الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب
الموت والحشر, اليوم الآخر
سعد بن عبد الله العجمة الغامدي
الطائف
سعيد الجندول
1-قدرة بعض المخلوقات على الحفظ والإحصاء. 2- الله هو أسرع الحاسبين وأعظمهم. 3- الحساب يوم القيامة يشمل كل صغير وكبير. 4- الشهود يوم القيامة. 5- انقطاع الأنساب يوم القيامة.
أما بعد: فلا زلنا مع سلسلة الاستعداد ليوم المعاد ومع الجزاء والحساب الذي نؤمن به، ولكن أعداءنا المتربصين بنا يعملون على إبعادنا وإشغالنا عن الاستعداد له ومحاسبة أنفسنا، وعدوُّ كلٍّ منا شياطينُ الإنسِ والجنِّ والكفارُ وهوى النفس الأمارة بالسوء وحبُّ الدنيا وطولُ الأمل.
ونعلم جميعًا بأن أعمالنا صغيرها وكبيرها محصية علينا فيما نأتي ونذر، ويتعجب الناس اليوم من صناعة البشر في المخترعات الحديثة التي علمهم الله إياها وهداهم إليها لتقوم بها حياتهم وتزداد عليهم الحجج والبراهين، قال تعالى: وَمَا أُوتِيتُم مّن ?لْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا [الإسراء: 58] ، قَالَ رَبُّنَا ?لَّذِى أَعْطَى? كُلَّ شَىء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى? [طه: 50] . فأكثر الناس من المسلمين والكفار يندهشون وينبهرون من تلك المخترعات، ولم يتفكروا في عظمة الله عز وجل وقدرته وأنه جل وعلا هو الذي أعطاهم ذلك وأقدرهم عليه وعلمهم إياه وهداهم إليه، مع أن جميع البشر من أولهم إلى آخرهم عاجزون عن أن يأتوا ويُحْضِرُوا من العدم ذرةً واحدة من ذلك الذي أعطاهم الله إياه وسخره لهم في علومهم واستخرجوه من هذه الأرض.
إذًا فالبشر لا يستطيعون أن يوجدوا ذرة واحدة من مخترعاتهم الحديثة التي بلغت مليارات الأطنان على وجه الأرض وفي الفضاء، بل هي من الأرض جمعوها بعد أن هداهم الله إليها وسخرها لهم، فَفَرْقٌ بين الإتيان بشيء من العدم وخَلْقِه وبين التجميع المبني على تعليم الله وتسخيره للبشر وهدايتهم إليه، فليتنبه المسلمون من عدم التفكير الواعي أو التشويش المضلِّل ومن الفكر المنحرف، وعليهم أن يَعُوا ويعرفوا إسلامهم حق المعرفة ويعملوا بما فيه، قال تعالى: وَ?للَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: 96] ، وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى ?لسَّمَـ?و?تِ وَمَا فِى ?لأرْضِ جَمِيعًا مّنْهُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَـ?تٍ لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الجاثية: 13] ، وَ?لْخَيْلَ وَ?لْبِغَالَ وَ?لْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [النحل: 8] ، أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ?للَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى ?لسَّمَـ?و?تِ وَمَا فِى ?لأرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَـ?هِرَةً وَبَاطِنَةً [لقمان: 20] ، وَءايَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرّيَّتَهُمْ فِى ?لْفُلْكِ ?لْمَشْحُونِ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مّن مّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ [يس: 41، 42] .
أعود للقول بأن من المخترعات الحديثة التسجيلَ بالصوت والصورة أو بأحدهما والنقلَ عبر الفضاء سواء منه المباشر أو المحتفظ به منذ ساعات أو عشرات السنين، ويتعجبون عندما تُعرض عليهم صورة شخص وأفعاله وأعماله في الصغر ثم الصبا والشباب ثم الشيخوخة وفي حالات هو يرتضيها ولم تسجل عليه في الخفاء، وربما عرضت على الناس بعد موته بسنين طويلة، فكيف بالشخص لو سجل عليه أو صوّر في حالات لا يرضى أن يطلع عليه فيها أحد من البشر، بل قد يستحيي هو من نفسه لو يراها مرة ثانية إذا كانت من الأمور الحقيرة في نظره؟! وكيف إذا كانت من الأشياء المهينة له والذنوب التي أخفاها عن أعين الناس؟! إن الأمر لا شك عظيم.
ومع أن البشر يندهشون في هذه الأيام لخاصية الحاسبات الآلية مع عظم حجمها وتكاليفها الباهظة وسرعة تلفها، ولكن الاستغراب يصيبهم في الأجزاء الصغيرة التي تحتفظ بالمعلومات الكثيرة بالكتابة أو الصوت والصورة أو بإحداهما، ويندهشون من كيفية النقل المباشر بالصوت والصورة للأشخاص عبر الهاتف وداخل غرف العمليات والاستشارات الطبية التي تُجْرى على بعد آلاف الكيلومترات وإعادتها ولو بعد سنين طويلة، وكذلك مما هو محفوظ أو متبادل في الشبكة العنكبوتية شبكة المعلومات المسماة بالإنترنت، يتعجبون من ذلك ولم يفكروا في الكرام الكاتبين الذين يحصون على كلِّ شخص كلَّ صغيرة وكبيرة حتى الوسوسة والهم بالحسنة والسيئة التي سوف يجدها كلٌّ منا في كتاب يلقاه منشورًا، يقرؤه بنفسه ولو لم يكن قارئًا ولا كاتبًا، وعند إنكار الشخص لأي شيء من أعماله فسوف يقوم عليه الشهود من نفسه ومن الأرض التي كان قد عمل عليها ذلك العمل محتفظة به لآلاف السنين حتى يوم القيامة، يَوْمَئِذٍ تُحَدّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى? لَهَا [الزلزلة: 4، 5] .
ويتشدق بعض الناس اليوم بما وصل إليه العلم من أنه بالإمكان أخذ الصورة لظل الشخص في المكان الذي كان فيه بعد ساعة، أو التسجيل بالصوت والصورة على بعد عشرات الأمتار، وغير ذلك من الأمور التي من المفترض أن تقربه إلى الله تعالى بدلًا من الإعراض عنه وعن أوامره ونواهيه. ولنستمع ونفقه هذه الآيات والأحاديث التالية: قال تعالى: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَـ?فِظِينَ كِرَامًا كَـ?تِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار: 10-12] ، وقال عز وجل: وَلَقَدْ خَلَقْنَا ?لإِنسَـ?نَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ?لْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى ?لْمُتَلَقّيَانِ عَنِ ?لْيَمِينِ وَعَنِ ?لشّمَالِ قَعِيدٌ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: 16-18] ، وقال سبحانه وتعالى: وَتَرَى? كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَى? إِلَى? كِتَـ?بِهَا ?لْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ هَـ?ذَا كِتَـ?بُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِ?لْحَقّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية: 28، 29] ، وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ?للَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء وَ?للَّهُ عَلَى? كُلّ شَيْء قَدِيرٌ [البقرة: 284] ، وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِى ?لسَّمَاء وَ?لأرْضِ إِلاَّ فِى كِتَـ?بٍ مُّبِينٍ [النمل: 74، 75] ، يَعْلَمُ خَائِنَةَ ?لأعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ?لصُّدُورُ [غافر: 19] ، خَلَقَ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأرْضَ بِ?لْحَقّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ ?لْمَصِيرُ يَعْلَمُ مَا فِى ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَ?للَّهُ عَلِيمُ بِذَاتِ ?لصُّدُورِ [التغابن: 3، 4] ، رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى? عَلَى ?للَّهِ مِن شَىْء فَى ?لأرْضِ وَلاَ فِى ?لسَّمَاء [إبراهيم: 38] ، ي?بُنَىَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِى صَخْرَةٍ أَوْ فِى ?لسَّمَـ?و?تِ أَوْ فِى ?لأرْضِ يَأْتِ بِهَا ?للَّهُ إِنَّ ?للَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ [لقمان: 16] ، فَمَن يَّعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَّرَهُ وَمَن يَّعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًا يَّرَهُ [الزلزلة: 7، 8] ، وقال تعالى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوء تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَا بَعِيدًا وَيُحَذّرُكُمُ ?للَّهُ نَفْسَهُ وَ?للَّهُ رَءوفُ بِ?لْعِبَادِ [آل عمران: 30] ، يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ تُجَـ?دِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى? كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [النحل: 111] ، وَكُلَّ إِنْسَـ?نٍ أَلْزَمْنَـ?هُ طَـ?ئِرَهُ فِى عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ?لْقِيَـ?مَةِ كِتَابًا يَلْقَـ?هُ مَنْشُورًا ?قْرَأْ كَتَـ?بَكَ كَفَى? بِنَفْسِكَ ?لْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [الإسراء13، 14] ، وَوُضِعَ ?لْكِتَـ?بُ فَتَرَى ?لْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ ي?وَيْلَتَنَا مَا لِهَـ?ذَا ?لْكِتَـ?بِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف: 49] ، وَكُلَّ شَىْء أَحْصَيْنَـ?هُ كِتَـ?بًا [النبأ: 29] ، فَ?لْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [يس: 54] ، وَنَضَعُ ?لْمَو?زِينَ ?لْقِسْطَ لِيَوْمِ ?لْقِيَـ?مَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى? بِنَا حَـ?سِبِينَ [الأنبياء: 47] ، إِنَّ ?للَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَـ?عِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: 40] ، وَ?لآخِرَةُ خَيْرٌ لّمَنِ ?تَّقَى? وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلًا [النساء: 77] ، وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ?لصَّـ?لِحَـ?تَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى? وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـ?ئِكَ يَدْخُلُونَ ?لْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا [النساء: 124] ، وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ?لصَّـ?لِحَـ?تِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْمًا وَلاَ هَضْمًا [طه: 112] ، وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـ?مٍ لّلْعَبِيدِ [فصلت: 46] ، فَمَن ثَقُلَتْ مَو?زِينُهُ فَأُوْلَـ?ئِكَ هُمُ ?لْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَو?زِينُهُ فأُوْلَـ?ئِكَ ?لَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فِى جَهَنَّمَ خَـ?لِدُونَ [المؤمنون: 102، 103] ، ?لْيَوْمَ تُجْزَى? كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لاَ ظُلْمَ ?لْيَوْمَ إِنَّ ?للَّهَ سَرِيعُ ?لْحِسَابِ [غافر: 17] .
وعند الإنكار لما عمله أو قاله الكافر أو المنافق والفاسق الذي يشيع على المسلمين ما ليس فيهم ويؤذيهم بما يشينُهُم ويشوِّه سمعتهم ويحب إشاعة الفاحشة فيهم ويبهتهم ويفتري الكذب عليهم يقام عليه الشهود من نفسه ومن غيره ومن الأرض التي عمل عليها جريمته، وسوف يأخذ المظلوم حقه منه يوم القيامة، قال تعالى: إِنَّ ?لَّذِينَ يَرْمُونَ ?لْمُحْصَنَـ?تِ ?لْغَـ?فِلَـ?تِ ?لْمُؤْمِنـ?تِ لُعِنُواْ فِى ?لدُّنْيَا وَ?لآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ يَوْمَئِذٍ يُوَفّيهِمُ ?للَّهُ دِينَهُمُ ?لْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ?للَّهَ هُوَ ?لْحَقُّ ?لْمُبِينُ [النور: 23-25] ، يَرْمُونَ أي: يقذفون العفيفات بالزنا. إِنَّ ?لَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ?لْفَـ?حِشَةُ فِى ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِى ?لدُّنْيَا وَ?لآخِرَةِ وَ?للَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [النور: 19] ، وَ?لَّذِينَ يُؤْذُونَ ?لْمُؤْمِنِينَ وَ?لْمُؤْمِنَـ?تِ بِغَيْرِ مَا ?كْتَسَبُواْ فَقَدِ ?حْتَمَلُواْ بُهْتَـ?نًا وَإِثْمًا مُّبِينًا [الأحزاب: 58] ، ?لْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى? أَفْو?هِهِمْ وَتُكَلّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ [يس: 65] ، شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَـ?رُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُواْ أَنطَقَنَا ?للَّهُ ?لَّذِى أَنطَقَ كُلَّ شَىْء وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَـ?رُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ وَلَـ?كِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ?للَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيرًا مّمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ ?لَّذِى ظَنَنتُم بِرَبّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مّنَ ?لُخَـ?سِرِينَ [فصلت: 20-23] ، وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ ?لسَّمْعَ وَ?لْبَصَرَ وَ?لْفُؤَادَ كُلُّ أُولـ?ئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا [الإسراء: 34] ، فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [الحجر: 92، 93] ، فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى? هَؤُلاء شَهِيدًا يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ?لرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى? بِهِمُ ?لأرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ ?للَّهَ حَدِيثًا [النساء: 41، 42] ، وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى? هَؤُلاء [النحل: 89] ، وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبّكَ مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ?لأرْضِ وَلاَ فِى ?لسَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذ?لِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ [يونس: 61] ، يَسْتَخْفُونَ مِنَ ?لنَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ ?للَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى? مِنَ ?لْقَوْلِ وَكَانَ ?للَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا [النساء: 108] ، وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ غَيْرَ ?لَّذِى تَقُولُ وَ?للَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى ?للَّهِ وَكَفَى? بِ?للَّهِ وَكِيلًا أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ?لْقُرْءانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ?للَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ?خْتِلَـ?فًا كَثِيرًا [النساء: 81، 82] ، أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ?لْقُرْءانَ أَمْ عَلَى? قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد: 24] ، بَلِ ?لإِنسَـ?نُ عَلَى? نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى? مَعَاذِيرَهُ [القيامة: 14، 15] .
وفي آخر الحديث الذي رواه الإمام مسلم رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله أنه قال في الثالث: (( يقول الله تعالى: أيْ فُلْ ـ أي: فلان ـ ، ألم أكرمْك وأسوّدْك وأزوّجْك وأسخّرْ لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربّع؟ فيقول: بلى يا رب، فيقول: أظننت أنك ملاقيّ؟ فيقول: أي رب، آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصليت وصمت وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع، فيقول: ها هنا إذًا، ثم يقول: الآن نبعث شاهدًا عليك، فيتفكر في نفسه: من ذا الذي يشهد عليَّ؟ ويُخْتَمُ على فِيهِ، ويقال لفخذه: انطقي، فينطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله، وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق، وذلك الذي يسخط الله عليه ) ).
قال أبو هريرة رضي الله عنه مما رواه عنه ابن حبان في صحيحه: قرأ رسول الله هذه الآية: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا [الزلزلة: 4] ، قال: (( أتدرون ما أخبارها؟ ) )قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (( فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمَة بما عمل على ظهرها، تقول: عمل كذا وكذا في يوم كذا وكذا، فذلك أخبارها ) )رواه ابن حبان والترمذي بنحوه.
وفي الحديث القدسي الذي رواه رسول الله عن ربه تبارك وتعالى: (( يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا. يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه ) ).
ولننظر إلى لطف الله بنا ورحمته إيانا بني آدم لضعفنا وعجزنا، كيف تُدَوَّنُ علينا الحسنات بمضاعفتها في الأجر إلى أضعاف كثيرة، والسيئات بمثلها فقط، بل يَمْحُوهَا، وفوق ذلك يبدلها حسنات إذا تاب العبد من تلك السيئات وأقلع عنها، والأحاديث كثيرة، وأكتفي بواحد فقط في صحيحي الإمامين الجليلين البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله قال: (( إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك في كتابه، فَمَنْ هَمَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، فإن هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هو هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة ولا يهلك على الله إلا هالك ) ).
الحمد لله الحكم العدل، الملك الحق المبين، أحمده عز وجل وأشكره، وأثني عليه الخير كله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة حق وصدق أرجو بها النجاة يوم نلقاه، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمدًا عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وآله وصحبه.
أما بعد: ففي ذلك اليوم العصيب تنقطع علائق الأنساب والافتخار بها، فكل إنسان مهتم بنفسه ولا يهمه غيره، بل يفرّ منه ولو كان أحب الناس عنده وأقرب قريب إليه، وتذهب الشهامة والنخوة والعصبيات والحمية الجاهلية ومناصرة الظلمة في الدنيا بالباطل على أصحاب الحقوق المساكين، كل ذلك يذهب ويتخلى بعضهم عن بعض حتى ولو بحسنة واحدة يعطيه إياها أو يحمل عنه سيئة، وفرق هنا بين أن يحمل عنه أو يحمل معه ومثله، فأما الحمل عنه فلا يمكن، وأما الحمل معه ومثله فذلك وارد لإضلاله إياه فهو دعاه إلى الضلالة فيحمل وزره ووزر من أضله إلى يوم القيامة، كما أن الذي يدعو إلى الهدى له أجره وأجر من عمل بذلك إلى يوم القيامة، قال تعالى: فَإِذَا جَاءتِ ?لصَّاخَّةُ يَوْمَ يَفِرُّ ?لْمَرْء مِنْ أَخِيهِ وَأُمّهِ وَأَبِيهِ وَصَـ?حِبَتِهُ وَبَنِيهِ لِكُلّ ?مْرِئٍ مّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس: 33-37] ، ي?أَيُّهَا ?لنَّاسُ ?تَّقُواْ رَبَّكُمْ وَ?خْشَوْاْ يَوْمًا لاَّ يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ ?للَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ?لْحَيَو?ةُ ?لدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِ?للَّهِ ?لْغَرُورُ [لقمان: 33] ، وقال تعالى: وَ?تَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـ?عَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ [البقرة: 48] ، يَوَدُّ ?لْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصَـ?حِبَتِهِ وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ ?لَّتِى تُؤوِيهِ وَمَن فِى ?لأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ كَلاَّ إِنَّهَا لَظَى? نَزَّاعَةً لّلشَّوَى? تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى? وَجَمَعَ فَأَوْعَى [المعارج: 11-18] ، وقال عز وجل: وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى? وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى? حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْء وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى? إِنَّمَا تُنذِرُ ?لَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِ?لْغَيْبِ وَأَقَامُواْ ?لصَّلَو?ةَ وَمَن تَزَكَّى? فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى? لِنَفْسِهِ وَإِلَى ?للَّهِ ?لْمَصِيرُ [فاطر: 18] ، لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ?لْقِيَـ?مَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ?لَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ [النحل: 25] ، وَقَالَ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ ?تَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَـ?يَـ?كُمْ وَمَا هُمْ بِحَـ?مِلِينَ مِنْ خَطَـ?يَـ?هُمْ مّن شَىْء إِنَّهُمْ لَكَـ?ذِبُونَ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ ?لْقِيَـ?مَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ [العنكبوت: 12، 13] .
قال رسول الله: (( إنه يكون للوالدين على ولدهما دين، فإذا كان يوم القيامة يتعلقان به، فيقول: أنا ولدكما، فَيَوَدَّانِ ـ أو: يَتَمَنَّيانِ ـ لو كان أكثر من ذلك ) ). وقال عكرمة:"يلقى الرجل زوجته فيقول لها: أي بعل كنت لك؟ فتقول: نعم البعل كنت، وتثني بخير ما استطاعت، فيقول لها: فإني أطلب إليك اليوم حسنة واحدة تهبيها لي لعلي أنجو مما ترين، فتقول له: ما أيسر ما طلبت! ولكن لا أطيق أن أعطيك شيئًا أتخوّف مثل الذي تخاف، قال: وإن الرجل ليلقى ابنه فيعلق به فيقول: أي والد كنت لك؟ فيثني بخير، فيقول له: يا بني إني احتجت إلى مثقال ذرة من حسناتك لعلي أنجو بها مما ترى، فيقول ولده: يا أبت، ما أيسر ما طلبت! ولكني أتخوف مثل الذي تتخوف، فلا أستطيع أن أعطيك شيئًا"، وقال: (( من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزارهم شيء ) ).
وللموضوع بقية إن شاء الله تعالى...