فهرس الكتاب

الصفحة 5318 من 5777

حفظ بلاد الحرمين واجب الجميع

موضوعات عامة

جرائم وحوادث

عبد الله بن سعد قهبي

جدة

جامع أم القرى

1-أمن بلاد الحرمين. 2- إلقاء القبض على خلية إرهابية. 3- براءة الإسلام من أفعال الفئة الضالة. 4- إفلاس مخططات أصحاب التكفير والتفجير. 5- وجوب طاعة ولاة الأمر ووعيد الخروج عليهم. 6- التضامن مع الولاة ورجال الأمن في محاربة الفكر التكفيري.

عباد الله، لقد حفظ الله تعالى هذه البلاد بلاد الحرمين الشريفين من كل كيد ومكر وفساد على مر التاريخ، كل ذلك ببركة دعاء إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام حين دعا ربه في علاه بحفظ هذه البلاد وحفظ أهلها بشرط أن يؤمنوا بالله حقّا ويطبّقوا شرعَ الله في أرض الله، قال تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هََذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ، فاستجاب الله لدعاء نبيه إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، وسطر قبول دعوته في كتابه الكريم إلى يوم الدين، فقال سبحانه: أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ [القصص: 57] ، فأصبحت بلاد الحرمين آمنة مطمئنة، فاقت في أمنها بلاد العالم أجمع رغم أنهم يملكون ما لا نملك من الإمكانيات، إلا أننا نملك شيئا عظيما فقدوه، ألا وهو الإيمان بالله تعالى الذي شرَطه علينا إبراهيم الخليل في دعوته، فاختلّ الأمن عندهم، إنه الشرط الإبراهيمي: مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ، فبقاء الأمن مرتبط بالإيمان بالله واليوم الآخر وبالعمل الصالح وتطبيق شرع الله، وذهاب الأمن مرتبط بذهاب الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح وتطبيق شرع الله.

هذه البلاد ـ ولله الحمد ـ وحتى هذه الساعة جاهدة في تطبيق شرع الله، وهذا سرّ أمنها وقوتها، فأغدق الله علينا الخير من كلّ مكان، وجمعه لنا في أمن وأمان جرّاء تمسّكنا بديننا والثبات عليه، قال تعالى: يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا ، ولو لم يكن الأمن بيننا قائما لما جلبت لنا تلك الثمرات من كلّ مكان.

وفي آية أخرى يبين المولى جل وعلا أن من تمسّك بدينه سيمكّن له في الأرض ويبسط عليه الأمن ولا يمسّه السوء أبدا، فقال سبحانه وتعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ.

عباد الله، في أيامنا التي مرت تمكن رجال أمن هذه البلاد المباركة من إحباط شبكة إفسادية كبيرة، يحتار القلم وتعجز الكلمات من تسطير ما جرى وما كان سيجري من هذه الشرذمة المفسدة في الأرض، وإننا لنشكر الله تعالى على أن وفق رجال الأمن للقضاء على هذه الفئة المفسدة في المجتمع، الذين أعدوا العدة وجهزوا الأسلحة وهيئوا أنفسهم زيادة في الضلال والإضلال ونكاية في المسلمين.

عباد الله، إن فعل هؤلاء من أعظم المحرمات في دين الله، وإن ما قاموا به ليس من الإسلام في شيء، بل إن الإسلام بريء من فعلهم؛ لأن الإسلام يحرم قتل المسلم ويحرم قتل الكافر المستأمن والكافر المعاهد والكافر الذمي، وليس فعلهم هذا من الجهاد في سبيل الله، بل ما قاموا به إرهاب وإجرام وبغي وترويع لعباد الله المؤمنين. وبفضل الله تعالى أبطل الله كيدهم وخيّب الله أعمالهم وكشف الله أمرهم.

أيها المسلمون، جاءت عملية الكشف عن الشبكة المفسدة الكبيرة وما كانت تحوزه من أسلحة فتاكة وأموال طائلة لتؤكّد أن الأمور آلت بأهل الانحراف إلى مرحلة الإفلاس واليأس من إمكانية تحقّق مشروعهم، فتصرفاتهم الطائشة وحماقاتهم التي يرتكبونها بين الفينة والأخرى تؤشر على مدى الإحباط الذي وصلوا إليه وعلى فشل مشروع الفتنة والتدمير الذي يحملونه، والذي يستهدف أمن هذه البلاد واستقرارها وشعبها وقيادتها ومقدراتها ومصالحها، فهذه الفئة القليلة والشرذمة المنبوذة لم تر فرصة لحلّ مشاكل الأمة إلا بالسعي لزعزعة الأمن في المملكة وقتل رجاله وتفجير الممتلكات والمباني والمنشآت الإستراتيجية. وأنى لهم ذلك؟! فالتفاف الشعب حول قيادته كبير، والدولة تسجل النجاحات الأمنية الواحدة تلو الأخرى في وقت تعثرت فيه أقوى الأجهزة الأمنية في العالم عن حماية بلادها من التخريب والإفساد، فأيّ ثمرة جنى هؤلاء سوى وزر الدماء التي أزهقوها بغير ذنب، فضلًا عن توفير المبررات الجاهزة لدعاة الفتنة من المنافقين من أهل العلمنة والتغريب في الداخل والخارج، إنهم بحق حالهم كحال من قال الله فيه: وإذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ [البقرة: 11، 12] .

هل يريد هؤلاء أن تصير بلادنا ميادين للقتال حتى تسوّغ للكفار أن يتسلطوا عليها بحجة حماية المصالح أو غير ذلك من الحجج؟! ألم يقرأ هؤلاء التاريخ فينظروا ماذا جرى من فساد بسبب من خرج على ولاة أمورهم وشقوا عصا الطاعة؟! ماذا حصل عليهم من النكبات؟! ماذا حصل عليهم من سفك الدماء؟! ماذا حصل عليهم من اختلال الأمن؟! ماذا حصل في بلادهم من النهب والسلب؟! بل ماذا حصل عليهم من تدخل الكفار في بلادهم وتسلطهم عليهم؟! ولو أن هؤلاء استقاموا مع ولاة أمورهم ونصحوا لهم وكانوا يدًا واحدة لهابهم العدو ولا انتظمت أمورهم، وهل تجاهل هؤلاء أن حمل السلاح على أهل الإسلام من كبائر الذنوب؟! يقول النبي: (( من حمل علينا السلاح فليس منا ) )أخرجه الشيخان، والخروج على المسلمين وقتالهم وسفك دمائهم داخل في قول النبي: (( ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشى من مؤمنها ولا يفي لذي عهد عهده فليس مني ولست منه ) )أخرجه مسلم. أوما يعلم هؤلاء أن إحداث فوضى في البلاد وتدمير الممتلكات نوع من الإفساد في الأرض الذي قال الله تعالى فيه: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [المائدة: 33] ؟!

فليعلم هؤلاء وأمثالهم من أهل الإفساد بأن أمرهم مكشوف، وأن الله جل وعلا عليم بهم كما قال سبحانه: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ [آل عمران: 63] ، بل إن الله جل وتعالى قرر في كتابه بأن عمل المفسدين وتخطيطاتهم وتدبيراتهم سيبطله، وأنه لا يمكن أن يوفقهم إلى عمل، فقال جل شأنه في معرض أخبار موسى مع فرعون: فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ [يونس: 81] . والمكر والخيانة والبغي لا تعود إلا على صاحبها، قال تعالى: وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ [فاطر: 43] ، وقال سبحانه: إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُمْ.

عباد الله، إن من الأصول المقررة عند أهل السنة والجماعة وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر في طاعة الله سبحانه وتعالى، فالدين لا يستقيم والحدود لا تقام والأمور لا تنضبط إلا بسلطان يتولاها ويحرسها، فلا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم، بالسلطان تنكفّ الأيدي المتسلطة، ومن خوفه تنقمع النفوس المعاندة، وبإقامة الحدود والتعزيرات تهدأ الشهوات الثائرة والغرائز الشريرة، قال عرفجة رضي الله عنه: سمعت رسول الله يقول: (( من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه ) )رواه مسلم.

قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: 59] ، والأحاديث الدالة على ذلك كثيرة، منها ما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي أنه قال: (( إنما الإمام جُنة؛ يقاتل من ورائه، ويتقى به، فإن أمر بتقوى الله عز وجل وعدل كان له بذلك أجر، وإن يأمر بغيره كان عليه منه ) ).

وعلى هذا جرى إجماع الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم من سائر المسلمين، ويقول عبادة بن الصامت رضي الله عنه: دعانا النبي فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان. أخرجه الشيخان. وفي حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه أن النبي وعظهم موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقالوا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: (( أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة ) )أخرجه الترمذي وقال:"حديث حسن صحيح"، وفي حديث أنس رضي الله عنه عن النبي أنه قال: (( اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل حبشي كأن رأسه زبيبة ) )أخرجه البخاري ومسلم.

يقول ابن رجب رحمه الله:"وأما السمع والطاعة لولاة أمر المسلمين ففيها سعادة الدنيا، وبها تنتظم مصالح العباد في معايشهم، وبها يستعينون على إظهار دينهم وطاعة ربهم، كما قال علي رضي الله عنه: إن الناس لا يصلحهم إلا إمام بر أو فاجر، وقال الحسن في الأمراء: هم يلون من أمورنا خمسًا: الجمعة والجماعة والعيد والثغور والحدود، والله ما يستقيم الدين إلا بهم وإن جاروا وظلموا، والله ما يصلح الله بهم أكثر مما يفسدون".

أيها المسلمون، إن من الكبائر العظيمة والآثار الجسيمة نقض البيعة ومبايعة آخر مع وجود الإمام وانعقاد البيعة له، وهذا خروج عن جماعة المسلمين، وهو محرم ومن كبائر الذنوب، يقول أبو هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله: (( من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية ) )أخرجه مسلم، وفي حديث ابن عباس رضي الله عنه عن النبي أنه قال: (( من كره من أميره شيئًا فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبرًا مات ميتة جاهلية ) )أخرجه البخاري ومسلم، وفي حديث عامر بن ربيعة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( من مات وليست عليه طاعة مات ميتة جاهلية، فإن خلعها من بعد عقدها في عنقه لقي الله تبارك وتعالى وليست له حجة ) )أخرجه الإمام أحمد، ولمسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله يقول: (( من خلع يدًا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية ) )، ويقول النبي: (( من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه كائنًا من كان ) )أخرجه مسلم، وأحاديث النبي في هذا المعنى كثيرة.

فاللهم قنا شرور أنفسنا وشرور عبادك، وأدم على بلادنا أمنها وزدها صلاحا وإصلاحا، إنك على كل شيء قدير.

عباد الله، من هذا المنبر أوجه رسالة، رسالة إلى رجال الأمن البواسل، أقول: إنكم تحرسون في سبيل الله، إنكم إن شاء الله تعالى تجاهدون في سبيل لحفظ أمننا وأمن أطفالنا وأموالنا، فجزاكم الله عنا خيرا، وبارك الله في أعمالكم, وشد من أزركم. وإن هذه الأعمال لن تزيدنا إلا إصرارا للوقوف معكم، ولن تزيدنا إلا إصرارا على السمع والطاعة لولاة أمورنا والصدق معهم والدعاء لهم، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة، وهذا دين الإسلام واضح لا مواربة فيه، لا نرجو من ذلك جزاء ولا شكورا، ولكن نعمل بما أملاه علينا ديننا وبما يحفظ علينا وعلى إخواننا أمنهم واستقرارهم، نسمع ونطيع لولاة أمور المسلمين، ونعظم حرمات المسلمين، ونحافظ على دماء المسلمين وأعراضهم، ونتعاون مع رجال الأمن وموظفي الدولة، فإنهم نواب السلطان، والنبي يقول: (( من يطع الأمير فقد أطاعني، ومن أطاعني فقد أطاع الله، ومن يعص الأمير فقد عصاني ) ). فنحن نطيع الله ورسوله، ونطيع ولاة أمور المسلمين، ونتعاون معهم على البر والتقوى.

اللهم إنا نسألك في مقامنا هذا أن تقضي على الفساد والمفسدين، اللهم اقض على الفساد والمفسدين، اللهم اجعل كيدهم في نحورهم وتدبيرهم تدميرا عليهم يا رب العالمين، اللهم إنا نسألك أن تقي بلادنا شر الفتن ما ظهر منها وما بطن، كما نسألك ربنا أن تمد الساهرين على أمننا وراحتنا بعونك وتوفيقك، ونسألك يا الله أن تكف البأس عن هذه البلاد وسائر بلاد المسلمين، وأن توفق قادة هذه البلاد المخلصين لما فيه صالح البلاد والعباد وقمع الفساد والمفسدين برحمتك يا أرحم الراحمين...

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت