التوحيد
أهمية التوحيد
عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري
المدينة المنورة
قباء
"الغاية من الرسالة - حرص الرسول على جناب التوحيد - وسائله في حماية التوحيد: 1- النهي عن إطرائه 2- إظهار العبودية لله 3- اجتناب المدح - المدح الشرعي للرسول"
أما بعد:
فقد قال الله تبارك وتعالى: فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون [البقرة:22] الأنداد جمع ند والند هو المثل والنظير.
ومعنى أن تجعل لله أندادًا أن تصرف العبادة أو شيئًا منها لغيره.
قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية: أي لا تشركوا بالله شيئًا من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر وأنتم تعلمون أن ربكم لا يرزقكم غيره، وأن الذي يدعوكم إليه رسوله من توحيده هو الحق الذي لا شك فيه وزاد بن عباس رضي الله عنهما هذه الآية تفسيرًا وتفصيلًا فقال: الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النملة على الصفاء السوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول والله وحياتك يا فلانة وحياتي.
أو تقول: لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص أو لولا البط في الدار لأتانا اللصوص.
أو هو كقول الرجل لصاحبه ما شاء الله وشاء فلان. ولولا الله وفلان لا تجعل فيها فلانًا هذا كله به شرك. انتهى كلامه رضي الله عنه.
كما رواه بن أبي حاتم ودل هذا الكلام من ابن عباس رضي الله عنهما أنه يجب على المؤمن الموحد أن يحتاط ويحترز في عباراته وكلامه الذي يتكلم به خشية من الوقوع في الشرك وهو لا يدري.
دل كلام ابن عباس رضي الله عنهما على أن كل مؤمن موحد أن يحترز ويحتاط في كلامه خشية من الوقوع في الشرك، الشرك ليس هو فقط ما يفعله عباد الأصنام والأوثان من صرف العبادة إلى أوثانهم وأصنامهم ذلك هو الشرك الأكبر ذلك أن الشرك أنواع ومراتب ودرجات أكثر من هذه المراتب وهذا النوع وهذه الدرجة تخفى على الناس بل هو أخفى من دبيب النملة على الصخرة الصماء في ظلمات الليل كما عبر ابن عباس رضي الله عنهما وإنما أراد بهذا التعبير تصوير شدة خفاء الشرك على الناس فإن الشرك أخفى من دبيب النملة على الصخرة السوداء في ظلمة الليل.
والتوحيد جوهره أن تؤمن بأن الربوبية والألوهية لله وحده فتوحده سبحانه بجميع أنواع العبادة ومن أعظم أنواع العبادة تعظيم الرب جل وعلا.
ومن أهم أساليب التعظيم القسم والحلف ولذلك لا يجوز لك أن تحلف إلا بالله لا يحل لك أن تقسم إلا بالله فإذا أقسمت بغيره كائنًا من كان فقد وقعت في الشرك. ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنهما: من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك، وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:لأن أحلف بالله كاذبًا أحبُّ إلىّ من أن أحلف بغيره صادقًا.
ومعنى كلامه هذا أن الحلف بالله كذبًا كبيرة من الكبائر يأثم مرتكبها إثمًا عظيمًا، أما الحلف بغيره ولو كان صادقًا فإنه شرك والشرك أعظم ذنبًا من الكبيرة ولو كان شركًا أصغر فإن الحلف والأقسام بغير الله شرك أصغر أو كفرٌ أصغر لا يخرج المؤمن بارتكابه من ملة التوحيد.
لا يخرج بالحلف بغير الله من ملة التوحيد فقول عمر فقد كفر أو أشرك أي شركًا أصغر أو كفرًا أصغر لكن المؤمن بارتكابه ذلك الشرك يكون قد اقترف ذنبًا عظيمًا هو أعظم عند الله من الكبائر وهكذا في مجال المشيئة والقدرة، المؤمن الموحد يعلم أن المشيئة والقدرة كلها بيد الله وحده وأما المخلوق فهو وإن كانت له مشيئة خاصة لائقة به وقدرة خاصة لائقة به إلا أن مشيئة المخلوق وقدرته هي تحت مشيئة وقدرة الخالق سبحانه وتعالى، لا يستطيع المخلوق أن يستقل بمشيئته وقدرته ولذلك فعلى المؤمن الموحد أن يحترز في التعبير في هذا المقام فيستخدم لفظة ثم يقول ما شاء الله ثم شاء فلان، أو لولا الله ثم فلان. فيكون بذلك قد رتب الأمر ترتيبًا صحيحًا سليمًا مستقيمًا فمشيئة الله أولًا وقدرة الله أولًا ثم تأتي مشيئة المخلوق وقدرة المخلوق تحت ظلال مشيئة الله وقدرته سبحانه وتعالى.
أما لو استخدمت الواو فقلت ما شاء الله وفلان أو لولا الله وفلان فإنك بذلك تكون قد سوّيت بين الخالق والمخلوق لأن حرف الواو بخلاف ثم، ثم تفيد الترتيب والأولوية وأما الواو فلا تفيد ترتيبًا تفيد مطلق الجمع فتكون بذلك قد سويت بين الخالق والمخلوق.
سوّيت بين مشيئة الخالق والمخلوق، سوّيت بين قدرة الخالق وقدرة المخلوق هذا في ظاهر العبارة وإن كنت لا تقصد ذلك ومع ذلك تقع في الشرك وإن كنت لا تقصده.
ولذلك فإن النبي لما قال له الرجل:"ما شاء الله وشئت"قال: (( أجعلتني لله ندًا ) )تسوي بين مشيئتي وبين مشيئة الرب تبارك وتعالى، تجعلني مثيله ونظيره، مثله في المشيئة والقدرة. قل: (( ما شاء الله وحده أو كما قال ) ) [1] .
وقال في مقام آخر: (( لا تقولوا ما شاء الله وفلان، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان ) ) [2] .
وهكذا فإن كثيرًا من الناس يقع في ألفاظ لا يتنبهون لها، يقعون في عبارات لا يتنبهون لها وهي فيهم شرك.
فقد يقول القائل لولا جهود رجال الأمن لكثرت الجرائم وانقطعت السبل أو يقول القائل لولا فلان لفسدت الأحوال ولأصابنا العنت والحرج أو نجوز لك من العبارات التي توهم في ظاهرها أن المخلوق يستقل في الفعل والتأثير، أو توهم في ظاهرها إسناد الفعل للمخلوق بينما حقه إسناده وإضافته إلى الخالق تبارك وتعالى.
فعلى المؤمن الموحد أن يحترز في كلامه يحتاط في عباراته فيقول: لولا الله عز وجل ثم رجال الأمن، أو يقول لولا أن الله وفق رجال الأمن أو لولا أن الله سخر فلانًا لفسدت الأحوال وأصابنا الحرج والعنت فيسلم بذلك من غائلة الوقوع في الشرك الذي هو أخفى من دبيب النملة في الصخرة السوداء في الليلة الظلماء. كما عبر بذلك عبد الله بن عباس حبر هذه الأمة رضي الله عنهما.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا [الأحزاب:70-71] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر اله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
[1] مسند أحمد (1/214، 283، 347) .
[2] مسند أحمد (5/384، 394، 398) ، سنن أبي داود (4980) .
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد: عن أسماء رضي الله عنها أن امرأةً سألت النبي فقال: إن ابنتي أصابتها الحصبة فتمزق شعرها وإني زوجتها أفأصل فيه. فقال: (( لعن الله الواصلة والمستوصلة ) )رواه البخاري [1] ومسلم [2] .
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله: (( لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة ) )متفق عليه [3] .
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقال: (( لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله ) ).
فقال امرأة له في ذلك: أي سألته عن سبب لعنه هؤلاء فقال رضي الله عنه: ومالي لا ألعن من لعنه رسول الله [4] .
أما الواصلة: فهي التي تصل شعرها بشعر غيرها والمستوصلة التي تطلب ذلك ويُفعل لها.
ومن ذلك ما يسمونه اليوم بالباروكة وأما الواشمة فهي التي تغرز الإبرة في يدها أو في وجهها وتحشو مكانها بالكحل أو المواد أو نحوه، والمستوشمة هي التي تطلب ذلك فيُفعل لها أو يُعمل فيها، والنامصة التي تنتف الشعر من حاجبيها لترققهما، والمتنمصة من تطلب ذلك ويُعمل فيها، والمتفلجات للحسن اللواتي يفرقن ما بين أسنانهن بالبرد يبتغين في ذلك الزينة.
كل هؤلاء، كل من فعلت شيئًا من هذه الأمور وهي من أمور الزينة وأنواعها فهي ملعونة على لسان رسول الله.
ومن الحكمة في تحريم هذه الأنواع من أنواع الزينة ما فيها من التزوير والتفليس وما فيها من التشويه والتغيير للخلقة الطبيعة التي خلقها الرب عز وجل.
فالمرأة المسلمة وإن كان مطلوب منها شرعًا أن تتزين لزوجها فإن عليها أن تتزين بالأنواع المباحة المشروعة من الزينة وأن تحذر من هذه الأمور التي لعن رسول الله من تفعلها.
أن تحذر من هذه الأمور التي لعن رسول الله النساء التي يفعلنها فالمرأة المسلمة نعم عليها أن تتزين لزوجها لا لغيره كما تفعله بعض النساء إذا خرجن من البيوت خرجن في أكمل زينة وإذا كن في البيوت عند أزواجهن كن في أسوأ حال.
على المرأة المسلمة أن تتزين لزوجها وأن تتجنب الزينة عند خروجها لكن عليها أن تجتنب هذه الأمور التي ذكرها رسول الله.
والدليل على أن من حكمة تحريم هذه الأمور هو ما فيها من التزوير والتدليس ما رواه البخاري ومسلم عن سعيد بن المسيب رحمه الله قال: (قدم معاوية رضي الله عنه المدينة فخطبنا وفي يده كبة من شعر فقال: ما كنت أظن أن أحدًا يفعل هذا إلا اليهود وقد بلغ رسول الله فسماه الزور) [5] .
وفي رواية لهما أنه قال رضي الله عنه:"إن هذا إنما أحدثتم من سيئ الزينة من سيئ الزي وقد نهى عن الزور - أي عن الكذب والتدليس -" [6] والنمص كما ذكرنا وبينا هو نتف الشعر من الحاجبين لترقيقهما ولا يدخل فيه نتف المرأة للشعر الذي ينبت في وجهها أو في جسدها في المواضع غير المعتادة كأن ينبت شعر في خديها أو في شاربها أو ذقنها أو في ساعديها أو في ساقيها فلها أن تنتفه ولا حرج عليها.
والتحريم في الحديث هو مقصور على الأنواع المذكورة فيه لا يُقاس عليه غيره، فليس لقائل يقول لا يحل للمرأة أن ترسم جفنيها بالقلم أو تظلل فوق عينيها بالألوان أو تحمر خديها قياسًا على ما ذُكر في الحديث بل المحرم هو المذكور في الحديث فحسب لا تزيد عليه أمرًا آخر إلا بدليل آخر لأن الأصل في الأشياء الإباحة.
والمقصود أن النبي المصطفى يوجه النساء المؤمنات المسلمات إلى التزين لأزواجهن ولكن قدر إمكانهم بما أباح الله ورسوله لهن وعليهن أن يجتنبن الزور والتزوير والتدليس والتغيير لخلق الله فيجتنبن النمص ويجتنبن الوصل والوشم والتفلج للحسن.
أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار.
يا بن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه وكن كما شئت فكما تدين تُدان.
وصلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال جل من قائل: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا [الأحزاب: 56] .
وقال: (( من صلى علىّ واحدة صلى الله عليه بها عشرًاْ ) ) [7] .
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبي السبطين علىَّ وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين، وعن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.
[1] صحيح البخاري (5941) .
[2] صحيح مسلم (2122) .
[3] صحيح البخاري (5942) ، صحيح مسلم (2124) .
[4] صحيح البخاري (5943) ، صحيح مسلم (2125) .
[5] صحيح البخاري (5938) ، صحيح مسلم (2127) .
[6] هذا اللفظ ليس في البخاري ، وإنما عند مسلم فقط (2127) .
[7] مسلم (408) .