فهرس الكتاب

الصفحة 2563 من 5777

الطلاق(2)

الأسرة والمجتمع, فقه

الطلاق, قضايا الأسرة

عبد المجيد بن عبد العزيز الدهيشي

المجمعة

الجامع القديم

1-الوفاء خلق كريم. 2- الوفاء بشروط عقد النكاح. 3- الصفة الشرعية للطلاق. 4- طلاق الثلاث بلفظ واحد. 5- حق المطلقة الرجعية.

أما بعد: فاتقوا الله ربكم، واجعلوا تقوى الله مطيتكم، فما خاب من اتقى الله لا في الدنيا ولا في الآخرة، وَمَن يَتَّقِ ?للَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ [الطلاق:2، 3] ، يِـ?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ إَن تَتَّقُواْ ?للَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفّرْ عَنكُمْ سَيّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ [الأنفال:29] .

وفي تقوى الله ضمان للذرية وتأمين لمستقبلهم، يقول سبحانه: وَلْيَخْشَ ?لَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضِعَـ?فًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ ?للَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا [النساء9] ، وجزاء المتقين عند الله عظيم فقد أعد لهم دارًا لم تر العيون مثلها ولم تسمع الآذان بنظيرها وَسَارِعُواْ إِلَى? مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ?لسَّمَـ?و?تُ وَ?لاْرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ?لَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى السَّرَّاء وَ?لضَّرَّاء وَ?لْكَـ?ظِمِينَ ?لْغَيْظَ وَ?لْعَـ?فِينَ عَنِ ?لنَّاسِ وَ?للَّهُ يُحِبُّ ?لْمُحْسِنِينَ [آل عمران:133، 134] .

معشر المؤمنين، الوفاء خلق حميد، تفاخر به العرب قديمًا وأكده الإسلام أيما تأكيد، يقول سبحانه: وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ?للَّهِ إِذَا عَـ?هَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ ?لاْيْمَـ?نَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ ?للَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا [النحل:91] ، ويقول سبحانه وتعالى: وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ ?لْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا [الإسراء:34] ، وفي السنة النبوية وصايا كريمة تحض على الوفاء وتأمر به وتعيب من اتصف بضده، ففي صحيح البخاري يقول: (( أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر ) ).

وقد تمادح العرب بالوفاء وتفاخروا به قديمًا، بل شرف بالوفاء كل متمسك به حتى الكلاب، فقد ضرب بها المثل في الوفاء.

والعقود والعهود التي يجب الوفاء بها كثيرة متنوعة، من أهمها عقد الزوجية الذي يجمع الزوجين في بيت واحد ويبيح لهما ما كان حرامًا قبل عقد النكاح، فللعقد حرمته ومكانته، وفي ذلك يقول: (( أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج ) )أخرجه البخاري. وعن سليمان بن عمرو بن الأحوص قال حدثني أبي أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ فقال: (( ألا واستوصوا بالنساء خيرًا فإنما هن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئًا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربًا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا، ألا إن لكم على نسائكم حقًا ولنسائكم عليكم حقًا، فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذنّ في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن ) )أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. ومعنى قوله: (( عوان عندكم ) )يعني أسرى في أيديكم.

فالمرأة أسيرة بيد زوجها، فقد جاءت إلى زوجها بكلمة وإيجاب من وليها، وربما خرجت من منزل زوجها بكلمة أيضًا، ولكنها من زوجها، فعقد الزواج عقد وثيق وحبل متين لا ينبغي التساهل فيه أو تعريضه للعبث، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله: (( ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة ) )أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن غريب والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي وغيرهم.

فالوفاء الوفاء ـ يا معشر الرجال ـ، وليكن لعقد الزوجية حظه الوافر من الوفاء وحفظ الجميل ورد المعروف، ولا يكن عقد الزوجية أسهل العقود نقضًا، ففي ذلك إخلال بالمجتمع ولبناته الصالحة.

عباد الله، من عزم على الطلاق وأراد فراق زوجته فليعلم أن هناك أحكامًا شرعية وحدودًا مرعية لا بد من معرفتها، فالأمر الأول أن للطلاق صفة شرعية معتبرة وما عداها فهو طلاق بدعي يأثم صاحبه، فطلاق السنة ما أخبر به النبي فيما أخرجه البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله فسأل عمر بن الخطاب رسول الله عن ذلك فقال رسول الله: (( مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعدُ، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء ) ).

وعن عبد الله بن مسعود قال: طلاق السنة أن يطلقها طاهرًا في غير جماع. أخرجه النسائي، فطلاق السنة أن يطلق الزوج زوجته في حال طهر لم يجامعها فيه، أو تكون حاملًا وتبين حملها، ويكون الطلاق بطلقة واحدة فقط.

أيها الناس، من منكم يرضى أن يأتي أمرًا يغضب النبي ، أخرج النسائي عن محمود بن لبيد قال أخبر رسول الله: عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا فقام غضبان ثم قال: (( أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم ) )حتى قام رجل وقال: يا رسول الله ألا أقتله، وعند مسلم (2678) حين سئل ابن عمر رضي الله عنهما عن رجل طلق زوجته وهي حائض فقال: (وأما أنت طلقتها ثلاثًا فقد عصيت ربك فيما أمرك به من طلاق امرأتك وبانت منك) . وعند أبي داود (1878) عن مجاهد قال: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال: إنه طلق امرأته ثلاثًا قال فسكت حتى ظننت أنه رادها إليه ثم قال: ينطلق أحدكم فيركب الحموقة ثم يقول: يا ابن عباس، يا ابن عباس، وإن الله قال: وَمَن يَتَّقِ ?للَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجا ، وإنك لم تتق الله فلم أجد لك مخرجًا، عصيت ربك وبانت منك امرأتك، وإن الله قال: يأيُّهَا ?لنَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ?لنّسَاء فَطَلّقُوهُنَّ [الطلاق:1] ، في قبل عدتهن.

فانظر يا عبد الله إلى ما أمرك الله تعالى به من الطلاق في الوقت المعتبر وبالعدد المعتبر وهو الواحدة فقط، فمن خالف في ذلك أثم ووقع الطلاق عند جمهور العلماء، ولو تأملنا في هذا الوقت المعتبر للطلاق، وهو أن تكون المرأة في حال طهر لم تجامع فيه، لبانت لنا حكمة عظيمة يرعاها الشرع ويحض عليها، وهي التأني في إيقاع الطلاق، فلا يكون قرارًا مرتجلًا يقدم عليه الزوج لأدنى سبب، وإن كان تافهًا، بل يكون قرارًا قد اتخذ على هدوء وفي حال تروٍ وتفكر، وتكون نفس الزوج قد طابت من زوجته وعزمت على الفراق بدليل عدم قربانها في حال طهر كامل، ولو راعى الأزواج هذه الحكمة والتزموا بما شرع الله لقل المطلقون الذين نراهم ونسمعهم يطرقون أبواب العلماء ويستفتون هذا وذاك، يسألونهم عن طلاق بدعي وقع بالثلاث أو في حال غضب أو في حال حيض، وكلهم نادم على ما حصل ويسأل العودة.

وهذه شكوى قديمة أشار إليها ابن عباس حين قال: ينطلق أحدكم فيركب الحموقة ثم يقول: يا ابن عباس، يا ابن عباس، وإن الله قال: وَمَن يَتَّقِ ?للَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجا وإنك لم تتق الله فلم أجد لك مخرجًا، عصيت ربك وبانت منك امرأتك، وإن الله قال: يأيُّهَا ?لنَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ?لنّسَاء فَطَلّقُوهُنَّ في قبل عدتهن.

والأمر الثاني الذي يجب العلم به: أن الطلاق إذا وقع بطلقة واحدة وهو المطلوب فإن الزوجة تعتد حسب حالها، وللزوج مراجعتها ما دامت في عدتها، والرجعة تحصل القول وبالفعل، فيبقى مع الزوج وقت آخر للتروي والنظر وإمكان المراجعة في ذلك القرار المتخذ، وهو وقت ليس بالقليل، لعل الزوج أن يراجع نفسه ويتذكر عشرته مع زوجه التي طلقها، وعساه أن يدرك معاناة أولاده وصغاره.

وثالث هذه الأحكام أن نعلم أن المطلقة تعتد في بيت زوجها، ولا يجوز إخراجها منه، استمعوا إلى هذه الآية الكريمة واعتبروا بما فيها من الحكمة والرحمة بالزوجين والشفقة بهما وبما يجره عليهما الطلاق من الأثر، وتأملوا ما فيها من النهي عن تعدي حدود الله لا سيما في الطلاق يأيُّهَا ?لنَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ?لنّسَاء فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ ?لْعِدَّةَ وَ?تَّقُواْ ?للَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَـ?حِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ ?للَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ?للَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْرِى لَعَلَّ ?للَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا [الطلاق:1] ، يقول الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: عن ابن عباس في قوله تعالى: فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ قال: لا يطلقها وهي حائض، ولا في طهر قد جامعها فيه، ولكن يتركها حتى إذا حاضت وطهرت طلقها تطليقة، وقوله تعالى: لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ أي في مدة العدة لها حق السكنى على الزوج ما دامت معتدة منه، فليس للرجل أن يخرجها، ولا يجوز لها أيضًا الخروج لأنها معتقلة لحق الزوج أيضًا، إلى أن قال رحمه الله: وقوله تعالى: لاَ تَدْرِى لَعَلَّ ?للَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا أي إنما أبقينا المطلقة في منزل الزوج في مدة العدة لعل الزوج يندم على طلاقها ويخلق الله في قلبه رجعتها، فيكون ذلك أيسر وأسهل. انتهى كلامه رحمه الله.

أما في حال الطلاق الثلاث فلا تبقى المطلقة في بيت زوجها لكونها لا تحل له إلا بعد زوج. أخرج النسائي عن فاطمة بنت قيس قالت أتيت النبي فقلت: أنا بنت آل خالد، وإن زوجي فلانًا أرسل إلي بطلاقي، وإني سألت أهله النفقة والسكنى، فأبوا علي، فقالوا: يا رسول الله إنه قد أرسل إليها بثلاث تطليقات فقال رسول الله: (( إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة ) ).

أرأيتم يا عباد الله ما في تشريع الطلاق من الرحمة والحكمة إن هو وقع كما شرع الله تعالى، ومن تعدى حدود الله فيه ندم وأثم وتعرض للوعيد وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ?للَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ.

فالوفاء الوفاء يا معشر الرجال، ومن الوفاء أن يكون الطلاق في حال إيقاعه طلاقًا شرعيًا وفق السنة، فربنا سبحانه يقول بعد آية الطلاق السابقة: فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ـ أي قاربت العدة على الانقضاء ـ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ـ أي بحسن صحبة ـ أو فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ـ أي من غير مقابحة ولا مشاتمة ولا تعنيف، بل يطلقها على وجه جميل وسبيل حسن، كما قال ابن كثير رحمه الله تعالى.

نسأل الله تعالى الفقه في الدين والحسن في الخلق والمعاشرة، والحمد لله رب العالمين.

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت