الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب
الموت والحشر, اليوم الآخر
محمد بن إبراهيم حسان
المنصورة
غير محدد
1-مجيء الرب جل جلاله 2- أول من يُكلّمهم الله يوم القيامة 3- العرض على الله عز وجل
أحبتي في الله:
هذا هو لقاءنا الثانى عشر من لقاءات هذه السلسلة الكريمة المباركة وكنا قد توقفنا في اللقاء السابق مع البشرية كلها، وهي في أرض المحشر وقد أصابها من الكرب، والهم، والغم مالا يستطيع بليغ على وجه الأرض أن يجسده، الشمس فوق الرؤوس تكاد تذيب الجماجم بل والعظام، والزحام وحده يكاد يخنق الأنفاس، فالبشرية كلها منذ أن خلق الله آدم إلى آخر رجل قامت علية الساعة تقف في موقف واحد في أرض واحدة.
العرق يكاد يغرق الناس كلُُ بحسب عمله في عرقه، والأهوال تزداد شدة عندما يؤتَى بجهنم لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، يؤتَى بها إلى أرض المحشر فإذا ما رأت جهنم الخلائق زفرت وزمجرت غضبًا منها لغضب ربها جل وعلا، حينئذ تجثوا جميع الأمم على الركب من هول الموقف، بل ولا يتكلم يومها إلا الأنبياء ودعوتهم يومئذ اللهم سلم سلم!! اللهم سلم سلم!!!
ويزداد الكرب والهم على الخلق فيقول بعضهم لبعض ألا ترون ما نحن فيه ألا ترون ما قد بلغنا ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم، ويذهبون إلى صفوة الله من خلقه إلى الأنبياء والمرسلين فيقول كل نبي: إن ربى قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ثم يقول كل نبي نفسي، نفسي، نفسي!!! إلا المصطفى محمد بن عبد الله إنه التجارة الرابحة.. إنه صفوة الله من خلقه..، وأكرم الخلق على الله.
يقول الحبيب: فيأتوني فيقولون يا رسول الله، ألا ترى ما نحن فيه؟! ألا ترى ما قد بلغنا؟! ألا تشفع لنا إلى ربك؟!
فأقوم وأقول: أنا لها، أنا لها، ويخر ساجدًا تحت عرش الرحمن جل جلاله ويثنى على الله سبحانه وتعالى بمحامد لم يفتح الله به على أحد من قبله فينادي عليه ربه ويقول: يا محمد ارفع رأسك وسل تعطى واشفع تشفع فيقول المصطفى: (( يا رب..أمتي، أمتي، أمتي ) ).
وفى حديث الصور الطويل الذي خرجناه في اللقاء الماضي مع حديث الشفاعة الذي ذكرت الآن يقول الله جل وعلا لنبيه المصطفى ما شأنك؟ وهو أعلم، فيقول الحبيب: (( يا رب قد وعدتني الشفاعة. فشفعني في خلقك، فأقضِ بينهم، فيقول الله جل جلاله: قد شفعتك، أنا آتيكم لأقضي بينكم ) ). فيرجع الحبيب المصطفى ليقف مع الناس في أرض المحشر لينظروا جميعًا مجيء الرب جل جلاله لفصل القضاء بين العباد.
وهذا هو لقاءنا مع حضراتكم في هذا اليوم المبارك، وكما تعودنا حتى لا ينسحب بساط الوقت من بين أيدينا سريعًا فسوف أركز الحديث مع حضراتكم في العناصر التالية:
أولًا: مجيء الرب جل جلاله.
ثانيًا: أول من يكلمهم الله يوم القيامة.
ثالثًا: العرض على الله جل وعلا وأخذ الكتب.
فأعيروني القلوب والأسماع فإن هذه الكلمات تكاد تخلع القلوب ورب الكعبة.
أولًا: مجيء الرب جل جلاله:
أحبتي في الله:
هل منكم من أحد قد حضر يومًا محكمة من محاكم الدنيا؟!
يوم يؤتى بالمتهمين ليقفوا وراء هذا القفص الحديدي وفجأة وقد امتلأت قاعة المحكمة بأهل المتهمين وبالمحامين، يدخل القضاة ليجلسوا على منصة القضاء ويصرخ الحاجب: محكمة، فَتَصْمُت الأنفاس، وتتقطع وتكاد القلوب أن تقفز من الصدور، ويبدأ المحامون في المرافعات، والمجادلات والمعاذير وتسمع هيئة القضاء، ويردون، ويترافعون، ويتناقشون ثم يسدل الستار على هيئة القضاء ليتناقش القضاة في إبرام الحكم وفي النطق به، وفي المرة الثانية يدخل القضاة ليصدروا الحكم في هذه القضية.
أسألك بالله أنظر إلى وجوه الناس في قاعة المحكمة.
العيون تبكى.. والقلوب تكاد تقفز من الصدور.. والأنفاس متقطعة الكلام همس.. والسؤال تخافت.. الكل ينظر بأى شئ سيحكم؟!! وما الذي سينطق به القاضي؟! وهو العبد الحقير الفقير إلى الله الملك القدير.
تصور هذا المشهد الذي يكاد يخلع القلب بل تكاد القلوب أن تقفز إلى الحناجر لتقف على حجم الهول والخلق جميعًا في أرض المحشر ومن بينهم الأنبياء يقفون وينظرون إلى السماء وهم ينظرون مجئ الملك العدل جل جلاله.
يقول الحق جل وعلا:
يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا [طه:108-111] .
تنشق السماء وينزل أهل السماء الأولى من الملائكة بضعف من في الأرض من الإنس والجن.
قال الله تعالى: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلا [الفرقان:25] .
يقول ابن عباس: ينزل أهل السماء الأولى من الملائكة بضعف من في الأرض من الجن والإنس فتحيط الملائكة بالخلائق في أرض المحشر، فإذا ما نظرت الخلائق إلى الملائكة قالوا أفيكم ربنا؟! فتقول الملائكة: لا وهو آت.
قال الله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ [البقرة:210] .
ويقول الحق سبحانه: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ [الفجر:22-26] .
اللهم سلم سلم.. اللهم سلم سلم يا أرحم الراحمين.
يأتي الحق جل وعلا إتيانًا يليق بكماله وجلاله.
لا تعطل صفة المجيء ولا تكيف صفة المجيء، ولا تشبه صفة المجيء، ولا تشبه الله بأحد من خلقه، فكل ما دار ببالك، فالله بخلاف ذلك.
جل ربنا عن الشبيه والنظير وعن المثيل، لا ند له، ولا كفء له، ولا شبيه له، ولا صاحبة له، ولا ولد له: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [سورة الإخلاص] .
قال جل جلاله: الرَّحمَنُ عَلَى العَرشِ اسْتَوىَ [طه: 5] .
استوى كما أخبر وعلى الوجه الذي أراد وبالمعنى الذي قال، استواءً منزهًا عن الحلول والانتقال.
فلا العرش يحمله ولا الكرسي يسنده، بل العرش وحملته والكرسي وعظمته، الكل محمول بلطف قدرته، مقهور بجلال قبضته، سبحانه وتعالى.
فالاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة.
قال جل جلاله: لَيسَ كَمثْلِهِ شَئٌ وَهُو السَّمِيعٌ البَصِيرٌ [الشورى:11] .
وقال جل جلاله: وِلا يُحيطُونَ بِهِ عِلمًا [طه:110] .
قال جل جلاله: فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ [النحل:74] .
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ.
ثم يتنزل أهل السماء الثانية من الملائكة بضعف من في الأرض من ملائكة السماء الأولى والجن والإنس فيحيط أهل السماء الثانية بأهل الأرض من الملائكة والإنس والجن.
وهكذا أهل السماء الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة على قدر ذلك من التضعيف.
ثم يتنزل حملة عرش الملك جل وعلا وهم يحملون العرش يسبحون الله سبحانه ويقولون: سبحان ذي الملك والملكوت.. سبحان ذي العزة والجبروت.. سبحان من كتب الموت على الخلائق ولا يموت. سبوح قدوس.. قدوس.. قدوس.. رب الملائكة والروح.
اسمع لربك جل وعلا وهو يقول:
فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ [الحاقة:13-18] .
ويضع الحق جل جلاله كرسيه حيث شاء من أرضه ويقول: يا معشر الجن والإنس إني قد أنصت إليكم منذ خلقتكم، أسمع قولكم، وأرى أعمالكم، فأنصتوا اليوم إليَّ، فإنما هي أعمالكم وصحفكم تُقرأ عليكم فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.
ثم يقول الحق جل جلاله: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي ءَادَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يس:60-65] .
أتدرون من هم أول من يكلمهم الله في هذا الموقف العصيب؟ !!
هذا هو عنصرنا الثانى من عناصر اللقاء.
ثانيًا: أول من يكلمهم الله جل وعلا:
أول من يكلمه الله جل وعلا يوم القيامة في هذا الموقف العصيب هو آدم عليه السلام ينادي عليه الحق سبحانه كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن المصطفى قال: (( يقول الله تعالى: يا آدم فيقول: لبيك! وسعديك! والخير كله في يديك! فيقول الله جل وعلا! أخرج بعث النار فيقول آدم: وما بعث النار؟ فيقول الله جل وعلا: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين قال: فذاك حين يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بِسُكارى ولكن عذاب الله شديد ) )فاشتد ذلك على أصحاب الحبيب محمد فقالوا: يا رسول الله! أينا ذلك الرجل؟ فقال المصطفى: (( أبشروا فإن من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعين ومنكم رجلُُ ) )ثم قال: (( والذي نفسي بيده إني لأطمع أن تكونوا ربع أهل الجنة ) )فحمدنا الله وكبرنا ثم قال: (( والذي نفسي بيده إني لأطمع أن تكونوا ثلث أهل الجنة ) )فحمدنا الله وكبرنا ثم قال: (( والذي نفسي بيده إني لأطمع أن تكونوا شطر أهل الجنة، إن مثلكم في الأمم كمثل الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود أو كالرقمة في ذراع الحمار ) ) ( [1] ) .
قال الله سبحانه وتعالى مخاطبًا أمة المصطفى: كُنتُم خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنَّاسِ.
اللهم لك الحمد يا من خلقتنا موحدين وجعلتنا من أمة سيد النبيين.
ثم بعد ذلك ينادى رب العزة تبارك وتعالى: يا نوح.. يقول لبيك وسعديك، فيقول الله سبحانه هل بلغت قومك؟! فيقول نوح: نعم يارب والله أعلم فيقول الحق جل جلاله: يا قوم نوح هل بلغكم نوح؟! فيقولون لا ما أتانا من نذير وما آتانا من أحد، فيقول من يشهد لك يا نوح؟!! فيقول نوح: محمد وأمته!
(( فتدعون فتشهدون أنه قد بلغ أمته ثم أدعى فأشهد عليكم ) ) ( [2] ) وفي لفظ ابن ماجه بسند صححه شيخنا الألباني يقول المصطفى: (( فيقول الله لأمتي ما الذي أخبركم أن نوح قد بلغ قومه ) )؟! فتقول الأمة الميمونة لربها جل وعلا: جاءنا نبينا محمد فأخبرنا أن الرسل جميعًا قد بلَّغوا قومهم فصدقناه. يقول المصطفى: (( فذلك قول الله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:143] .
ثم يدعى عيسى عليه السلام ويقال له يا عيسى: ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [المائدة:116] .
لماذا خص الله عيسى من بين سائر الرسل بهذا السؤال؟!!
لأنه ما من رسول بعث في قومه إلا وقد آمن به من آمن من قومه، وكفر من كفر، إلا قوم عيسى فمنهم من قال: إن عيسى هو الله!! ومنهم من قال أن عيسى هو ابن الله!! ومنهم من جعل عيسى وأمه إلهين من دون الله!! فهل هناك إله يأكل؟! إله يشرب؟! إله يتزوج؟! إله يقضي حاجته؟!!
ولله در ابن القيم يقول:
نريد جوابه ممن وَعَاه
أعباد المسيح لنا سؤال
أماتوه فهل هذا إله ؟!
إذا مات الإله بصنع قوم
وأعجب منه بطن قد حَوَاهُ
ويا عجبًا لقبر ضم ربًا
لدى الظلمات من حيض غَزَاهُ
أقام هناك تسعًا من شهور
ضعيفًا فاتحًا للثدى فاهُ
وشَقَّ الفَرْجَ مولودًا صغيرًا
بلازم ذاك فهل هذا إله ؟!
ويأكل ثم يشرب ثم يأتي
سيسأل كلهم عما افتراه
تعالى الله عن إفك النصارى
قال تعالى: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [المائدة: 116-117] .
ثم يقول عيسى عليه السلام لربه الرحمن: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة:118] .
فيرد الله جل وعلا على عبده المصطفى ونبيه عيسى عليه السلام يقول: قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [المائدة:119] .
ثم يدعى جميع الرسل قال تعالى: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ [ المائدة: 109 ] .
واسمع لله جل وعلا وهو يقول: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [الأعراف:6] .
يجمع الله سبحانه وتعالى الرسل بجلال العبودية بل وجلال العبودية في جواب الرسل على الله جل جلاله وهم يقولون: لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ.
أيها الأخيار: يسأل الرسل والملائكة بل والأنبياء بل والشهداء؟ فهل نُترك بعد هؤلاء؟!!
قال الله تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ [الزمر:68-70] .
ويبدأ العرض على الله جل وعلا وكيف يبدأ الحساب؟
هذا ما سوف نتعرف عليه بإيجاز بعد جلسة الاستراحة
وأقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم
( [1] ) رواه البخارى رقم (6530) فى الرقاق باب قوله عز وجل: إن زلزلة الساعة شىء عظيم ، ومسلم رقم (222) فى الإيمان ، باب قوله ( يقول الله لآدم: أخرج.... ) واللفظ له.
( [2] ) رواه البخارى رقم (4487) فى التفسير ، باب قوله تعالى: وكذلك جعلناكم أمة وسطًا ، والترمذى رقم (2965) فى التفسير ، باب ومن سورة البقرة.
الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلى وسلم وزد وبارك عليه وعلى أصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين، أما بعد.
ثالثًا: العرض على الله جل وعلا وأخذ الكتب:
أيها الأحبة الكرام:
بعد ذلك يبدأ الحساب وسنقف مع الحساب وقفات، فالحساب يبدأ بالعرض على الله جل جلاله بالوقوف بين يدي الحق الملك العدل سبحانه فأنت في أرض المحشر ستستمع إلى نداء الملائكة: أين فلان بن فلان؟
هذا هو اسمي.. ماذا تريدون يا ملائكة الله؟!
أقبل للعرض على الله جل وعلا!!
وقد وكلت الملائكة بأخذك، وسوقك في أرض المحشر على رؤوس الأشهاد، والخلائق كلها تنظر إليك، فيقرع النداء قلبك ويصفر وجهك وترتعد فرائصك وتضطرب جوارحك وترى نفسك بين يدي الحق جل جلاله ليكلمك ليس بينك وبينه ترجمان كما في الصحيحين من حديث عدي بن حاتم أنه قال: (( ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه تُرجمان، فينظر أيمن منه(أي عن يمينه) فلا يرى إلا ما قدم (أي في هذه الحياة الدنيا) وينظر أشأم منه (أي عن شماله) فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه فاتقوا النار ولو بشق تمرة )) ( [1] ) أي ولو بنصف تمرة تتصدقون بها إلى الله جل وعلا.
يقرع النداء القلب ويأمر الله تبارك وتعالى بالصحف وبالكتب فيأخذ كل إنسان صحيفته.
تلك الصحيفة التى لا تغادر بلية كتمتها ولا مخبأة أسررتها. فكم من معصية قد كنت نسيتها.. ذكرك الله إياها. وكم من مصيبة قد كنت أخفيتها.. أظهرها الله لك وأبداها.. فيا حسرة القلب ساعتها على ما فرطنا في دنيانا من طاعة موالنا.
اسمع لربك جل وعلا، وهو يقول: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:47-49] .
أيها المسلم:
مُستوحشًا قلق الأحشاء حيرانا
تذكر وقوفك يوم العرض عُرْيانا
على العصاة ورب العرش غضبانا
والنار تلهب من غيظ ومن حنقٍ
فهل ترى فيه حرفًا غير ما كانا
إقرأ كتابك ياعبدُ على مهلٍ
إقرار من عرف الأشياء عرفانا
فلما قرأت ولم تنكر قراءته
وأمضوا بعبد عصى للنار عطشانا
نادى الجليل خذوه يا ملائكتى
والمؤمنون بدار الخلد سكانا
المشركون غدًا في النار يلتهبوا
أقف عند هذا القدر مع العرض على الله جل وعلا لنواصل الحديث إن قدر الله لنا البقاء واللقاء لنتعرف على:كيفية العرض ؟، كيفية الحساب ؟! كيف يحاسب الله المؤمن يوم القيامة ؟! وكيف يقرأ المؤمن كتابه ؟! وهل تظهر الحسنات أولًا أم تظهر السيئات ؟! وما الذي يقوله الله للمؤمن ؟!
وكيف يحاسب الله الكافر يوم القيامة؟! وكيف يقرأ الكافر صحيفته وكتابه؟!
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يحسن خاتمتنا. إنه ولي ذلك والقادر عليه.
( [1] ) رواه البخارى رقم (7512) فى التوحيد، باب كلام الرب عز وجل ، ومسلم رقم (1016) فى الزكاة ، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة ، والترمذى رقم (2427) فى صفه القيامة.