فقه
الصلاة
عبد السلام بن محمد زود
سدني
مسجد السنة
1-أهمية الصلاة وضرورة معرفة أحكامها. 2- أنواع أخطاء المصلين. 3- عدم الطمأنينة في الصلاة. 4- الجهر بالنية والتلفظ بها. 5- عدم تحريك اللسان بأذكار الصلاة. 6- ترك رفع اليدين في مواضع الرفع. 7- إسبال اليدين. 8- الجمع بين القبض والوضع. 9- قول بعض المأمومين في الصلاة الجهرية"استعنا بالله"نحوها. 10- عدم رفع الإمام صوته بالتأمين. 11- عدم تأمين المأمومين أو عدم جهرهم بالتأمين. 12- مسابقة المأمومين لإمامهم في التأمين.
أما بعد: إخواني في الله، اتقوا الله تعالى، وحافظوا على أوامره، وأدوها كما أمركم الله ورسوله ، وتحروا الصواب في عباداتكم حتى تقبل منكم، وتعلموا أحكامها، وإن من أهم العبادات التي يجب أن تتعلموها وتعرفوا أحكامها وشروطها وأركانها ومبطلاتها بعد التوحيد هي أحكام الصلاة، كيف لا والنبي يقول: (( أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح له سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله ) )رواه الطبراني في الأوسط عن أنس وصححه الألباني. فما ظنُّكم ـ إخواني ـ إذا جاء أحدنا يوم القيامة وهو أحوج ما يكون إلى الحسنة، فينظر في صلاته فإذا هي فاسدة، فينظر في صحيفته هل فيها من نوافل حتى يجبر بها بعض خلل الصلاة، فإذا هو مقصر في النوافل أيضًا ومضيع لها، وقد وقع في أخطاءٍ أخلَّت بجوهر صلاته، فيا لها من خسارة وندامة يومها. أخرج البخاري في صحيحه عن زيد بن وهب قال: رَأَى حُذَيْفَةُ رَجُلًا لاَ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، قَالَ: مَا صَلَّيْتَ، وَلَوْ مُتَّ مُتَّ عَلَى غَيْرِ الْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا عَلَيْهَا. ففي هذا الأثر العجيب وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود، وأن الإخلال بها مبطل للصلاة، لأنه قال له: ما صليت.
إخواني في الله، وموضوع الصلاة لا تكفيه خطبة ولا خطبتان، ولكنها تذكرة بأهمية هذه الشعيرة ووجوب التفقه فيها، وقد ألفت والحمد لله كتب كثيرة مختصرةٌ ومطولة في أحكام الصلاة وأخطاء الناس فيها، ومن ذلك كتاب: صفة صلاة النبي للشيخ الألباني وابن باز وابن عثيمين رحمة الله عليهم أجمعين، وغيرها من الكتب النافعة التي تصوب أخطاء الناس في صلاتهم، ومنها كتاب: القول المبين في أخطاء المصلين، وهو كتاب موجود ومترجم إلى عدة لغات، فما ينقصك ـ أخي ـ إلا أن تقرأ لتتفقه في أحكام هذه الصلاة. وإذا كنت لا تحسن القراءة فاستمع إلى الأشرطة والمحاضرات التي تبين لك أحكام الصلاة وأخطاء الناس فيها.
وأخطاء الناس في الصلاة متنوعة ومتعددة، فبعضها يبطل الصلاة، وبعضها يُنقص من أجرها، وبعضها خلاف السنة، وسأذكر بعض الأخطاء التي يقع فيها الناس في صلاتهم، مع ذكر الصواب فيها إن شاء الله تعالى، فأعيروني أسماعكم وقلوبكم، وفقني الله وإياكم لما يحبه ويرضاه:
من هذه الأخطاء بل على رأسها والتي تبطل الصلاة بها وتجعلها غير نافعة لصاحبها عدم الطمأنينة فيها، فلا يطمئن في ركوعها ولا سجودها ولا جلوسها، بل ينقرها نقرًا، ولا يذكر الله فيها إلا قليلًا.
والطمأنينة ركنٌ من أركان الصلاة، لا تصح الصلاة إلا بها، فكما أن الصلاة لا تصح إلا بقراءة الفاتحة ولا تصح إلا بالركوع والسجود، فكذلك لا تصح الصلاة إلا بالطمأنينة. وكيفية الطمأنينة في الصلاة بيّنها النبي ، ففي الصحيحين عن أبي هريرة أَنَّ النَّبِيَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ، فَرَدَّ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلاَمَ، فَقَالَ: (( ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ ) )ـ أي: إن صلاتك باطلة ـ فرجع فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: (( ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ ) )ثَلاَثًا، فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ فَعَلِّمْنِي، قَالَ: (( إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاَةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاَتِكَ كُلِّهَا ) ). وإن المرء ليقف متعجبا ومندهشا أمام هذا المشهد، صحابي ـ يا عباد الله ـ وليس رجلا عاديا، بل صحابي يقول له النبي ثلاث مرات: (( ارجع فصل فإنك لم تصل ) )فلماذا يا ترى؟ والجواب: لأن النبي رأى عليه بعض الأخطاء وبعض الأمور التي قد تركها فأبطلت صلاته، وكثير من المصلين اليوم إلا من رحم الله لا يحسن الواحد منهم أداء الصلاة تامَّة كاملة، كما يريدها رب العالمين، وكما صلاها رسولنا ، وعلمنا ذلك بفعله: (( صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي ) )متفق عليه من حديث مالك بن الحويرث ، فيقع كثير منهم في أخطاء، إما أنها تُبطل صلاتهم بالكلية والعياذ بالله، وإما أنها تُنقص من أجورهم. فإن الصلاة كما تعلمون شأنها عظيم في دين الإسلام، وميزانها جليل، ومنزلتها عند الله عالية، والصلاة مكيال، من وفَّاه وُفَّي أجره من رب العالمين، ومن طفف فيه فقد علمتم ما قال الله في المطففين.
إن الطمأنينة في كل ركن من أركان الصلاة ركن من أركانها حتى تُقضى الصلاة بالكلية، وليست الصلاة مجرد حركات لا يفقه المصلي فيها قولًا ولا يحسن دعاءً، ولا ترى إلا أجسادًا تهوي إلى الأرض خَفضًا ورَفعًا. فهل يرضيك ـ أخي المصلي ـ مثلا أن يصرف الله عز وجل نظره عنك وأنت تصلي؟! ففي مسند الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي هريرة أن النبي قال: (( لا ينظر الله إلى عبد لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده ) ). والآن نشرع في ذكر بعض الأخطاء التي يقع فيها بعض المصلين فأقول وبالله التوفيق:
من هذه الأخطاء جهر بعض المصلين بالنية عند ابتداء الصلاة، فتسمع أحدهم يقول:"نويت أن أصلي صلاة الظهر أداء لله تعالى"أو نحو ذلك مما تقولون أو تسمعون ممن يصلي بجانبكم. وهذه بدعة وخطأ يجب تركها وعدم فعلها، لأن رسول الله لم يفعلها، ولم يأمر بها، ولا فعلها صحابته من بعده، يقول النبي كما في الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب: (( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِ امْرِئٍ مَا نَوَى ) ).
ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله:"كان إذا قام إلى الصلاة قال: (( الله أكبر ) )ولم يقل شيئًا قبلها، ولا تلفَّظ بالنيَّة البتة، ولا قال: أصلي لله صلاة كذا مُستقبل القبلة أربع ركعات إمامًا أو مأمومًا، ولا قال: أداءً ولا قضاءً ولا فرض الوقت، وهذه عشرُ بدع، لم يَنْقُل عنه أحد قط بإسنادٍ صحيحٍ ولا ضعيفٍ ولا مسنَدٍ ولا مرسلٍ لفظةً واحدةً منها البتة، بل ولا عن أحدٍ من أصحابه، ولا استحسنه أحدٌ من التَّابعين، ولا الأئمة الأربعة" [زاد المعاد (1/201) ] ، وقال ابن أبي العزِّ الحنفي:"لم يقل أحد من الأئمة الأربعة، لا الشّافعيُّ ولا غيره باشتراط التلفّظ بالنيَّة، وإنما النيَّة محلُّها القلب باتفاقهم"هذه واحدة من الأخطاء.
وكذلك من أخطاء المصلين التلفظ بالنية سرا، وهذا كذلك لا يجب عند الأئمة الأربعة وسائرِ أئمة المسلمين، ولم يقل أحد بوجوبه، لا في الطهارة ولا في الصلاة ولا في الصوم. سأل أبو داود الإمام أحمد فقال: يقول المصلي قبل التكبير شيئًا؟ قال: لا. قال السيوطي: ومن البدع أيضًا: الوسوسة في نية الصلاة، ولم يكن ذلك من فعل النبي ولا أصحابِهِ، كانوا لا ينطقون بشيء من نية الصلاة بسوى التكبير، وقد قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21] . وعلى هذا جاءت الأدلة من السنة النبوية، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: كَانَ رَسُولُ اللّهِ يَستَفْتِحُ الصَّلاَةَ، بِالتَّكْبِيرِ. رواه مسلم. وقال للمسيء صلاته: (( إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاَةِ فَأَسْبِغْ الْوُضُوءَ ثُمَّ اسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ ) )متفق عليه من حديث أبي هريرة.
فهذه النصوص الصحيحة الصريحة ومثلها كثير تدل على أن النبي كان يفتتح الصلاة بقوله: (( الله أكبر ) )وأنه لم يقل قبلها شيئًا، وأكّدَ ذلك النووي في كتابه المجموع عندما حكى إجماع العلماء على أنه إذا خالف اللسانُ القلبَ فالعبرة بما في القلب لأنه الأصل. وإني لأسأل بهدوء كل أخ كريم يتلفظ بالنية ويقول:"نويت أن أصلي الصلاة الفلانية لله تعالى"وما شابه ذلك، أسأله: لمن تقول هذا القول؟ لله تعالى!! اعلم ـ أخي ـ أن ذلك يُعدّ استخفافًا بعلم الله الذي يعلم السرائر وما تخفيه الضمائر، وهو سوء أدب مع الله تعالى، وانتقاص لعلمه الغيب ومعرفته بما كان وبما سيكون، أفتظنّ أنه يخفى عليه ما تريد القيام به من وضوء أو صلاة أو صيام؟! ولهذا قال الله تعالى: قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الحجرات:16] .
نخلص مما تقدم ـ إخواني ـ إلى أن نصوص العلماء على اختلاف الأمصار والأعصار على أن الجهر بالنيَّة بدعة، فمن كان منكم معتادا على الجهر بها أو النطق بها سرا فليتوقف عن ذلك جزاه الله خيرا، وليقتصر على نيته التي في قلبه، وهي أنه يريد الصلاة أو الوضوء أو الصوم وهكذا.
ومن الأخطاء الشائعة في الصلاة أيضا عدم تحريك المصلي لسانه في التكبير وقراءة القرآن وسائر الأذكار، والاكتفاءُ بتمريرها على القلب، فتراه واقفا في صلاته هكذا بدون أن يحرك لسانه أو شفتيه، وكأن الصلاة أفعال فقط، وليس فيها أقوال ولا أذكار، علما بأن النصوص الشرعية في الكتاب والسنة جاءت مؤكّدة على النطق، قال تعالى: فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ [المزمل:20] ، وقال النبي للمسيء صلاته: (( ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ ) )، وأقلها فاتحة الكتاب، ومن مقتضيات القراءة في اللغة والشرع تحريك اللسان كما هو معلوم، ومنه قوله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ [القيامة:16] ، أما قراءة الرجل في نفسه بدون أن يحرك لسانه فليس بقراءة على الصحيح، لأن القراءة إنما هي النُّطق باللسان، وعليها تقع المجازاة، قال تعالى: لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة:286] ، وقال النبي: (( إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمْ بِهِ ) )متفق عليه من حديث أبي هريرة. قال النووي في المجموع:"وأما غير الإمام فالسنة الإسرار بالتكبير، سواء المأموم والمنفرد، وأدنى الإِسرار أن يُسمع نفسه... وهذا عام في القراءة والتكبير والتسبيح في الركوع وغيره والتشهد والسلام والدعاء، سواء واجبها ونفلها، لا يُحسب شيء منها حتى يُسمع نفسه، إذا كان صحيح السمع ولا عارض... هكذا نصَّ عليه الشافعي، واتفق عليه الأصحاب، بل اشترط الجمهور أن يُسمع القارئ نفسه حيث لا مانع".
ومن الأخطاء ترك رفع اليدين عند التحريمة وعند الركوع والرفع منه وعند القيام إلى الثالثة، فبعض المصلين يترك رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، والكثير منهم يتركون رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه وعند أو بعد القيام من التشهد الأول إلى الركعة الثالثة، وكلّ هذا من الأخطاء التي يقع فيها بعض المصلين، ولعلهم يحتجون بأحاديث ليس لها أصل في دين الله عز وجل مثل حديث: (( من رفع يديه في الصلاة فلا صلاة له ) )فهذا أخرجه الجورقاني في الأباطيل وقال:"هذا حديث لا أصل له"، وفيه المأمون بن أحمد كان دجالا من الدجاجلة، كذابا وضاعا خبيثا، فكيف نبني عبادة كهذه على مثل هذه الترهات؟! بل الثابت عن نبينا رفع اليدين، ففي صحيح مسلم عن مالك بن الحويرث أَنَّ رَسُولَ اللّهِ كَانَ إِذَا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا أُذُنَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا أُذَنَيْهِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فَقَالَ: (( سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ) )، فَعَلَ مثْلَ ذَلِكَ. وروى مسلم أيضا عن نافع أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلاَةِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا قَامَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَرَفَعَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ. وروى رفعَ اليدين من الصحابة نحو خمسين رجلًا، منهم العشرة المبشرون بالجنَّة. قال الإمام البخاري:"قال الحسن وحميد بن هلال: كان أصحاب رسول الله يرفعون أيديهم، لم يستثن أحدًا من أصحاب النبي دون أحد". وقال ابن القيم:"وانظر إلى العمل في زمن رسول الله والصحابةُ خلفه، وهم يرفعون أيديهم في الصلاة عند الركوع والرفع منه، ثم العملِ في زمن الصحابة بعد"، بل أخرج البخاري في جزء رفع اليدين عن مالك أن ابن عمر كان إذا رأى رجلا لا يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع رماه بالحصى. وقال الإمام الشافعي:"لا يحل لأحد سمع حديث رسول الله في رفع اليدين في افتتاح الصلاة وعند الركوع والرفع من الركوع، لا يحل له أن يترك الاقتداء بفعله"ذكره السبكي في طبقات الشافعية الكبرى (2/100) .
فاحرص ـ أخي الكريم ـ على سنَّة نبيِّك ، وهي سنة متواترة على حدّ تعبير الإمام الذهبي، ودع عنك القيلَ والقال، وكثرةَ المراء والجدال تنجو بإذن الله.
وإتماما للفائدة فإن النبي كان يرفع يديه ممدودة الأصابع، لا يفرج بينها ولا يضمُّها، وكان يجعلهما حذو مَنكبيه، وربما كان يرفعهما حتى يحاذي بهما فروع أذنيه، وكان يرفع يديه تارة مع التكبير، وتارة بعد التكبير، وتارة قبله.
فاحرص ـ أخي ـ على سنة نبيك وارفع يديك عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وعند القيام إلى الركعة الثالثة بعد التشهد، وليكن رفعهما إلى محاذاة المَنكبين.
ومن الأخطاء إسبال اليدين، أو وضعهما على السرة أو تحتها، ففي صحيح البخاري عن سهل بن سعد قال: كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ الْيَدَ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلاَةِ، وعن ابن عباس أن رسول الله قال: (( إنا معشر الأنبياء، أمِرنا أن نُؤخِّر سحورنا، ونُعجِّل فطرنا، وأن نُمسِك بأيماننا على شمائلنا في صلاتنا ) )رواه ابن حبان في صحيحه. من هذين الحديثين يتبين لنا خطأ من يُرسل أو يُسدل يديه، إذ إن وضع اليد اليمنى على اليسرى من هدي نبينا وهدي الأنبياء قبله كما قال ابن القيم. [زاد المعاد (1/202) ] ، وقال ابن عبد البر:"لم يأت عن النبي فيه خلاف، وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين".
ومن السُّنَّة وضع اليدين على الصَّدر، اليمنى على ظهر الكف اليسرى والرُّسغ والسَّاعد، فعن وائل بن حُجْرٍ قال: لأنظرنَّ إلى رسول الله كيف يصلي، قال: فنظرتُ إليه، قام فكبَّر، ورفع يديه، حتى حاذتا أُذنيه، ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفِّه اليسرى والرُّسغ والسَّاعد) رواه ابن خزيمة في الصحيح. وثبت عنه أنه كان أحيانًا يقبض باليمنى على اليسرى. رواه النسائي والدارقطني بسند صحيح.
ففي هذا الحديث دليل على أن من السنَّة القبض، وفي الحديث الأول الوضع، فكلٌ سنة. وأما الجمع بين القبض والوضع فبدعة، وصورته أن يضع يمينه على يساره، آخذًا رسغها بخنصره وإبهامه، ويبسط الأصابع الثلاث، كما في بعض كتب المتأخرين. كما في حاشية ابن عابدين، فلا تغتر به. ودلَّ الحديثان السَّابقان على أن وضع اليدين على الصَّدر هو الذي ثبت في السنة، وخلافه إما ضعيف أو لا أصل له. قال الشوكاني:"ولا شيء في الباب أصحَّ من حديث وائل بن حُجر المذكور"يعني في مكان وضع اليدين كما ذكرنا.
أسأل الله تعالى أن يوفقني وإياكم لطاعته واتباع هدي نبيه ، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
ومن الأخطاء قول بعض المأمومين في الصلاة الجهرية حين يقرأ الإمام: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] :"استعنَّا بالله"أو"استعنا بك يا رب"، وقول بعضهم عندما يوشك الإمام على الانتهاء من قراءة الفاتحة:"رب اغفر لي ولوالدي"طمعا وظنا منه أن المأمومين يؤمنون على دعائه، ولم يدر المسكين أن المأمومين يؤمنون على دعاء الإمام:"اهدنا الصراط المستقيم"، ولم يخطر ببالهم لا هو ولا دعاؤه المبتدع في هذا الموطن.
ومن الأخطاء عدم رفع الإمام صوته بالتأمين عقب قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية، أجل إخواني، هذه من المخالفات، لأن السنة أن يجهر الإمام بـ (آمين) عقب قراءته للفاتحة، فعن أبي هريرة قال: كان رسول الله إذا فرغ من قراءة أُم القرآن رفع صوته وقال: (( آمين ) )أخرجه ابن حبان في الصحيح. وترجم البخاري في صحيحه:"باب جهر الإمام بالتَّأمين"، وأورد فيه مجموعة آثار معلّقة وحديثًا مرفوعًا، فقال:"أَمَّنَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَمَنْ وَرَاءَهُ حَتَّى إِنَّ لِلْمَسْجِدِ لَلَجَّةً"أي: صوتا مرتفعا. والجمهور على أن الإمام يجهر بالتأمين في الصلاة الجهرية كما ترجم البخاري، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَقُولُ: آمِينَ. رواه البخاري.
فنوصي كل من وقف إماما في المسجد أو في بيته أن يقول عقب الفاتحة: آمين، ويجهر بها، وإلا فكيف يعلم من وراءه من المأمومين بتأمينه إذا لم يرفع صوته به؟!
ومن الأخطاء أيضا عدم تأمين المأموم أو عدمُ جهره بالتأمين؛ لأن السنة كما قال: (( إذا أمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا ) )، فإن هذا يدل على وجوب التأمين على المأموم إذا أمَّن الإمام. وقال ابن حزم في المحلى:"وأما قول: (آمين) فيقولها المأموم فرضًا ولا بد".
ومن الأخطاء مسابقة المأمومين لإمامهم في التأمين؛ لأن السنة أن يؤمنوا معه ولا يسبقونه، والدليل ما أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة أن النبي قال: (( إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا ) ). وأخرج البخاري في صحيحه أيضا عن أبي موسى أن النبي قال: (( وَإِذَا قَالَ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ فَقُولُوا: آمِينَ ) ). قال النووي:"فيه دلالة ظاهرة لما قاله أصحابنا وغيرهم: أن تأمين المأموم يكون مع تأمين الإمام لا بعده، فإذا قال الإمام: وَلاَ الضَّالِّينَ قال الإمام والمأموم معًا: آمين". فاحرصوا ـ إخواني ـ على أن تؤمّنوا مع الإمام لا قبله ولا بعده، لتنالوا مغفرة ما تقدم من ذنوبكم، كما قال: (( فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلاَئِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ) )رواه البخاري.
إخواني في الله، وفي نهاية الخطبة أذكر بأخطاء اليوم مجملة لتحفظوها فأقول: على رأس هذه الأخطاء والتي تبطل الصلاة بها عدم الطمأنينة فيها، فلا يطمئن في ركوعها ولا سجودها ولا جلوسها، بل ينقرها نقرًا، ولا يذكر الله فيها إلا قليلًا، والسنة أن تطمئن فيها لتقبل منك.
ومن الأخطاء الجهر بالنية عند ابتداء الصلاة، أو التلفظ بها سرّا؛ لأن النية محلها القلب، والتلفظ بها بدعة.
ومن الأخطاء عدم تحريك اللسان في التكبير وقراءة القرآن وسائر أذكار الصَّلاة، والسنة تحريك اللسان في كل ذلك.
ومن الأخطاء ترك رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وعند القيام إلى الركعة الثالثة، والسنة رفعهما في هذه المواضع الأربعة اقتداء بالنبي.
ومن الأخطاء إسبال اليدين في الصلاة، أو وضعهما على السرة، أو تحتها، والسُّنَّة وضعهما على الصدر، اليمنى على ظهر الكف اليسرى والرُّسغ والسَّاعد.
ومن الأخطاء الجمع بين القبض والوضع، والسنة القبض أحيانا، والوضع أحيانا أخرى.
ومن الأخطاء قول بعض المأمومين في الصلاة الجهرية حين يقرأ الإمام: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ:"استعنا بالله"أو"استعنا بك يا رب"، وقول بعضهم عندما يوشك الإمام على الانتهاء من قراءة الفاتحة:"رب اغفر لي ولوالدي"، والسُّنَّة الاستماع والإنصات.
ومن الأخطاء عدم رفع الإمام صوته بالتأمين عقب قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية، والسُّنَّة أن يرفع صوته بالتأمين.
ومن الأخطاء عدم تأمين المأمومين أو عدم جهرهم بالتأمين، والسُّنَّة أن يؤمنوا، بل ويجهروا بالتأمين.
ومن الأخطاء مسابقة المأمومين لإمامهم في التأمين، والسنة أن يؤمّنوا معه ليفوزوا بمغفرة ما تقدم من ذنوبهم.
أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يفقهنا في صلاتنا، وأن يعيننا وإياكم على تصحيحها، وأن يتجاوز عما وقعنا فيه من أخطاء، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد...