المناوي في فيض القدير (2/539) ، وأخرجه بنحوه من حديث ابن مسعود مرفوعًا وموقوفًا البيهقي في شعب الإيمان (1/221-222) .

[2] جزء من حديث قدسي، أخرجه من حديث أنس بن مالك ابن أبي الدنيا في الأولياء (9) ، وأبو نعيم في حلية الأولياء (8/318) ، وقال: غريب من حديث أنس، وابن الجوزي في العلل المتناهية (1/44) وضعفه، وأعلّه ابن رجب في جامع العلوم والحكم (359) ، وأخرجه من حديث عمر بن الخطاب الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (6/14) ، وابن الجوزي في العلل المتناهية (1/44) وضعفه.

[3] أخرجه البخاري في الرقاق، باب: الغنى غنى النفس (5965) ، ومسلم في الزكاة، باب: ليس الغنى عن كثرة العرض (1741) من حديث أبي هريرة.

[4] أخرجه مسلم في الزهد والرقاق، باب: حدثني زهير بن حرب (5264) من حديث أبي هريرة.

[5] أخرجه الإمام أحمد (6246) ، وأبو داود في الأقضية، باب: في كراهية الرشوة (3109) ، والترمذي في الأحكام، باب: ما جاء في الراشي والمرتشي (1257) ، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه في الأحكام، باب: التغليظ في الحيف والرشوة (2304) .

[6] أخرجه مسلم في الزكاة، باب: قبول الصدقة من الكسب (1686) من حديث أبي هريرة.

[7] أخرجه الإمام أحمد (15276) , والطبراني في الكبير (22/197) ، من حديث هانئ بن نيار، وصححه الألباني في صحيح الجامع (1033) ، وقد رُوي هذا الحديث عن جملة من الصحابة بألفاظ متقاربة، انظر: التلخيص الحبير (3/3) لابن حجر.

[8] أخرجه البخاري في الزكاة، باب: من سأل الناس تكثرًا (1381) ، ومسلم في الزكاة، باب: كراهة المسألة للناس (1724) من حديث ابن عمر.

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله, صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

أما بعد: فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى حق التقوى.

عباد الله، بركة الرزق ليست بكثرته، ولكن بركة الرزق أمر يجعله الله في قلب العبد، فيرضى بما قسم الله له، قد أفلح من أسلم, ورزق كفافا,ً وقنّعه الله بما آتاه.

أيها المسلم، جاء في الكتاب والسنة بيان أسباب بركة الرزق، فالرزق قد يبارك للعبد فيه، وقد لا يبارك للعبد فيه، قد يعطى مالًا كثيرًا، ولكن ينزع الله البركة منه، فلا ينفعه ولا يفيده، يَمْحَقُ ?للَّهُ ?لْرّبَو?اْ وَيُرْبِى ?لصَّدَقَـ?تِ [البقرة:276] .

أيها المسلم، إن من أسباب بركة الرزق: تقوى الله جل وعلا في كل الأحوال، وَمَن يَتَّقِ ?للَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ [الطلاق:2، 3] ، وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ?لْقُرَى? ءامَنُواْ وَ?تَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـ?تٍ مّنَ ?لسَّمَاء وَ?لأرْضِ [الأعراف:96] ، ويقول موسى عليه السلام في دعائه: رَبّ إني لِمَا أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص:24] .

ومن أسباب بركة الرزق: صلة الرحم، ففي الحديث: (( من أحب أن يُنسأ في أثره، ويبسط له في رزقه فليصل ذا رحمه ) ) [1] .

ومن أسباب بركة الرزق: الإنفاق في وجوه الخير والصدقة على المساكين والمُعوزين، قال تعالى: وَمَا أَنفَقْتُمْ مّن شَىْء فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ ?لرَّازِقِينَ [سبأ:39] .

وأحسن إلى عباد الله يحسن الله إليك، قال تعالى: وَأَحْسِنُواْ إِنَّ ?للَّهَ يُحِبُّ ?لْمُحْسِنِينَ [البقرة:195] .

ومن فرّج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة.

فبركة الرزق في الدنيا أن يخلف الله عليك عوضه، وبركته في الآخر ما ينالك من الثواب العظيم، في يوم أنت أحوج فيه إلى مثقال ذرة من خير.

أيها المسلم، إن الله جل وعلا حذّر المسلمين من أن يكون نجواهم فيها بينهم ظلمًا وعدوانًا، قال تعالى: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَـ?جَوْاْ بِ?لإِثْمِ وَ?لْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ ?لرَّسُولِ وَتَنَـ?جَوْاْ بِ?لْبِرّ وَ?لتَّقْوَى? وَ?تَّقُواْ ?للَّهَ ?لَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ إِنَّمَا ?لنَّجْوَى? مِنَ ?لشَّيْطَـ?نِ لِيَحْزُنَ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَلَيْسَ بِضَارّهِمْ شَيْئًا إِلاَّ بِإِذْنِ ?للَّهِ وَعَلَى ?للَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ?لْمُؤْمِنُونَ [المجادلة:9، 10] .

أيها المسلم، فالمسلمون فيما بينهم سرًا وعلانية أمرهم واضح ومنهجهم سليم وسرهم وعلانيتهم على وفق واحد, فإن إيمانهم صادقًا ظاهرًا وباطنًا، وأخلاقهم أخلاق الصدق وأعمالهم أعمال الحق، ترى أعمالهم واضحة, وترى أمورهم جلية، لا يظهر لك أمرًا ويخفي عليك غير ذلك، ولذا قال الله لهم: إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَـ?جَوْاْ بِ?لإِثْمِ وَ?لْعُدْوَانِ ، لا تكن مناجاتكم وأحاديثكم وأموركم إثمًا وعدوانًا, فإنكم إذا تناجيتم بالإثم والعدوان صرتم سبب شر وبلاء, بل تكن لقاءاتكم دائمًا لقاءات خير ولقاءات بر وتعاون على كل خير تسعد به الأمة في حاضرها ومستقبلها.

أما أولئك المندسون بين الأمة الذين امتلأت قلوبهم مرضًا وحقدًا على الإسلام وأهله، فهؤلاء تراهم في الظاهر معك، ولكن في باطن أمورهم يتناجون بالإثم والعدوان, مناجاتهم فيما يخططونه وفيما يبرمونه من مؤامرة ضد الإسلام وأهله، إنهم إن لم ينبهوا فهم في غيهم وفي ضلالهم وفي كيدهم للإسلام وأهله.

فهم والعياذ بالله قلوب مريضة لا تطمئن ولا تهنأ إلا بالمكيدة للإسلام وأهله، الحقد ملأ قلوبهم, وطاعة الأعداء حكمتهم ومدهم يد العون مع الأعداء جعلتهم يعيشون في هذا المستنقع السيئ.

أيها المسلم، فلا يليق بك أن تتآمر ضد أمة الإسلام، ولا أن تلغي للإسلام وأهله الغوائل، ولا يليق بك، أن تكون مجالسك الخاصة مجالس سوء ومجالس تعاون على الإثم والعدوان.

أولئك الذين يختفون عن أنظار الناس، وإنما يطيب لهم ما يطيب لهم عندما يجتمعون فيما بينهم، فحدث عن مكرهم وخداعهم، ولكن الله بالمرصاد لمن أراد السوء، وَلاَ يَحِيقُ ?لْمَكْرُ ?لسَّيّىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ [فاطر:43] ، فهؤلاء ـ والعياذ بالله ـ لا خير فيهم، ولكن الله يفضحهم ويهتك أستارهم؛ لأن أمرهم خطير وشرهم مستطير.

إذن فالمسلم لا يليق به أن يكون مع هؤلاء، ولا يصاحب هؤلاء ولا يجالس هؤلاء ولا يركن إلى هؤلاء الذين في قلوبهم حقد على الإسلام وأهله، بل هو ينصح لله, وإذا نتناجى ستعرف نجواهم أمرًا بخير. لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَـ?حٍ بَيْنَ ?لنَّاسِ [النساء:114] .

أما الذين تناجيهم أمرًا بشر وتنظيم ضرر ومؤامرة دنيئة ومحاولة على ضرب الإسلام وأهله فإن هذه الملتقيات ملتقيات إثم وعدوان، المسلم يربأ بنفسه عن هؤلاء وعن صحبة أولئك وعن إعانة أولئك وعن السكوت والتغاضي عنهم.

هؤلاء لا خير فيهم وليس عندهم خير ولا صلاح, ولكنهم قوم خدعوا وانخدعوا وضعف الإيمان في قلوبهم, فأصبحوا آلة بأيدي أعدائهم في مكيدة الإسلام وأهله، ولكن الله تعالى لا يصلح عمل المفسدين، الذين يحاولون الإفساد في الأرض بأي أنواع الفساد، الله لا يصلح أعمالهم, ولا يوفقهم لأنهم أهل مكر وخداع وتناجٍ بالباطل، فأعمالهم يخفونها عن الناس؛ لأن كلًا يشذب أفعالهم, ويعلم سوء نواياهم وقبح ما يريدون، فالمسلم موقفه من أولئك موقف يشذب كل هذه الأحوال، ويكرهها ويكره أهلها، ولا يتستر على أحد منهم ولا يرضى عن أحد منهم وإنما ينصح لهم النصيحة, ويحذرهم من هذه المؤامرات الدنيئة، إن يكن في قلوبهم بقية من إيمان, وإلا فإنه لا يتستر عليهم ولا يرضى بأحوالهم، إذ الإيمان يمنع المؤمن من الفساد وأهله، والله ذكر عن المنافقين بقوله: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِى ?لارْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ ?لْمُفْسِدُونَ وَلَـ?كِن لاَّ يَشْعُرُونَ [البقرة:11، 12] .

أجل، إن هؤلاء مفسدون في الأرض تناجوا على الإثم والعدوان, والتقت مجالسهم على الشر والبلاد والمكيدة للإسلام وأهله، ولكن الله جل وعلا حكيم عليم فيما قضى وقدر سلط الله على أولئك من هتك أستارهم, وكشف عيوبهم, وأوضح باطلهم, وأخزاهم الله, والله على كل شيء قدير.

فيا أيها المسلم, كن واثقًا بالله حريصًا على دينك قبل كل شيء, ثم حريصًا على أمن أمتك وسلامتها، ولا تمكن للفساق والأراذل الأمر، ولا تعنهم على باطلهم، وحذّر أبناءك وإخوانك ومن تتصل بهم من هذه الأكاذيب والأباطيل، وهذه المكايد والخيانات التي لا يرضى بها المسلم.

ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَخُونُواْ ?للَّهَ وَ?لرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَـ?نَـ?تِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنفال:27] .

[1] أخرجه البخاري في الأدب، باب: من بسط له في الرزق بصلة الرحم (5527) ، ومسلم في البر والصلة، باب: صلة الرحم (4639) من حديث أنس بن مالك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت