فهرس الكتاب

الصفحة 2471 من 5777

محطات في حياة الإنسان: 2. الموت

الرقاق والأخلاق والآداب

الموت والحشر

عبد العزيز بن الطاهر بن غيث

طرابلس

بلال بن رباح

1-الموت سنة الله في خلقه. 2- ضرورة الاستعداد للموت. 3- حسرات الغافلين عند الموت. 4- حال المؤمن عند نزع الروح وبعده. 5- حال الكافر عند الموت وبعده. 6- المعاناة في سكرات الموت. 7- صورة لسوء الخاتمة. 8- صورتان لحسن الخاتمة.

وبعد:

يقول الله سبحانه في كتابه العزيز: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ ?لْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ?لْقِيَـ?مَةِ [آل عمران: 185 ] ، ويقول سبحانه: أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ?لْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ [النساء: 78 ] ، ويقول جل اسمه لنبيه وأفضل خلقه: إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ [الزمر: 30 ] .

الموت ـ أيها المسلمون ـ هذه الكلمة العظيمة، هذه اللفظة الرهيبة، هذه السنة الكونية التي قهر الله بها العباد وجعلها حقًا على كل مخلوق، لا فرق في ذلك بين كبير وصغير وغني وفقير وعظيم وحقير وحاكم ومحكوم، كلهم مقهورون بالموت خاضعون لسلطانه.

الموت، هذا الموعد الذي يفصل بين دار العمل ودار الجزاء، ماذا أعددنا له هل نحن مستعدون له أم أننا نظل غارقين في لهونا وعبثنا حتى يفجأنا في يوم من الأيام. إلى كم ذا التراخي والتمادي وحادي الموت بالأرواح حادي.

فلو كنا جمادًا لاتعظنا ولكنا أشد من الجماد

تنادينا المنية كل وقت وما نصغي إلى قول المنادي

وأنفاس النفوس إلى انتقاص ولكن الذنوب إلى ازدياد

إذا ما الزرع قارنه اخضرار فليس دواؤه غير الحصاد

كأنك بالمشيب وقد تبدى وبالأخرى مناديها ينادي

وقالوا قد قضى فاقروا عليه سلامكم إلى يوم التنادي

الموت ـ أيها الناس ـ لابد منه مهما طال البقاء ومهما علا شأن الإنسان، فسنة هذه الحياة التعاقب إلى أن يأذن الله بانتهائها كليًا، فللزرع حصاد، وللشمس غروب، وللبدر أفول، وللإنسان لحظة يفارق فيها هذه الدنيا ويصبح جثة هامدة لا حراك فيها بعد أن كان كائنًا حيًا في كامل قوته يملأ الدنيا ضجيجًا وصخبًا، فالموت قاهرنا والقيامة موعدنا والجبار يفصل بيننا، والصراط ممرنا والجنة أو النار مثوانا. فأين المفر؟... لا مفر.

والمسلم ـ عباد الله ـ ينبغي ألا يشغله قرب الموت أو موعده، فالموت كائن لا محالة ولابد منه، بل ينبغي أن ينشغل بكيفية الموت، لا ينبغي أن يكون السؤال الذي تطرحه على نفسك: متى أموت، بل سائل نفسك كيف أموت ؟ فقد تموت كبيرًا أو صغيرًا، هذا لا يهم، المهم أن تموت طائعًا، أن تموت مسلمًا، أن تموت ورب الكون عنك راض، لأن للموت ما بعده، وليس الموت هو النهاية، وليس القبر هو المثوى الأخير كما يكتب في الصحف في إعلانات الوفاة:"شُيِّع إلى مثواه الأخير".

هيهات هيهات ليت المقبرة هي المثوى الأخير لكنا ارتحنا من عناء كبير، بل القبر بداية المشوار وبداية المخاوف، وبعض الناس يرددون:"اللي مات ارتاح"، وكل هذه أقوال تنم عن جهل وعدم تقدير سليم للأمور، فالراحة في الجنة لا في سواها.

ولو أنا إذا متنا تُركنا لكان الموت راحة كل حي

ولكنا إذا متنا بُعثنا ونُسأل بعدها عن كل شيء

وحال الإنسان مع الموت حال عجيب، فهو لا يدرك أنه ضعيف إلا عند الموت ولا يدرك أنه ظلم نفسه إلا عند الموت، ولا يدرك أنه ضيع الأوقات وفرط في صالح الأعمال إلا عند الموت، حَتَّى? إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ ?لْمَوْتُ قَالَ رَبّ ?رْجِعُونِ لَعَلّى أَعْمَلُ صَـ?لِحًا فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون:99، 100] .

يظل الإنسان سادرًا في غيه لاهثًا وراء الحياة الدنيا مطيعًا لهواه وللشيطان، يخطط المسكين للعام القادم والذي يليه، يضرب أخماسًا في أسداس، ولعل الذي بقي من عمره ساعات، فما أجهل الإنسان إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب: 72 ] ، لهذا وحتى يزول الجهل وحتى يقدر الإنسان العواقب وحتى يكون مستعدًا لتلك اللحظة الحاسمة التي يسدل فيها الستار على فصول حياته ظل القرآن يذكرنا بالمآل ويذكرنا بالنهاية، لكي لا نغتر، ولكي لا ننسى، ولكي لا نظلم ونتجبر، يقول سبحانه: وَ?تَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ?للَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى? كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [البقرة: 281 ] ، ويقول سبحانه: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى? وَجْهُ رَبّكَ ذُو ?لْجَلْـ?لِ وَ?لإكْرَامِ [الرحمن: 27-26 ] ، ويقول سبحانه: إِنَّ إِلَى? رَبّكَ ?لرُّجْعَى? [العلق: 8 ] ، وذكَّرنا كذلك رسول الله بهذا فقال كما في الترمذي والحاكم من حديث ابن عمر: (( أكثروا ذكر هادم اللذات: الموت ) )، والمقصود ليس ذكر الموت باللسان، ولكن ذكره بالقلب أي أن يكون الموت حاضرًا أمامنا ونصب أعيننا، لأنه بذلك لا يطغى الإنسان ولا يتجبر ولا يركن إلى الدنيا ولا يتجرأ على المعاصي، فالموت ينتظره ومصارع الناس من حوله تذكره مصرعه فيتعظ ويتوب.

وحال الإنسان عند الموت ـ عباد الله ـ إحدى حالين: إما أن يكون من أهل الخير والصلاح، فهذا تكون ميتته ميتة طيبة ويبشر بالعفو والغفران، وإما أن يكون من أهل الكفر والضلال والفجور والغفلة، فهذا يبشر بالويل والعذاب، وهذا بينه رسول الله في حديث طويل نكتفي منه بما ذُكر عن الموت يقول: (( إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة ـ والحنوط هو: ما يُطيَّب به الميت ـ حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، فتخرج فتسيل كما تسيل القطرة من في السقاء ـ أي تخرج بسهولة كما تسيل القطرة من فم الإبريق ـ فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها، فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا به إلى سماء الدنيا، فيستفتحون له فيفتح له فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهي إلى السماء السابعة فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوا عبدي إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى ) ).

ثم يقول: (( وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح ـ وهو الثوب الخشن ـ فيجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة! اخرجي إلى سخط من الله وغضب فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول ـ أي تخرج بصعوبة ـ فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟! فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يُسمى بها في الدنيا فيستفتح له فلا يفتح له ثم قرأ: لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْو?بُ ?لسَّمَاءِ فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى فتطرح روحه طرحًا ) )رواه أحمد عن البراء.

هذا حال الإنسان مع الموت ومع الاحتضار، حال عصيب، الأهل يحيطون به ولا يملكون له شيئًا، وهو في شغل عنهم من هول ما يرى من أمور، يعاني من ألم فراق الأهل والأبناء والعشيرة، ويعاني من آلام نزع الروح، هو في غصص وفي سكرات ما بعدها سكرات وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ [قّ: 19 ] .

ولقد عانى أفضل خلق الله من هذه السكرات، فكيف بنا يا عباد الله عن عائشة رضي الله عنها كانت تقول: إن رسول الله (عند موته) كان بين يديه ركوة ـ ماء ـ فجعل يدخل يده في الماء فيمسح بها وجهه ويقول: (( لا إله إلا الله إن للموت سكرات ) )، نعم للموت سكرات وملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب يحيطون بالميت، وليس من أحد أقرب إليه في تلك اللحظات من الله سبحانه يقول تعالى: فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ?لْحُلْقُومَ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَـ?كِن لاَّ تُبْصِرُونَ [الواقعة: 85-83 ] .

حياة هذه نهايتها لماذا نتكالب عليها، نعيم هذا ختامه لماذا نتقاتل عليه، رحم الله أمير المؤمنين هارون الرشيد الذي دانت له الدول والممالك، ولكنه عرف أنها لن تغني عنه شيئًا، فليتعظ منه كل صاحب سلطان وكل صاحب منصب وكل صاحب مال وكل صاحب حسب وكل مسلم خائف من لقاء الله، نام هارون الرشيد على فراش الموت ونظر إلى جاهه وماله ثم قال: مَا أَغْنَى? عَنّى مَالِيَهْ هَلَكَ عَنّى سُلْطَـ?نِيَهْ [الحاقة: 29-28 ] ، ثم قال: أريد أن أرى قبري الذي سأدفن فيه، فحملوه إليه فنظر هارون إلى القبر وبكى ثم نظر إلى السماء وقال (يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه) . فلنتعظ ولنعتبر ولنعد للأمر عدته، أقول قولي هذا وأستغفر الله إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة، لا بد أن نشفق على أنفسنا ولابد أن نعلم أننا أضعف من أن نعصي رب الأرض والسماوات، فلا بد أن نمتثل أوامره حتى يختم لنا بأحسن الخواتيم ونموت أحسن الميتات، فالإنسان معرَّض إذا ما لها ولغا ونافق وعصى، معرّض إلى سوء الخاتمة والعياذ بالله.

واعلموا أن أحدا لا يستطيع أن يضمن لنفسه خاتمة طيبة، لأن الخاتمة الطيبة يتحكم فيها عملك أثناء حياتك، يذكر ابن القيم في كتاب الداء والدواء أن رجلًا قيل له عند موته: قل لا إله إلا الله فجعل يقول: أين الطريق إلى حمام منجاب. قال: وهذا الكلام له قصة، وذلك أن هذا الرجل كان واقفًا بإزاء داره يومًا وكان بابها يشبه باب هذا الحمام، فمرت به جارية لها منظر فقالت: أين الطريق إلى حمام منجاب فقال: هذا حمام منجاب، فدخلت الدار ودخل وراءها.

فلما رأت نفسها في داره، خافت ولكنها لم تصرخ خوف الفضيحة، فتحايلت عليه حتى خرج من البيت لجلب شيء ففرَّت، ولما رجع ولم يجدها حزن عليها وتحسر على ضياعها منه وأصبح هائمًا بها متحسرًا على ضياعها بقية عمره، يردد بين الحين والآخر:

يا رب سائلة يومًا وقد تعبت أين الطريق إلى حمام منجاب

وعندما أصبح على فراش الموت ودخل في الاحتضار قالوا له: قل: لا إله إلا الله فقال: أين الطريق إلى حمام منجاب.

لقد نطق اللسان بالذي في القلب، هذه صورة من صور سوء الخاتمة، حدثت لأن صاحبها كان أيام حياته وعافيته بعيدًا عن الله قريبًا من المعاصي، فحصد هذه النتيجة، كما أن الصالح من الناس المتمسك بكتاب الله وسنة نبيه يختم له بأحسن الخواتيم، يروى أن بلالًا لما احتضر جعلت امرأته تقول: واحزناه فقال: بل واطرباه، غدًا ألقى الأحبة، محمدًا وحزبه.

ويروى أن عبد الله بن المبارك فتح عينيه عند الوفاة وضحك وقال: لمثل هذا فليعمل العاملون.

نسأل الله تعالى أن يحسن ختامنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت