الرقاق والأخلاق والآداب, العلم والدعوة والجهاد
فضائل الأزمنة والأمكنة, محاسن الشريعة
عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
عرفة
نمرة
1-الحكمة من خلق الثقلين. 2- بداية الشرك في بني آدم. 3- أنواع ضلال البشر. 4- بعثة النبي وهداية الناس إلى كل خير. 5- صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان. 6- براءة الإسلام مما يُرمى به من الباطل. 7- الإرهاب الغربي. 8- عداوة الكفار. 9- مساوئ الغرب. 10- وجوب مراجعة أنفسنا والتوبة إلى الله. 11- نداء لكل مسلم. 12- نداء لرجال الإعلام. 13- نداء لرجال التربية والتعليم. 14- نداء لشباب الإسلام. 15- نداء لفتاة الإسلام. 16- نداء للتجار وأرباب الأموال. 17- نداء لدعاة الإسلام. 18- نداء لعلماء الإسلام. 19- نداء لقادة الأمة. 20- إرشادات لحجاج بيت الله. 21- فضل يوم عرفة. 22- التذكير باليوم الآخر.
أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.
اتقوا ربكم عباد الله، في سركم وعلانيتكم، في منشطكم ومكرهكم، اتقوه تقوى من يعلم أن الله يرى مكانه، ويسمع كلامه، ويعلم سرّه وعلانيته.
أمة الإسلام، أخبر الله ملائكته بقوله: إِنّي جَاعِلٌ فِى ?لأرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ?لدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ قَالَ إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [البقرة:30] . فما مراد الله من خلق آدم وذريته؟ مراده: وَمَا خَلَقْتُ ?لْجِنَّ وَ?لإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] ، وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ?للَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ?لدّينَ [البينة:5] .
أهبط الله أبانا وزوجته من الجنة بعدما أكلا من تلكم الشجرة، التي نعتها الله لهما، ونهاهما عن قربانها، ولكن وسوسة إبليس أدّت إلى الأكل منها، فأهبط الله أبانا وزوجه إلى الأرض، وأعلمهما بطريق السعادة إن أراداها، فَمَنِ ?تَّبَعَ هُدَاىَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى [طه:123] .
سار بنو آدم على أمر الله قرونًا من الزمن، والشيطان يمكر بهم، ويتربّص بهم الدوائر، حتى إذا كان قبيل مبعث نوح عليه السلام سعى عدو الله بالوسوسة لقوم نوح فصوّروا صور صالحيهم وعُبَّادِهم، ثم عبدوهم من دون الله، فكانت هذه أعظمَ ضلالة بُليت بها البشرية، وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ ءالِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًّا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا [نوح:23] ، فبعث الله نوحًا عليه السلام يدعو قومه إلى عبادة الله، أَنِ ?عْبُدُواْ ?للَّهَ وَ?تَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ [نوح:3] .
وأنواع ضلال بني آدم كثيرة على اختلاف أسبابها ومشاربها، فمن الناس من ضلالتُهم باتباع الشيطان، قال تعالى مخبرًا عنه: وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتّكُنَّ ءاذَانَ ?لأَنْعَـ?مِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرُنَّ خَلْقَ ?للَّهِ [النساء:119] . ومن الناس من كان ضلاله باتباع الأسلاف الماضين على ما هم عليه من الضلال والبعد عن الهدى، بَلْ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَا ءابَاءنَا عَلَى? أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى? ءاثَـ?رِهِم مُّهْتَدُونَ [الزخرف:22] . ومن الناس من كانت ضلالته باتباع الظن والهوى، إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ?لظَّنَّ وَمَا تَهْوَى ?لأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مّن رَّبّهِمُ ?لْهُدَى? [النجم:23] . ومن الناس من ضلالته باتباع السادة والكبراء على ما هم عليه من الكفر والضلال، وَقَالُواْ رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا ?لسَّبِيلاْ [الأحزاب:67] .
وأبواب ضلال البشر كثير، ففي توحيد الله ضل قوم فصرفوا العبادة لغير الله، عبدوا الأشجار والأحجار، عبدوا الأنبياء والملائكة والأولياء والصالحين، عبدوا الكواكب والشمس والقمر، كل ذلك من ضلالهم عن الهدى. وفي توحيد الربوبية ضل قوم فيها حتى قال قائلهم: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إِلَـ?هٍ غَيْرِى [القصص:38] . وفي باب أسماء الله وصفاته ضل قوم عن الطريق المستقيم، ما بين جاحد لها، وما بين معطل، وما بين محرف لها عن حقائقها، وما بين مفوّض لها لا يعتقد معناها ولا يؤمن به. وفي باب الإيمان بملائكة الرحمن منهم من زعم أنهم إناث، ثم جعلوهم بناتٍ لله، ومنهم من أنكرهم وزعم أنهم خيال، ومنهم من غلا فيهم حتى عبدهم من دون الله. وفي باب كتب الله ضل قوم فمن كافر بها، ومن محرف لها، ومن مهمل لها، ومن زاعمٍ معارضتها لكلام البشر. وفي باب الإيمان بالرسل فمنهم من قتلهم، ومنهم من كذَّبهم، ومنهم من ألّههم من دون الله، ومنهم من جعلهم أبناء لله. وفي باب العبادات منهم من عرف الحق فحاد عنه، ومنه من عبد الله على جهل وضلال. وفي باب التعامل بين العباد السائغ أن الحكم للقوي، وأن الضعيف لا شأن له، ونالت المرأة من ذلك أشد الأحوال، فمنهم من جعلها في ساقط المتاع، لا ترث، ولا تملك، لا يُسمع لها صوت، ولا يؤخذ عنها كلمة، ومنهم من رآها متعة فقط، ومنهم من قال: إنها عار يجب قتلها، كل ذلك من ضلال بني آدم. وفي باب الإيمان باليوم الآخر والمغيبات ضل قوم فأنكروا معاد الأجساد، واستنكروا ذلك وقالوا: مَا هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ?لدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ ?لدَّهْرُ [الجاثية:24] ، ومنهم من لا يؤمن بالمغيبات إلا ما كان محسوسًا، ومنهم من ادعى علم الغيب. وفي باب قضاء الله وقدره، ضل قوم في هذا الباب، فمنهم من أنكر علم الله السابق بما يكون، ومنهم من جعل قدر الله حجة له على باطله وضلاله وكفره.
والله جل وعلا يتابع الرسل على العباد، ويرسل الرسول تلو الرسول، وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ ?عْبُدُواْ ?للَّهَ وَ?جْتَنِبُواْ ?لْطَّـ?غُوتَ [النحل:36] ، أرسلهم بلسان قومهم وعشائرهم، ليكون أتم في البلاغ، وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ [إبراهيم:4] ، حتى إذا كان قبيل بعثة محمد نظر الله إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، بعث الله محمدًا بالهدى ودين الحق بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، بصّر به من العمى، وهدى من الضلالة، وأخرج العباد من ظلمات الجهل إلى نور العلم والهدى.
هدى للإيمان بالله، وأن الله رب كل شيء، وخالقه ورازقه، وأن الكون بيد الله لا رب غيره، ولا مدبّر سواه، ولا رازق غيره، وهداهم في باب توحيد العبادة إلى أن يصرفوا كل العبادة لمستحقها وهو رب العالمين، فيعبدوه وحده، ويدعوه وحده، ويخلصوا كامل حبّهم وخوفهم منه جل وعلا، وتتعلق القلوب به محبة وخوفًا ورجاء، وأنه مالك النفع والضر، لا شريك له في عبوديته، كما لا شريك له في ألوهيته، وَأَنَّ ?لْمَسَـ?جِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ?للَّهِ أَحَدًا [الجن:18] .
وهداهم في باب صفات الله إلى أن يؤمنوا بأسماء الله وصفاته على حدّ التنزيه ونفي التشبيه، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء وَهُوَ ?لسَّمِيعُ ?لْبَصِيرُ [الشورى:11] .
وهداهم للإيمان بالملائكة إلى أن يؤمنوا بأنهم عباد لله مكرمون وأنهم مطيعون لله، لاَّ يَعْصُونَ ?للَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6] ، يُسَبّحُونَ ?لْلَّيْلَ وَ?لنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ [الأنبياء:20] ، مكلفون بأمر الكون، يدبرونه بأمر الله.
وهداهم في باب كتب الله، أنها حق كلها من عند الله، ولكن أفضلها وأكملها والمهيمن عليها والناسخ لها كتاب الله المبين، الذي لاَّ يَأْتِيهِ ?لْبَـ?طِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:42] .
وهداهم في باب الرسل إلى [أن الرسل بشر] أرسلهم الله، ليبلغوا رسالات الله إلى العباد، ليقيموا حجة الله على العباد، رُّسُلًا مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ?للَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ?لرُّسُلِ [النساء:165] ، وهم متفاوتون في الفضل، وسيدهم وأكملهم وأفضلهم محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه.
أمة الإسلام، هذا دين الإسلام، وفي باب الإيمان باليوم الآخر، هداهم إلى أن يؤمنوا بكل ما أخبر الله به [منذ أن يوضع العبد في قبره] ، وما يجري من فتنة القبر، وسؤال الملكين، والبعث والنشور، إلى أن يستقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار.
وفي باب الإيمان بالقضاء والقدر أرشدهم إلى أن الله علم ما العباد عاملون، وكتب ذلك العلم وشاءه، وأعطى العبد اختيارًا، وهداه النجدين، وبيَّن الحق والباطل، فَمَنِ ?هْتَدَى? فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ [الزمر:41] ، مَّنْ عَمِلَ صَـ?لِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـ?مٍ لّلْعَبِيدِ [فصلت:46] .
أمة الإسلام، هذا دين الإسلام، وفي هدي الإسلام الكامل في باب العبادات أمرهم بالصلاة والزكاة والصوم والحج والبر والصلاة وأكل الحلال والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى كل خير، والحكم بالعدل في تعاملهم مع الآخرين، ونهاهم عن الظلم أي الشرك، وظلم العباد، والتعدي عليهم، والقول على الله بلا علم، ونهاهم عن كل المساوئ وأرشدهم إلى الأخلاق الكريمة.
أمة الإسلام، هذا دين الإسلام، دين رحمة، دين ودّ ورحمة، دين التسامح، دين العدل، دين أكمله الله وأتمه وارتضاه، وجعله دينا خالدًا، ?لْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ?لإسْلاَمَ دِينًا [المائدة:3] .
إن هذا الدين هيأ الله له من الأسباب الشرعية والأسباب الكونية ما جعله صالحًا ومُصلحًا لكل زمان، إن من أعظم الظلم والجور أن يُوسَم الإسلام بالإرهاب، على حد فهمهم لذلك، وإن الإرهاب هو التسلط وظلم العباد، ويبرأ دين الإسلام مما نُسب إليه، أين الإرهاب من دين أمر بحفظ النفوس واحترامها، وأن إحياء النفس الواحدة كإحياء الكل، وقتل النفس الواحدة كقتل الكل؟! مِنْ أَجْلِ ذ?لِكَ كَتَبْنَا عَلَى? بَنِى إِسْر?ءيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ?لأرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ?لنَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَـ?هَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا [المائدة:32] ، أين الإرهاب من دين يأمر بالعدل وإيتاء ذي القربى والإحسان، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؟! أين الإرهاب من دين يدعو إلى احترام الوعود والتزام المواثيق وعدم الإخلال بها؟! أين الإرهاب من دين يقدّم السلم على الحرب، وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَ?جْنَحْ لَهَا [الأنفال:61] ؟! أين الإرهاب من دين يحترم الحقوق في أحلك الظروف عند التحام الصفوف، فينهى عن قتل المرأة وعن قتل المسنّ وعن قتل الأطفال والعُزَّل وعن التعرض لعبادة الآخرين؟!
كل ذلك من حقائق الإسلام. إذًا فالإرهاب المنسوب إلى الإسلام ظلمٌ وجور، ماذا عن حال انتهاك المقدسات ونهب الأموال والأراضي وانتهاك المحرمات ونقض العهود وخيانتها وقتل المسلمين والتسلط عليهم في فلسطين؟! ما هي حالهم؟ هذا الظلم الذي يُسلط عليهم ما هو إلا ظلم وعدوان وإرهاب على الحقيقة مهما تغاضى الناس عن ذلك.
أمة الإسلام، ماذا ينقم أعداؤنا علينا؟ ماذا ينقم منا أعداؤنا؟ أينقمون علينا أن ديننا خاتم الأديان وأكملها؟! أينقمون منا أن الله اصطفى أتباع هذا الدين فجعلهم خير أمة أخرجت للناس؟! اصطفى هذه الأمة فجعلها خير أمة أخرجت للناس. أينقمون منا أن ديننا أقام دولةً على دين يعطي كل ذي حق حقه؟! أينقمون منا أن ديننا أقام العدل في مشارق الأرض ومغاربها قرونًا من الزمن؟! أينقمون منا أن ديننا سعى في تكريم الإنسان؟! أينقمون منا أن ديننا سعى في تحرير العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد؟!
قل لي بربك، هؤلاء الناقمون من الإسلام وأهله ماذا قدموا للبشرية؟! ماذا قدموا لها لكي يفخروا به؟! أجل، قدموا ضدَّ ذلك، قدموا حضارة زائفة حقيرة، قدموا صنوفًا من التسلط على الحريات والحقوق بدعوى حفظها، قدموا تمييزًا بين الناس، بين البشر في اللون والجنس واللغة والعنصر، قدموا تفنّنا في صنع الأسلحة المدمرة للشعوب والمبيدة للبشر، قدموا أنواعًا من الحيل والمكر والخداع للأمة وتدبير المؤامرات، فما سلم منهم قريب مجاور ولا بعيد مسالم، ماذا قدموا وقد نقضوا العهود، وخانوا المواثيق، ورموا بكل ذلك؟! ماذا قدموا إلا ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون.
أمة الإسلام، إن أمتنا تمر بأحداث جسيمة، ومدلهمات عظيمة تكاثرت فيها الخطوب، وتداعت علينا الأمم، كما أخبر بذلك نبينا ، تحتاج منا نظرَ ظروفٍ دقيقة، ظروف تحتاج الأمة على اختلافها أن تكون لها نظرة فاحصة وتأمل عميق لنكون كما أراد الله أمة واحدة ندافع عن ديننا وعقيدتنا.
أمة الإسلام، إن ما أصابنا بذنوبنا، وَمَا أَصَـ?بَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ [الشورى:30] ، ليس من الحصافة والعقل أن نُلقي باللوم في كل ما أصابنا على أعدائنا، ولا من الدين أن نرتمي في أحضان أعدائنا، إن أمتنا ليس عيبها قصورًا في البشر، ولا نقصًا في الموارد، فهي تملك العدد، ولديها الجم الكبير، ولكن ضعفها بضعف الإيمان وقلة اليقين، بالتحزب والاختلاف في الدين، بالتنازع وعدم ثقة البعض بالبعض، بكثرة الذنوب وقلة التوبة، بالغفلة وقلة الأعوان المخلصين.
إن الأمة لن يُصلح آخرها إلا ما صلح به أولها وإِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى? يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد:11] ، وإن الواجب على كل فرد منا أن ينظر: هل قام بحق الله على الحقيقة؟ هل قام بحق عباد الله؟ نظرةٌ فاحصة، نظرة من يقدر الله حق قدره، فيخافه ويرجوه، نظرة من يعلم أنه مذنب، ويبحث عن مكامن الخطأ فيحصيها، وعن الخلل فيسدها، نظرة صالحة لرفع الأمة الإسلامية.
أمة الإسلام، إن الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، والدين ما شرعه الله، فعلى المسلم أن يلتزم شرع الله، ويسير عليه ليكون على الهدى المستقيم.
أمة الإسلام، نصيحةً إلى كل مسلم أن يعلم أن كل فرد راع ومسئول عن رعيته، نصيحة لمن تولى أمرًا من أمور الأمة أن ينهض بمسئوليته، وأن يحافظ على الأمانة التي قال الله فيها: إِنَّا عَرَضْنَا ?لأَمَانَةَ عَلَى ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأرْضِ وَ?لْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ?لإِنْسَـ?نُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب:72] .
نصيحة لرجال الإعلام وأرباب الأقلام، إن هذا العصر عصر الإعلام، وإن كلمة الأمة لن تصل إلا من خلال إعلامها، فكلما كان إعلام الأمة قويًا كان حضورها قويًا، فيا رجال الإعلام وأرباب الأقلام، الله الله في أمتكم، الله الله في أمتكم، اعرضوا محاسن الدين المشرق، وبثوه في العالم ليعلموا سماحة هذا الدين وكماله وفضله، احذروا أن تكون أقلامكم رخيصة، تباع في السوق الحقيرة، التي هدفها تدمير الأخلاق وإضلال الأمة، ونشر [الفساد] والرذائل، فليكن إعلامنا مسخرًا لخدمة قضايانا، وعرض ديننا والدعوة إليه، بأسلوب يعلمه كل أحد، بأسلوب الحكمة التي جاء بها الإسلام.
يا رجال التربية والتعليم، بين أيديكم شبابنا وفتياتنا، فاتقوا الله فيهم، علموهم الإسلام، وحببوه إليهم، وادعوهم للعمل به، ربوهم على الأخلاق والفضائل، اجعلوا من مناهجهم ما يصلهم بربهم ودينهم ونبيهم، اجعلوا مناهجهم تخدم دينهم وتؤصل فيهم العقيدة والأخلاق والأعمال الطيبة.
يا صانعي قرارات الأمة، اتقوا الله في أنفسكم، واعلموا أن الله لا تخفى عليه خافية، فاتخذوا من القرارات ما فيه خدمة للدين، وإعزاز للأمة، وإياكم أن تزل بكم القدم في أمر يكون فيه ضرر على الأمة في حاضرها ومستقبلها.
يا شباب الإسلام، أنتم عماد الأمة بعد الله، وأنتم قوتها، سهام الأعداء موجهة لكم، وفي شأنكم تدار مؤامراتهم، يريدون أن تكونوا شبابا غارقا في شهواته، يفقد صلته بإيمانه، ولا يكون عنده حماس لدينه، يضعف تعلقه بدينه، حتى تكون تبعيته لهم، فخيبوا ظنونهم، وتمسكوا بهذا الدين.
يا فتاة الإسلام، شرفك الله بالإسلام، وأعزك بالإسلام، ورفع بالإسلام قدرك، وأنقذك من ظلم الجاهلية وضلالها، احذري مكائد الأعداء الذين يحاولون إخراجك عن فطرتك، ويحاولون إذلالك، قالوا: اخلعوا حجابها، وأخرجوها من بيتها، وساووا بينها وبين الرجال، إنها دعوات فيها الذل والهوان للمسلمة، وسلاح يستعمله الأعداء في نيل مقاصدهم ومراداتهم الخبيثة.
يا تجار الإسلام وأرباب الأموال، اتقوا الله في أموالكم، اتقوا الله في أموالكم، فاحذروا المكاسب الخبيثة، واحذروا بيع ما فيه حرام، فإن النبي لعن في الخمر عاصرها ومعتصرها وساقيها وحاملها والمحمولة إليه وبائعها ومشتريها وآكل ثمنها [1] ، فاحذروا بيع المسكرات والمخدرات، وكل ما يضر الأمة في دينها ودنياها، خذوا أموالكم من حِلها، واصرفوها في محلها، ونبيكم يقول: (( إن التجار يحشرون يوم القيامة فجارًا إلا من اتقى وصدق وبرّ ) ) [2] فكونوا كذلك، ولتكن لكم وقفة مع أمتكم في دعم اقتصادها، وحمايتها عن تسلط الآخرين عليها.
دعاة الإسلام، أيها الدعاة إلى الحق، اتقوا الله في أنفسكم، واحرصوا على تكامل دعوتكم، واحرصوا على المبدأ الهام، تعاونوا على البر والتقوى، واعرضوا دين الإسلام بالحكمة والبصيرة، واحذروا التنازع والاختلاف، وأن تُستغل الدعوة لمصالح غيركم، فكم يندس بين الدعاة من ليس منهم، ليحرف مسيرتهم ويغيرها إلى مبدئه ومراده، فاحذروا مكائد الأعداء.
يا علماء الإسلام، أنتم ورثة الأنبياء، وأنتم حصن الأمة، والحصن من الفتن إذا أقبلت، والمخرج منها إذا نزلت، فلكم فضل كبير، وعليكم واجب كبير، فاتقوا الله في أنفسكم، وانشروا علمكم الصادق، احرصوا على جمع كلمة الأمة، ووحدة صفها، وإبعاد كل من يحاول التفريق بين الأمة، والطعن في صفوفها، فابتعدوا عن أولئك الذين لا خلاق لهم.
يا علماء الإسلام، احذروا القول على الله بلا علم، فإن الله سائلكم عما تفتون فيه، فاتقوا الله فيما تفتون، وإذا سُئلتم عما لا تعلمون فأمسكوا، أو قولوا قولًا صادقًا مدعَّما بالدليل.
يا قادة الأمة الإسلامية، اتقوا الله في أنفسكم، واعلموا أن الله ولاكم أمر البلاد والعباد، فحكِّموا فيهم شرع الله، وأقيموا فيهم العدل، واحملوهم على الخير لتعيشوا أنتم وإياهم في أمن وسلامة واستقامة وثبات.
أمة الإسلام، حجاج بيت الله الحرام، وصلتم إلى أشرف البقاع وأفضلها، فاحمدوا الله على هذه النعمة، وأدوا نسككم بطمأنينة وسكينة، وليكن أمركم التعاون على البر والتقوى، ليرحم الكبير الصغير، ويعود المستغني على الفقير، وكونوا عباد الله إخوانًا.
حجاج بيت الله الحرام، إن الله جل وعلا هيّأ لهذا البيت رجالًا مخلصين، عمروا هذا البيت الحرام، وسعوا في خدمته، وتهيئته للقادمين، وذللوا كل الصعاب أمام الحاجين والمعتمرين، فجزاهم الله عما فعلوا خيرًا.
أيها المسلم، أنت اليوم في يوم عرفة، في هذا المكان العظيم، ويوم عرفة من أعظم أركان الحج، يقول المصطفى: (( الحج عرفة ) ) [3] ، هذا الحج وقته يبدأ من هذا اليوم إلى طلوع الفجر من ليلة الجمعة، فمن جاء عرفة قبل طلوع الفجر فقد أدرك، يقول: (( الحج عرفة، من جاء عرفة ليلة جمع قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك ) ) [4] .
أيها الحاج، قف بهذا المكان خاضعًا لربك، خائفًا راجيًا، سله من فضله وكرمه، فهذا يوم المباهاة، ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عبيدًا من النار مثل هذا اليوم، وإنه ليدنو ويباهي بهم الملائكة، يباهي الله أهل السماء بأهل الأرض، يقول: انظروا إلى عبادي، أتوني شعثًا غبرًا ضاحين، أشهدكم أني قد غفرت لهم.
يروى أنه قال: (( خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون قبلي يوم عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير ) ) [5] .
هذا يوم من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غُفر له، فأروا الله من أنفسكم خيرًا، وقف فيه نبيكم من بعد ما صلى الظهر والعصر جمعًا وقصرًا إلى أن غربت عليه الشمس، وهو واقف على راحلته، رافع يديه، خاضع مستكين لربه صلوات الله وسلامه عليه، أنزل الله عليه في ذلك اليوم: ?لْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ?لإسْلاَمَ دِينًا [المائدة:3] .
فقف بهذا المكان إلى أن تغرب عليك الشمس، وإياك والانصراف قبل ذلك، صلِّ الظهر والعصر بعرفة جمعًا وقصرًا، الظهر ركعتين والعصر ركعتين، وقف بداخل حدودها، انصرف منها بعد غروب الشمس، وصلّ بالمزدلفة المغرب والعشاء جمعا وقصرًا، بت بها إن كنت من القادرين إلى أن تصلي بها الفجر، وللضعفة الدفع بعد نصف الليلة، انصرف بعد ذلك إلى منى، وارم جمرة العقبة، ثم احلق أو قصّر من رأسك، فقد حلّ لك كل شيء إلا النساء، طف بالبيت واسع بيت الصف والمروة إن كنت متمتعًا، أو قارنًا ومفردًا لم يسع مع طواف القدوم.
أيها الحاج المسلم، ارم الجمار في الأيام الثلاثة: الأولى والوسطى والعقبة، كل واحدة بسبع حصيات، ارمها في اليوم الثاني عشر، ولك الرمي من بعد الزوال إلى طلوع الفجر، وارمها في اليوم الثالث عشر إن تأخرت، وإن تعجلت دفعت في اليوم الثاني، وإذا قدَّمت يوم النحر بعض الأنساك على بعض، فنبيك ما سئل عن شيء قدِّم ولا أُخر إلا قال: (( افعل ولا حَرج ) ) [6] .
أمة الإسلام، إن الله لم يخلقنا عبثًا، ولم يتركنا سدى، خلقنا لنعبده، ونحن ملاقوه يوم القيامة، ي?أَيُّهَا ?لنَّاسُ ?تَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ?لسَّاعَةِ شَىْء عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ?لنَّاسَ سُكَـ?رَى? وَمَا هُم بِسُكَـ?رَى? وَلَـ?كِنَّ عَذَابَ ?للَّهِ شَدِيدٌ [الحج:1، 2] ، ذلك اليوم تُدك فيه الأرض، وتسيَّر فيه الجبال، وتشتد الأمور، وتعظم الأهوال، وينزل للحكم بين الخلق الكبير المتعال. ذلك اليوم تُحشرون حافية أقدامكم، شاخصة أبصاركم، عاريةً أبدانكم، وجلةً قلوبكم.
في هذا اليوم العظيم يمسك الله الأرض ويطوي السماء بيمينه، ويقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ في هذا اليوم يَفِرُّ ?لْمَرْء مِنْ أَخِيهِ وَأُمّهِ وَأَبِيهِ وَصَـ?حِبَتِهُ وَبَنِيهِ لِكُلّ ?مْرِئ مّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:34-37] ، يُحشر الخلائق والدواب في صعيد واحد، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، تدنو الشمس منهم على قدر ميل، ويُزاد في حرها، فمنهم من حظُّ عرقه إلى كعبيه، ومنهم إلى ركبتيه، ومنهم إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا.
في ذلك اليوم يشتد الأمر على العباد، يبحثون عمن يشفع لهم ويخلصهم من أهوال ذلك اليوم، فيأتون الأنبياء آدم ونوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى وكلهم يعتذر، حتى ينتهي الناس إلى سيد الأولين والآخرين، وإمام المتقين، خير الأنبياء وأفضلهم على الإطلاق، فيقول: (( أنا لها ) )، فيسجد تحت العرش، ويفتح الله عليه من محامده ما الله به عليم [7] ، وهو المقام المحمود الذي قال الله له: عَسَى? أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا [الإسراء:79] .
يقضي الله بين العباد، فأول ما يقضي بينهم من حقوقه الصلاة، فمن صحت صلاته فقد فاز، ومن فسدت صلاته فهو على خطر عظيم، يقضي الله بين العباد فيرد المظالم إلى أهلها، فإن لم تفِ ذلك أخذ من سيئات المظلوم فحمّلت إلى الظالم والعياذ بالله.
يومٌ توزن فيه الأعمال، فَمَن ثَقُلَتْ مَو?زِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ ?لْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَو?زِينُهُ فأُوْلَئِكَ ?لَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فِى جَهَنَّمَ خَـ?لِدُونَ [المؤمنون:102، 103] ، يومٌ تنشر فيه الدواوين فآخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله.
وفي ذلك الموقع حوض نبينا ، طوله شهر وعرضه شهر، آنيته عدد نجوم السماء، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وأبرد من الثلج، يسكب فيه ميزابان من الكوثر من الجنة، يردُه المسلمون، ويُحجب عنه المخالفون لشرع رب العالمين. ينصب الصراط فيمر العباد على قدر أعمالهم، حتى يصل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نسأل الله الثبات على الحق، والاستقامة عليه.
[1] أخرجه الترمذي في البيوع (1295) ، وابن ماجه في الأشربة (3381) من حديث أنس رضي الله عنه بنحوه، وقال الترمذي:"هذا حديث غريب من حديث أنس، وقد روي نحو هذا عن ابن عباس وابن مسعود وابن عمر عن النبي"، وقال الحافظ في التلخيص (4/73) :"رواته ثقات"، وصححه الألباني في غاية المرام (60) .
[2] أخرجه الترمذي في البيوع (1210) ، وابن ماجه في التجارات (2146) ، والدارمي في البيوع (2538) من حديث رفاعة بن رافع رضي الله عنه بنحوه، وقال الترمذي:"هذا حديث حسن صحيح"، وصححه ابن حبان (4910) ، والحاكم (2/6) ، ووافقه الذهبي، وفي إسناده مجهول كما حققه الألباني في غاية المرام (168) .
[3] أخرجه أحمد (4/309) ، والترمذي في الحج (889) ، وأبو داود في المناسك (1949) ، والنسائي في الحج (3016) ، وابن ماجه في المناسك (3015) من حديث عبد الرحمن بن يعمر رضي الله عنه، وقال الترمذي:"هذا حديث حسن صحيح"، وصححه ابن الجارود (468) ، وابن خزيمة (2822) ، وابن حبان (3892) ، والحاكم (1/463) .
[4] انظر التخريج السابق.
[5] أخرجه الترمذي في الدعرات (3585) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وقال:"حديث غريب"، وله شواهد من حديث علي وأبي هريرة، قال الألباني في الصحيحة (1503) :"وجملة القول أن الحديث ثابت بمجموع هذه الشواهد والله أعلم".
[6] أخرجه البخاري في الحج (1736) ، ومسلم في الحج (1306) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
[7] حديث الشفاعة الطويل أخرجه البخاري في التوحيد (7510) ، ومسلم في الإيمان (193) من حديث أنس رضي الله عنه.
لم ترد.