الرقاق والأخلاق والآداب
أمراض القلوب, الكبائر والمعاصي
صالح الونيان
بريدة
جامع الإمام محمد بن عبد الوهاب
1 -التحذير من الكبر
2 -من مظاهر الكبر الإسبال
3 -عقوبة المتكبر في الآخرة
4 -مرض العجب
5 -علامات مرض العجب
أما بعد:
أيها المسلمون!
اتقوا الله حق تقواه، واجتنبوا ما نهاكم عنه؛ لتفلحوا وتفوزوا في الدنيا والآخرة؛ فالعز كل العز في طاعة الله، والشقاء كل الشقاء في معصية الله:
قال تعالى: ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى [طه:124] .
عباد الله!
إن مما حذر الله منه:"الكِبْر"ذلك المرض الفتاك والداء العضال الذي يفتك بالدين، حتى يورد صاحبه المهالك؛ كما أورد إبليس لما تكبر:
قال تعال وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبي واستكبر وكان من الكافرين [البقرة:34] .
وقد عرف النبي الكبر بقوله: إنه بطر الحق وغمط الناس، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي ؛ قال: (( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ) )قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنًا. قال: (( إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس ) ) (2) .
وبطر الحق: دفعه ورده على قائله، وغمط الناس: احتقارهم.
فقد أخبر النبي أن التجمل في الهيئة وللناس أمر محبوب عند الله، وليس من الكبر في شيء، وإنما الكبر صفة باطنة في القلب، تظهر آثارها في تصرفات الشخص، فتحمله على عدم قبول الحق، واحتقار الناس.
فإبليس لما تكبر على آدم؛ حمله ذلك على أن امتنع عن امتثال أمر ربه له بالسجود، وهو الذي حمل الكفار على مخالفة الرسل لما جاءوهم بالآيات البينات.
والكبر هو الذي يمنع بعض الناس من الامتثال إذا أمروا بالمعروف، وهو الذي يحمل بعض الناس على مضايقة الآمرين بالمعروف وازدرائهم، وهو الذي يحمل بعض الناس الذين أعطوا شيئًا من الثروة أو المسؤولية على ترك الصلاة في المساجد، فترى المسجد إلى جانب بيت أحدهم، أو قريبًا منه، ويسمع الأذان كل وقت؛ فلا يدعه الكبر يذهب إلى المسجد ويقف بين يدى ربه مع المصلين؛ لأنه يرى نفسه أكبر من ذلك.
والكبر هو الذي يحمل بعض الناس على مخالفة أمر الرسول وترك العمل بسنته.
فالكبر هو الحامل للمسبل على الإسبال؛ لأنه ملازم له؛ فعن جابر بن سليم؛ أن النبي قال له: (( إياك وإسبال الإزار؛ فإنه من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة ) ) (1) .
وعن أبي ذر رضي الله عنه، عن النبي ؛ قال: (( ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم قلت: من هم يا رسول الله خابوا وخسروا؟ فأعادها ثلاثًا؛ قلت: من هم يا رسول الله خابوا وخسروا؟ فقال: المسبل والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب ) ) (2) .
حقا؛ لقد خاب وخسر من أسبل ثوبه أسفل من كعبيه، ولو لم يكن إلا هذا الوعيد؛ لكان زاجرًا لمن له قلب.
والكبر هو الذي يحمل بعض الناس على التبختر في مشيته؛ قد أسبل ثيابه، وأعجبته نفسه؛ فهو يمشي متكبرًا.
وقد ورد في هذا وعيد شديد للمتكبر وللمسبل:
فعن أبي هريرة رضي الله عنه؛ أن رسول الله قال: (( بينما رجل يمشي في حلة، تعجبه نفسه مرجل رأسه يختال في مشيته إذ خسف الله به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة ) ) (2) .
قوله: (يتجلجل) أي: يغوص وينزل.
والكبر هو الذى يحمل بعض الناس على ازدراء سنة الرسول والاستهزاء بها:
فعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه؛ أن رجلا أكل عند رسول الله بشماله، فقال: (( كل بيمينك، فقال: لا أستطيع. فقال: لا استطعت. ما منعه إلا الكبر، فما رفعها إلى فيه ) ) (3) .
عباد الله!
إن الكبر غالبًا ما ينشأ من الترف؛ فإذا أترف الإنسان؛ انتكس تفكيره وسمى الباطل حقًا والحق باطلًا، ومن ثم يحتقر من لم يكن مثله في عيشه وماله ودنياه؛ إلا من رحم الله.
وقد ينشأ الكبر من منصب يتولاه الإنسان، فيرى نفسه أعلى من الناس طبقة، فيكشر في وجوه فقراء الناس، وربما رأى أن الواجب ألا يتصلوا إليه مباشرة، بل لابد من الوساطة بينه وبينهم ويحمله الكبر على أن يحب في نفسه أن يقوم الناس له تعظيمًا:
فعن أبي مجلز، قال: خرج معاوية، فقام عبد الله بن الزبير وابن صفوان حين رأوه فقال: اجلسا! سمعت رسول الله يقول: (( من سره أن يتمثل له الرجال قيامًا؛ فليتبوأ مقعده من النار ) ) (1) .
عباد الله!
وشر الكبر من تكبر على العباد بعلمه وتعاظم في نفسه بفضيلته؛ فإن هذا لم ينفعه علمه؛ فإن من طلب العلم للآخرة كسره علمه، وخشع قلبه، واستكانت نفسه، وكان على نفسه بالمرصاد، فلم يفتر عنها. ومن طلب العلم للفخر والرياسة، ونظر إلى المسلمين شزرًا وازدراهم؛ فهذا من أكبر الكبر، ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله.
قال بعض الحكماء: المتكبر كالصاعد فوق الجبل، يرى الناس صغارًا، ويرونه صغيرًا.
عباد الله!
إن عقوبة المتكبر عظيمة جدًا:
قال تعالى: إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط [الأعراف:40] .
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، عن النبي ؛ قال: (( يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال ،يغشاهم الذل من كل مكان، فيساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يسقون من عصارة أهل النار؛ طينة الخبال ) ) (2)
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي ؛ قال: (( احتجت الجنة والنار، فقالت النار: فيّ الجبارون والمتكبرون. وقالت الجنة: فيّّ ضعفاء الناس ومساكينهم. فقضى الله بينهما: إنك الجنة رحمتي، أرحم بك من أشاء. وإنك النار عذابي، أعذب بك من أشاء. ولكليكما علي ملؤها ) ) (3) .
عباد الله!
إن على الإنسان أن يدفع الكبر عن نفسه؛ بأن يعرف أصله ونشأته وفقره وحاجته، ويعرف نعم الله عليه، ويتذكر مقامه بين يديه، وعاقبة المتكبرين يوم القيامة، ويتصور أنه ليس له جلد على ذلك العذاب الأليم، الذي يعذب به المتكبرون.
فاتقوا الله عباد الله! وقوموا بأوامر الله، وتجنبوا نواهيه، وتواضعوا لله؛ لتنالوا الرفعة.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله ؛ قال: (( وما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا، وما تواضع أحد لله؛ إلا رفعه الله ) ).
وعن النبي ؛ قال: (( إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد ) ) (1) .
اللهم! اجعلنا من الذين تواضعوا لك فزدتهم رفعة بذلك.
أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب؛ فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
(2) رواه مسلم.
(1) رواه ابو داود في (اللباس) والترمذى في ( اللباس) والنسائى في (الزينة) وابن ماجة والدارمي في (الرقاق) واحمد (380) .
(2) رواه مسلم
(3) متفق عليه.
(1) رواه مسلم
(2) رواه الترمذى وقال"حديث حسن" (الادب،5/91) .
(3) رواه الترمذى وقال"حسن صحيح"
(1) رواه مسلم
إن الحمد لله؛ نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله؛ فلا مضل له، ومن يضلل؛ فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما.ً
أما بعد:
أيها المسلمون!
هناك مرض آخر، وآفة قاتلة، وهو شقيق لمرض الكبر؛ إلا أنه أقوى منه مفعولًا، ذلك المرض هو مرض العجب، وهو مصدر كل شر وأساس كل بلية.
والعجب هو الفرح بالنعمة، ونسيان أنها من الله، واعتقاد أنها من العبد نفسه، فإن اعتقد مع ذلك أن له حقًا عند الله، وأن له مكانة يستحق بها هذه النعم؛ كان ذلك إدلالًا، وهو غاية العجب ومنتهاه.
ولقد بين الله سبحانه وتعالى أن العجب يضر بصاحبه:
فيوم أن قال بعض المسلمين يوم حنين: لن نغلب اليوم من قلة؛ وبخهم الله تعالى بقوله: ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئًا [التوبة:25] .
ورد عجب الكفار بحصونهم، فقال: وظنوا أنهم ما نعتهم حصونهم من الله [الحشر:2] .
وحينما أعجب قارون بماله، وقال: إنما أوتيته على علم عندي [القصص78] . خسف الله به وبداره الأرض.
والعجب آفة تشمل جميع أعمال الإنسان وهيئته:
فيكون بالهيئة والجمال الذي يعجب به الإنسان ويختال؛ كما تقدم في حديث الرجل الذي يختال في مشيته فخسف الله به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة.
ويكون العجب بالعقل والذكاء، وبالنسب والعنصر والجنس وبالمنصب الدنيوي الرفيع، وبكثرة المال والأهل والعشيرة.
ويكون بالعلم؛ فعن مسروق قال:"كفى بالمرء جهلًا أن يعجب بعلمه" (3) ويكون العجب بالعبادة، فيعجب الإنسان بعبادته، فيجره ذلك إلى ما يحبط عمله؛ فعن جندب؛ أن رسول الله حدث: (( أن رجلا قال: والله؛ لا يغفر الله لفلان! وأن الله تعالى قال: من ذا الذي يتألى علي ألا أغفر لفلان؛ فإني قد غفرت له وأحبطت عملك ) ) (4) .
والعجب حجاب كثيف بين العبد وبين ربه، وستار بين الإنسان وبين عقله، وباب واسع بين الإنسان وهواه.
وللمعجب علامات يعرف بها؛ فهو ينسى ذنوبه، ويضرب صفحًا عن إصلاح نفسه؛ لأنه يعتقد في نفسه التمام والكمال، وإذا قيل له: اتق الله؛ أخذته العزة بالإثم، ويأنف ويسخر من رأي غيره، وإن كان حقا؛ لأنه يرى أنه المرجع الأول والأخير للناس في كل شيء.
ولا يرد المعجب عن عجبه إلا معرفته بنفسه، وأن هذه النعم واصلة إليه من الله تفضلًا وإحسانا، ولو شاء الله؛ لسلبها منه في لحظة، بل إن الله قادر على سلب الحياة منه في أي وقت، وإن الله ينصر الفئة القليلة على الفئة الكثيرة بأمره لا بقوتها ولا بسلاحها، وإذا عرف المعجب بنفسه الشيطان، والله تعالى حذرنا من الشيطان، وبين عداوته لنا؛ فمن الحماقة أن يتخذه الإنسان صديقًا له.
قال تعالى: فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوًا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير [فاطر:60] .
عباد الله!
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون [النحل:90] .
فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
(3) رواه الدرامى.
(4) رواه مسلم